احتدم الخلاف بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وبابا الفاتيكان ليو الرابع عشر على إثر الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، وانتقاده لتهديد ترامب بتدمير الحضارة الإيرانية. وقد دعا البابا في أكثر من مناسبة إلى السلام، وانتقاد الحرب. ولا يبدو الخلاف بينهما سجالًا عابرًا بين زعيم سياسي ومرجعية دينية، بل هو تجلٍّ لأزمة أعمق: أزمة العلاقة بين السياسة والأخلاق، والدِّين والمجال العام، فالفاتيكان يطرح سؤالًا مهمًّا متعلقًا بحق الدولة في تقرير أو احتكار تحديد معنى الخير والشر في زمن الحرب، وما المسموح وما الممنوع، وبالتالي يبين هذا السؤال مدى التوتر بين واشنطن والفاتيكان حول نموذج الدولة القومية التي تستند إلى منطق القوة والمصلحة، ونموذج السلطة الروحية التي تدّعي امتلاك معيار أخلاقي عابر للحدود. مِن هُنا، لا يغدو الخلاف بين ترامب والبابا خلافًا شخصيًّا، بل يتحول إلى ساحة اختبار لنزاع أوسع حول حدود الدِّين في السياسة، وحدود السياسة أمام الأخلاق، ومشروعية استخدام المقدس في تبرير العنف أو مقاومته.
ويسعى هذا التقرير لرصد مَواطن الخلاف بين الجانبين، وتتبُّع أسبابه وجذوره ومآلاته، مع محاولة الجواب عن سؤال العلاقة بين السلطتين الدينية والسياسية اليوم في الولايات المتحدة، وحدود دور الدِّين في المجال العام، وهل العلاقة بينهما في الغرب استتباع أم أنَّ كل مؤسسة مستقلة بذاتها.
أولًا: أصل الخلاف وأسبابه
بين الجانبين خلافات عميقة بسبب تصريحات البابا تجاه الحرب أولًا، ثم بسبب تباين النموذجين، فالرئيس ترامب وإدارته يريدون من البابا أن ينأى بنفسه عن السياسة، وهو ما طلبه صراحة نائب الرئيس وبعض الجمهوريين في الكونغرس، والبابا في نفس الوقت يرى أن مهمته وإن كانت روحانية إلا أنها أخلاقية أيضًا، والأخلاق لا تنحصر في الخلاص الفردي، بل تحتم عليه أن يدعو إلى السلام العالمي، وإلى شمولية الأخلاق كل ميادين الحياة، بما فيها الجانب السياسي. فتعاطي البابا إذًا مع المسائل السياسية ليس تعاطيًا سياسيًّا من حيث لغة المصالح والقوة، بل من حيث التزامها المعايير الأخلاقية أم لا.
1- السلام وأخلاقية الحرب بين واشنطن والفاتيكان:
أشار البابا في تصريحات عديدة له بصورة غير مباشرة إلى الحرب الأمريكية-الإسرائيلية في الشرق الأوسط، قائلًا: «كفى عبادة للذات والمال! كفى استعراضًا للقوة! كفى حربًا! القوة الحقيقية تكمن في خدمة الحياة». لكن تصريحات البابا ورسائله أقلقت الرئيس الأمريكي الذي سارع بالهجوم على البابا، فعاد البابا ليؤكد صرامته بقوله: «لا أخشى إدارة ترامب، سأواصل التحدث بقوة ضد الحرب ومن أجل السلام». ومن جانبه نشر ترامب في حسابه على «تروث سوشيال» صورة له مولدة بالذكاء الصناعي، يظهر فيها على هيئة يسوع المسيح، واضعًا يده على جبهة شخص مريض، كأنه يقدّم له العلاج، ويظهر معه في نفس الصورة ممرضة، وعناصر للجيش الأمريكي، وفتاة تصلّي، وطائرات حربية، وتمثال الحرية، ونسور، وجنود مقاتلون، مما أثار جدلًا داخل الولايات المتحدة وخارجها، حتى بين بعض مؤيدي الرئيس الأمريكي. وطالبه كثير من المحافظين بحذف الصورة، وبالفعل حذفها ترامب، وهي من المرات النادرة التي يتراجع فيها عن منشور له. وجاء نشر هذه الصورة بعد منشور آخر له هاجم فيه بابا الفاتيكان، واصفًا إياه بأنه «ضعيف في مواجهة الجريمة» و«سيئ في إدارة القضايا الخارجية»، واستطرد قائلًا: «أنا أحب شقيقه لويس، لأن لويس مؤيد لحركة ماغا، هو يفهم وليو لا يفهم». جاءت هذه التصريحات في سياق الحرب وإثر دعوات البابا المتكررة إلى وقف الحروب، لا سيما موقفه المنتقد للحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، إذ شدّد على ضرورة تغليب السلام والتفاوض بدلًا من التصعيد العسكري.
