مع فشل الولايات المتحدة وروسيا في تمديد معاهدة الحدّ من الأسلحة الإستراتيجية الجديدة (نيو ستارت) لعامٍ إضافي كحلٍّ إسعافي، فإنَّ غموض النوايا وسرِّية الأفعال سيدفعان العالم إلى حالةٍ دائمة من عدم اليقين وانعدام الأمن. والجدير بالذكر أنَّ هذا الاتفاقية وُقِّعت عام 2010م بين الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما ونظيره الروسي دميتري مدفيديف، لكنَّها دخلت منعطفًا خطِر عام 2023م حين علَّق الرئيس فلاديمير بوتين العمل بها، ما لم يتوقَّف البيت الأبيض عن دعمه العسكري لأوكرانيا، كما طالبت موسكو بإشراك لندن وباريس في أيّ محادثات مستقبلية للحدّ من التسلّح. وبينما بقِيَت عمليات التفتيش الميدانية معلَّقة منذ جائحة «كوفيد-19»، بدأ الكرملين يحجب البيانات نصف السنوية المتعلِّقة بالمنشآت والقوّات النووية، وكذلك الإخطارات الخاصَّة بالعناصر الخاضعة للمعاهدة، مثل الصواريخ الباليستية، ومنصّات الإطلاق، فضلًا عن تبادُل المعلومات القياسية (التليمترية) بشأن تجارب الصواريخ الباليستية العابرة للقارات والصواريخ الباليستية، التي تُطلَق من الغوّاصات؛ الأمر الذي استدعى ردًّا مماثلًا من «البنتاغون». وعلى الرغم من أنَّ الولايات المتحدة اختارت في عام 2024م عدم زيادة ترسانتها النووية المنتشرة، لم يعارض الرئيس الحالي فقط تمديد المعاهدة مرَّةً أخرى، بل خصَّص أيضًا أموالًا ستُصرَف بعد فبراير لتعزيز ترسانتها متجازوةً حدودها التكنولوجية والعملياتية. وفي حين تواجه خطَّة تحديث الترسانة النووية الأمريكية تأخيرات، تعمل روسيا على تطوير أنواعٍ متعدِّدة من الأسلحة النووية الجديدة. ويطمح ترامب إلى إنشاء درع دفاعي يُعرَف باسم «القُبَّة الذهبية»، إلى جانب إضافة مزيد من الرؤوس النووية إلى الغوّاصات الأمريكية. ولم يُقنِع عرض بوتين بتمديد الاتفاق لعام واحد ترامب، إذ يُنظَر إلى روسيا على أنَّها تسعى إلى كسْب الوقت لمعالجة أوجه القصور التكنولوجية في تطوير أسلحتها النووية. وهكذا وبعد مُضي 15 عامًا، تنطوي صفحة آخر اتفاق ثنائي فعّال للحدّ من الأسلحة الإستراتيجية.
اتّفقت الولايات المتحدة وروسيا على ألّا يتجاوز عدد الرؤوس النووية الإستراتيجية المنشورة، لدى كل منهما، 1550 رأسًا. كما قُيِّد كل طرف بـ700 وسيلة إطلاق، تشمل الصواريخ الباليستية العابرة للقارات البرِّية، والصواريخ الباليستية المُطلَقة من الغوّاصات، والقاذفات الثقيلة، مع تحديد سقفٍ إجمالي يبلغ 800 منصَّة إطلاق منتشرة وغير منتشرة لهذه الوسائل.
وكانت الاخطارات إلزامية بشأن الأنشطة المتعلِّقة بالأسلحة الإستراتيجية، مثل تجارب الصواريخ وتحرُّكات القاذفات، كما جرت عمليات تبادُل للبيانات لمشاركة المعلومات حول أعداد الصواريخ، ووسائل الإطلاق المنتشرة، وسمَحَ بعمليات تفتيش ميدانية للتحقُّق من الالتزام. ولم تفرض المعاهدة قيودًا على الأسلحة النووية غير الإستراتيجية، على الرغم من امتلاك روسيا مخزونًا كبيرًا يزيد على ألف منها، كما لم تُقيَّد أنظمة الأسلحة الإستراتيجية الجديدة. وكان إدراج حدٍّ لمنصّات الإطلاق غير المنتشرة يهدُف إلى منْع التوسُّع السريع في أعداد الأسلحة المنتشرة، بما يتجاوز السقف المحدَّد في المعاهدة، في سيناريو يُعرَف بـ «الانفلات».
الشكل البياني 1: معاهدة الحدّ من الأسلحة الإستراتيجية الجديدة (نيو ستارت) (2011-2026م)

وقال ترامب لصحيفة «نيويورك تايمز»: «إذا انتهت، فلتنتهِ. سنُبرِم اتفاقًا أفضل»، بعد انقضائها. وتسعى الولايات المتحدة إلى إشراك الصين، التي يتراوح حجم ترسانتها النووية المتنامية بين 600 و800 رأس، كما يرغب ترامب في ضمّ قُوى نووية أخرى إلى أيّ اتفاق مقبل، غير أنَّ أيًّا منها لم يُبدِ اهتمامًا. وقد تغيَّرت رؤيته كلِّيًا في ولايته الرئاسية الثانية؛ إذ روَّج لنفسه بوصفه وريثًا لنهج ريغان التفاوضي في مجال الحدّ من التسلُّح في ثمانينيات القرن الماضي، وكان آنذاك يدعو إلى نزْع السلاح النووي. أمّا نظيره الروسي، فلم يُظهِر تحفُّظًا على فكرة ضبْطٍ شامل للتسلُّح، فيما يسعى بوتين إلى تقويض إرث الاتحاد السوفياتي بأيّ وسيلة ممكنة. وبهذه التطوُّرات، نرى العالم اليوم يقِف أعتاب سباق تسلُّح نووي.
