في ظل ضغوط عسكرية متزايدة ودبلوماسية هشَّة، تسير الولايات المتحدة وإيران على مسار محفوف بالمخاطر نحو احتمال التوصُّل إلى اتفاق نووي جديد. وحتى 12 فبراير 2026م، أطلق الرئيس دونالد ترامب تحذيرات حادَّة إلى طهران، مؤكِّدًا أنَّ أمام إيران مهلة شهرٍ واحد لإبرام اتفاق، وإلّا ستواجه ما وصفه بـعواقب «مؤلمة جدًّا». وقد ذكَرَ ترامب في تصريحاته متعمِّدًا عملية «مطرقة منتصف الليل»، التي نُفِّذت العام الماضي، وألحقت أضرارًا جسيمة بالمنشآت النووية الإيرانية، وأنَّها بحسب تصريحات واشنطن، أقدمت على إرجاع البرنامج النووي الإيراني عقودًا إلى الوراء. وخلال حديثه في البيت الأبيض، صوَّر ترامب اللحظة باعتبارها خيارًا حاسمًا، بقوله: «علينا أن نُبرِم اتفاقًا، وإلّا سيكون الأمر مؤلمًا جدًّا»، مذكِّرًا القادة الإيرانيين بمصير المواقع، التي استُهدِفت سابقًا. الرسالة واضحة: الدبلوماسية لا تزال ممكنة، لكن البديل هو تصعيد قسري.
تأتي هذه التحذيرات بعد ثمانية أشهر من انتهاء «حرب الأيام الاثني عشر»، وفي ظل مفاوضات غير مباشرة جارية في سلطنة عُمان منذ 6 فبراير 2026م. وقد وصَفَ الطرفان بحذر جولات التبادُل الأولى بأنَّها بنّاءة، على الرغم من استمرار الانقسامات العميقة حول قضايا جوهرية، وفي مقدِّمتها تخصيب اليورانيوم والقُدرات الصاروخية الباليستية. وتطرح الرواية الأمريكية هذه المحادثات، باعتبارها الفرصة الأخيرة أمام إيران للتخلِّي ليس فقط عن أيّ مسار نحو امتلاك سلاح نووي، بل أيضًا عمّا تصفه واشنطن بالسلوك الإقليمي المزعزِع للاستقرار. واستنادًا إلى انسحابه في ولايته الأولى من اتفاق عام 2015م، المعروف بـ«خطَّة العمل الشاملة المشتركة»، أعاد ترامب إحياء إستراتيجية «الضغوط القصوى»، التي تمزج بين عقوبات واسعة النطاق، وإشارات عسكرية علنية تهدُف إلى حرمان طهران من أوراق النفوذ الإستراتيجي.
وقد عزَّز البيت الأبيض هذا التوجُّه، بالتذكير بأنَّ ترامب هو من أذِنَ بتنفيذ عملية «مطرقة منتصف الليل» في يونيو2025م، التي قال إنَّها «سحقت» بُنى تحتية نووية رئيسية، وأخَّرت الطموحات النووية الإيرانية بشكلِ كبير. ويُصِرُّ المسؤولون الأمريكيون اليوم على أنَّ أيّ اتفاق جديد، يجب أن يتجاوز القيود النووية؛ ليشمل أيضًا فرْض قيود على تطوير الصواريخ الباليستية، وكبْح دعْم الجماعات الحليفة لطهران في أنحاء المنطقة. ووصَفَ ترامب هذه المطالب الشاملة بأنَّها بديهية، معتبرًا أنَّه من «المنطقي تمامًا» أن يُعالِج أيُّ اتفاق هذه الهواجس الأمنية الأوسع.
ويتعزَّز هذا الحراك الدبلوماسي بحشدٍ عسكري كبير في الشرق الأوسط؛ ففي أواخر يناير، نشرت واشنطن مجموعة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» إلى جانب أنظمة إضافية للدفاع الجوِّي والصاروخي، مع تقارير عن استعدادات لإلحاق مجموعة حاملة ثانية بالتشكيل العسكري في المنطقة. ويصِف «البنتاغون» هذه الإجراءات بأنَّها ردعية واحترازية في آٍن واحد، بما يعكس استعدادًا لتنفيذ ضربات إذا انهارت الدبلوماسية. ولوَّح ترامب بمزيد من التصعيد، إذ قال لوسائل إعلام إسرائيلية إنَّه في حال غياب تنازلات إيرانية ذات مغزى، فإنَّ الولايات المتحدة «ستضطر إلى القيام بشيء بالغ الصعوبة». وهكذا، أصبح الربط الضمني بين التفاوض والقوَّة سِمة محدَّدة لنهج واشنطن.
ومن جهتها، تصوِّر طهران الولايات المتحدة باعتبارها الطرف المعتدي، متّهِمةً واشنطن بتسليح العقوبات الاقتصادية والتهديدات العسكرية؛ لانتزاع تنازلات تمَسْ ما تعتبره حقوقها السيادية بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. وأكَّد الرئيس مسعود بزشكيان أنَّ إيران لا تسعى إلى امتلاك سلاح نووي، وأنَّها مُستعِدةٌ لقبول إجراءات تحقِّق صارمة، لكنَّه استبعد تمامًا أيّ تفاوُض بشأن الصواريخ الباليستية، أو النفوذ الإقليمي، معتبرًا إيّاها خطوطًا حمراء غير قابلة للتفاوض، ومرتبطة بالدفاع الوطني والعُمق الإستراتيجي. كما رفَضَ وزير الخارجية عباس عراقجي المطالب الأمريكية المتعلِّقة بالبرنامج الصاروخي، محذِّرًا من أنَّ إيران ستستهدف القواعد الأمريكية في المنطقة إذا تعرَّضت لهجوم.