لكن البابا لم يلتزم الصمت هنا، بل أعاد الكرّة مرة أخرى، ففي أثناء زيارته للكاميرون في إفريقيا أدان الأشخاص الذين تلاعبوا باسم الله نفسه لتحقيق مكاسبهم الخاصة، قائلًا: «يظن سادة الحرب أنهم لا يعرفون أن التدمير لا يتطلب سوى لحظة. ومع ذلك، غالبًا ما لا تكفي حياة كاملة لإعادة البناء. إنهم يغضّون الطرف عن حقيقة أن مليارات الدولارات تُنفَق على القتل والدمار، في حين أن الموارد اللازمة للشفاء والتعليم والترميم لا يمكن العثور عليها في أي مكان. إنّ العالم يتعرض للتدمير على أيدي حفنة من الطغاة».
وتُعَدّ تلك التصريحات قوية وغير عادية، بل وغير مألوفة، في سياق التصريحات المعادية للبابا من واشنطن. ووجد البابا دعمًا من رئيس أساقفة كانتربري، زعيم ثالث أكبر طائفة مسيحية في العالم، سارة مولالي، الذي قال: «أقف مع أخي في المسيح، قداسة البابا ليو الرابع عشر، في شجاعته للدعوة إلى مملكة السلام».
لكن ينبغي الأخذ في الاعتبار السياق الذي جاء فيه هذا الحديث، إذ إنه كان يتحدث في عاصمة الجزء الشمالي الغربي من الكاميرون حيث كان هناك تمرد منذ سنوات أدى إلى مقتل الآلاف من الناس. ويمكن فَهْم خطاب البابا على أنه متعلق بالزمان والمكان، ويمكن كذلك فهمه كخطاب مزدوج يراد به إيصال رسالة إلى البيت الأبيض ورسالة إلى الكاميرون. لكن الواقع أن تلك التصريحات تأتي بعد أسبوع من الأخذ والرد مع إدارة ترامب ودونالد ترامب نفسه. وبعد إثارة الجدل عالميًّا بسبب تلك التصريحات، صرّح البابا مرة أخرى أن تصريحاته في الكاميرون لم تكن موجهة إلى ترامب.
ودخل نائب الرئيس الأمريكي على خط الأزمة، فقال في مقابلة مع قناة «فوكس نيوز»: «مِن الأفضل للفاتيكان أن يلتزم قضايا الأخلاق، وأن يركز على شؤون الكنيسة الكاثوليكية، وأن يترك لرئيس الولايات المتحدة حرية تحديد السياسة العامة الأمريكية». وأضاف: «في بعض الحالات، مِن الأفضل للفاتيكان أن يقتصر على مسائل الأخلاق، وأن يلتزم ما يجري في الكنيسة الكاثوليكية». كما صرح قائلًا: «يعجبني أن البابا داعٍ للسلام، وأعتقد أن هذا بالتأكيد أحد أدواره. ولكن من جهة أخرى، كيف يمكن القول إنّ الله لا يقف أبدًا إلى جانب مَن يحملون السيف؟ هل كان الله مع الأمريكيين الذين حرروا معسكرات الهولوكوست؟ مِن المهم جدًّا أن يتوخى البابا الحذر عند حديثه عن مسائل اللاهوت… عليه أن يتأكد من أن كلامه يستند إلى الحق».
وتكشف تصريحات فانس عن محاولة أمريكية محافظة لإعادة ضبط الحدود بين الجانبين الديني والسياسي، فهو لا يطلب من الدين أن ينسحب من المجال العام مطلقًا، بل يطلب منه أن يبقى في المجال الأخلاقي المجرد، وألا ينتقل من الوعظ إلى مساءلة القرار السيادي للدولة.