ولو أرادت الولايات المتحدة توسيع قوّاتها الإستراتيجية المنتشرة، لأمكنها سريعًا إدخال الرؤوس الاحتياطية إلى الخدمة. ومن الخطوات المباشرة، زيادة الحمولة الصاروخية في غوّاصاتها الحاملة للصواريخ الباليستية من أربعة أو خمسة صواريخ لكُلِّ غوّاصة إلى الحدّ الأقصى البالغ ثمانية؛ ما يضيف نحو 800 إلى 900 رأس نووي إلى الأسطول البحري، ويمنح القوَّة قُدرة نارية أكبر بكثير، ورُبَّما يجعلها أكثر ميلًا إلى المبادرة بالإطلاق فور صدور الإذن. كما أنَّ سلاح الجو الأمريكي مستعدّ لإعادة تأهيل قاذفات «بي-2 و76» وقاذفة «بي-52» لحمل صواريخ «مينيوتمان 3» العابرة للقارات، بعد أن أُخرِجت من حالة التأهُّب وأُودِعت أسلحتها المخازن عام 1992م. ولا تفرض أيّ معاهدة قيودًا على عدد قاذفات «بي-21 رايدر»، القادرة على حمل أسلحة نووية في الخدمة.
وفيما تركِّز الولايات المتحدة على تحديث ترسانتها النووية، يُرجَّح أن تمضي روسيا في المسار ذاته، إلى أن تتخطَّى التحدِّيات التكنولوجية المرتبطة بصاروخها الثقيل الجديد «آر إس-28 سارمات» وأشباهه. وعلى أيّ حال، تحتفظ موسكو بقُدرة مُعتبَرة على إضافة رؤوس نووية إلى قوّاتها الإستراتيجية، لا سّيما إلى صواريخ «إس إس-18 الشيطان» العابرة للقارات. وعلى المدى البعيد، يعمل علماؤها ومهندسوها وأجهزتها الاستخبارية على تجهيز خمسة أنواع من أسلحة الجيل التالي، وكان بوتين قد أعلن، على نحوٍ سابق لأوانه، تطويرها ونشرها.
وبسبب عملية «شبكة العنكبوت»، التي نفَّذتها أوكرانيا، دُمِّر أو تضرَّر بشدَّة ثُلث القاذفات النووية الروسية، من طرازي «تو-95 إم إس» و«تو-22 إم 3». ومع ثبوت بطء وتيرة الحرب وكُلفتها الباهظة، يرزح قطاع الصناعات الدفاعية الروسي تحت وطأة نزيفٍ مستمرّ، إذ تحول العقوبات دون استيراد الآلات الغربية والسبائك والمعدّات المتقدِّمة، بما في ذلك المعالجات الدقيقة. ومن ثمَّ، فإنَّ إنتاج القاذفات النووية القديمة أو الجديدة، سيظَلّ مهمَّة مُكلِفة ومعقَّدة وبطيئة. وقد تسعى موسكو في المدى القصير إلى إنتاج مزيد من الصواريخ الباليستية العابرة للقارات القديمة، وإن مع ترقياتٍ جزئية. ويرى خبراء أنَّ روسيا قادرة على إضافة 400 رأس نووي إضافي، عبر قوَّة صواريخها العابرة للقارات.
ويقع مخطِّطو الأسلحة النووية في كلٍّ من روسيا والولايات المتحدة في أسْر افتراض أسوأ السيناريوهات؛ ما يقود إلى زيادة الاستثمارات في القوّات النووية والقوّات التقليدية، وفي قُدرات الفضاء السيبراني، والذكاء الاصطناعي، وأنظمة الدفاع الصاروخي. وقد علَّقت الصين محادثات الاستقرار الإستراتيجي مع الولايات المتحدة عام 2024م، متذرِّعةً بعدم احترام المصالح الأساسية للصين. إنَّ انعدام الثقة المُتبادَل، إلى جانب وهْم إبرام معاهدة شاملة للحدّ من الأسلحة النووية تضُمّ جميع الدول المالكة لها، يقود إلى انفجار كارثة في عالمٍ يشتَدّ نحو الاستقطاب. فلا واحدة من الدول التسع الحائزة للسلاح النووي -الأعضاء الدائمون الخمسة في مجلس الأمن، وإسرائيل، والهند، وباكستان، وكوريا الشمالية- ستتجاهل أسوأ السيناريوهات، أو تُبطئ عجلة بناء ترسانتها. فإذا كانت روسيا تطوِّر أسلحة نووية أكثر تقدُّمًا، وكانت الولايات المتحدة غير راغبة في دعْم حلفائها، فما الذي سيمنع كندا وألمانيا وبولندا وكوريا الجنوبية، بل وحتى اليابان، من السعي إلى ردعٍ نووي خاص بها بعد الانسحاب من معاهدة عدم الانتشار؟ هل آن الأوان فعلًا لخطاب كينيث والتز القائل إنَّ «المزيد قد يكون أفضل»؟ إنَّ على واشنطن وموسكو تجميد الوضع القائم عبر تمديد المعاهدة لعامٍ أو أكثر، والعودة بذلك إلى احترام آليات التحقُّق القائمة على تبادُل البيانات.