وتفاقم الاضطرابات الداخلية الحالة تعقيدًا؛ فقد نسَبَ الرئيس مسعود بزشكيان الاحتجاجات الأخيرة إلى تحريضٍ خارجي، معتبرًا أنَّ الولايات المتحدة وإسرائيل وأطرافًا أوروبية تستغِلّ التدهور الاقتصادي لزعزعة استقرار البلاد. وبينما دعا بزشكيان المسؤولين إلى التمييز بين الاحتجاج السِلْمي وأعمال العُنف، وصَفَ الأخيرة بأنَّها أفعال مُدبَّرة من الخارج، وتشبه «تكتيكات متطرِّفة، لا تعبيرات حقيقية عن سخط اجتماعي-اقتصادي». وتعزَّز هذه السردية موقف طهران القائل إنَّ «الضغط العسكري الأمريكي يقوِّض المفاوضات، بدلاً من تسهيلها».
وجاء تطوُّر مفصلي خلال اجتماع 11 فبراير في واشنطن، بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وترامب؛ فوسط تقارير تُفيد بإمكان إعادة إيران بناء ترسانتها الصاروخية لتتراوح بين 1800 و2000 صاروخ خلال أسابيع، ضغَطَ نتنياهو، حسب التقارير الواردة، لتوسيع نطاق المحادثات ليشمل قيودًا صارمةً على الصواريخ الباليستية، وحثَّ على النظر في توجيه ضربات لمنشآت إنتاج الصواريخ إذا تعثَّرت الدبلوماسية. ووصَفَ ترامب الاجتماع بأنَّه مثمر لكنَّه غير حاسم، مؤكِّدًا تفضيله للمفاوضات، مع التحذير من أنَّ الفشل سيستدعي قرارات صعبة. وعلى الرغم من إعرابه عن تفاؤله بأنَّ إيران «تريد اتفاقًا»، يبقى المسؤولون الإسرائيليون متخوِّفين من أن يترك اتفاق نووي ضيِّق النطاق إسرائيل عُرضةً لقُدرات صاروخية متنامية وتهديدات من حُلفاء طهران الإقليميين. كما تطرَّق اللقاء إلى إعادة إعمار غزة، ومقترح ترامب بشأن «مجلس السلام»، بما يعكس تشابُك الرهانات الإقليمية الأوسع مع الملف النووي.
وعلى المستوى الإقليمي، بذلت عدَّة أطراف جهودًا في الوساطة، مؤكِّدين ضرورة خفْض التصعيد لمنع اندلاع مواجهة مُحتمَلة؛ فقد وظَّفت سلطنة عُمان، التي تستضيف المحادثات غير المباشرة، دبلوماسيتها الحيادية التقليدية لتسهيل التواصل بين واشنطن وطهران، ونقلت النقاشات إلى مسقط لتعزيز الثقة والسرِّية. كما أعلنت السعودية وقطر والإمارات دعمها العلني للمسار الدبلوماسي، وشدَّد وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان على إلحاحية التوصُّل إلى حل تفاوضي لاحتواء أزمات المنطقة. وإلى جانب مصر وتركيا وباكستان، طرحت دول الخليج مقترحات، تراوحت بين اتفاقات عدم اعتداء، وتجميد مؤقَّت للتخصيب، وفرْض قيود على نقْل السلاح إلى الجماعات الحليفة. وتعكس هذه المبادرات إدراكًا بأنَّ الملفات النووية والصاروخية وشبكات الحُلفاء مترابطة، ويجب التعامل معها بصورةٍ شاملة. ويُلاحَظ أنَّ مواقف الخليج تطوَّرت؛ فبعدما كانت متحفِّظة إزاء الوساطة العُمانية، باتت اليوم تراها ضرورة لا غِنى عنها، خاصَّةً بعد الضربة الإيرانية لقاعدة العُديد في قطر عام 2025م، التي كشفت مخاطر اتّساع رقعة المواجهة. ومع استمرار المفاوضات، تقِف المنطقة عند مُفترَقٍ حاسم بين المواجهة والتسوية. فالولايات المتحدة تعتمد على ضغوط عسكرية محسوبة لتعزيز موقفها على طاولة المفاوضات، بينما تسعى إيران إلى حماية أُصولها الإستراتيجية الأساسية من دون الانزلاق إلى صدام مباشر، وبدروها تقدِّم الوساطة الإقليمية ممرًّا دبلوماسيًا ضيِّقًا، وتبقى هوَّة انعدام الثقة عميقة بين الطرفين.
وقد يؤدِّي انهيار المحادثات إلى تصعيد سريع، مع احتمال نشوء وضْع بالغ الخطورة عقِبَ انتهاء مُهلة ترامب، التي تمتَدّ لشهرٍ واحد حتى 13 مارس، غير أنَّه حتى في حال التوصُّل إلى اتفاق، قد تبقى التوتُّرات المتعلِّقة بالبرنامج الصاروخي الإيراني ونفوذه الإقليمي من دون حل. ومع اقتراب الموعد النهائي، الذي حدَّده ترامب، يضيق هامش الخطأ إلى حدٍّ خطيرٍ، وقد تتجاوز تداعيات فشل التوصُّل إلى اتفاق بكثير حدود الملف النووي نفسه.