وهنا يظهر الخلاف الحقيقي بين الفاتيكان وواشنطن، فالبابا لا يتحدث باعتباره رجلَ دِين يعِظ الضمائر فحسب، بل باعتباره أيضًا سُلطة كَنَسِيَّة ترى أن الأخلاق المسيحية لا تكتمل إلا إذا واجهت الحرب والتبرير الديني للعنف. ولذلك فإن عبارة البابا بأن «الله لا يبارك أي صراع» هي بمثابة نزع للشرعية الدينية عن الحرب نفسها، وعن كل خطاب يريد تحويل القوة العسكرية إلى واجب أخلاقي أو قَدَر مقدس، أو ينأى بالسياسي عن الأخلاقي.
أيضًا من الزاوية السياسية فإن موقف فانس يُعبِّر عن «استقلال السيادة الأمريكية» تجاه مسائل الأمن القومي، فالسياسة الخارجية والهجرة والحرب مسائل يقررها الرئيس انطلاقًا من «مصلحة الولايات المتحدة»، وليس من سلطة أخلاقية كونية عابرة للحدود. لكن هذا المنطق يدخل في صدام مباشر مع الفاتيكان، لأن الكنيسة الكاثوليكية، بحكم تكوينها العالمي، لا تنظر إلى الحرب من زاوية المصلحة القومية الأمريكية، بل من زاوية الإنسان المتألم، والدم المراق، والمجتمعات المهددة حول العالم، وتستند الكنيسة الكاثوليكية إلى نصوص إنجيلية وتفسيرات لاهوتية لا يمكنها غض الطرف عنها، وكذلك تجربة تاريخية مؤلمة ومرهقة لذاكرتها في نفس الوقت. مِن ثَمَّ، تختلف المنطلقات وتتباين زوايا النظر والتعاطي.
2- الأوروبيون على خط الأزمة:
انتقل التوتر بين ترامب وبابا الفاتيكان ليشهد توترًا أعمق بين الأمريكان والأوروبيين، في جذور المسائل السياسية والدينية. وردًّا على الهجوم الأمريكي على بابا الفاتيكان، أعلنت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني دعم البابا ضد الهجمة الشرسة التي يتعرض لها، قائلة: «ما قلته هو ما أعتقده. تلك التصريحات، خصوصًا في ما يتعلق بالبابا، كانت غير مقبولة. لقد عبّرت وما زلت أعبّر عن تضامني مع البابا ليو. وأقول لكم المزيد، بصراحة، لن أشعر بالراحة في مجتمع يفعل فيه القادة الدينيون ما يمليه عليهم القادة السياسيون». وهنا تؤكد ميلوني مسألة استقلال الفاتيكان عن السلطة السياسية، فضلًا عن استتباعها من قبل الدولة القومية، وذلك لتفادي التجربة التاريخية المريرة التي مرَّت بها أوروبا من قبل، وأيضًا لتفادي تضارب مصالح الدول القومية، لكن الفاتيكان ممثلة لجميع الكاثوليك حول العالم وليست ممثلة لمصالح دولة بعينها.
بيد أن ترامب سرعان ما ردَّ عليها أيضًا عبر صحيفة إيطالية، حيث زعم أنه صُدم من ميلوني، وبأنها هي من كانت غير مقبولة لأنها لا تهتم إذا كانت إيران تمتلك أسلحة نووية ومن الممكن أن تدمر إيطاليا في دقيقتين. قال: «ظننت أنها تمتلك الشجاعة، لكنني كنت مخطئًا». وذلك رغم أن ترامب كان قد أثنى عليها كثيرًا في الماضي، ووصفها بأنها قائدة قوية ورائعة وجميلة، وأنها اجتاحت أوروبا كالعاصفة، لكن هذا يمثل تحولًا دراماتيكيًّا في تلك العلاقة.
وفي نفس السياق دعت رئيسة البرلمان الأوروبي البابا في دعوة رسمية لإلقاء خطاب في البرلمان الأوروبي، وأكدت أن صوته يمثل مرجعية أخلاقية عالمية في زمن الأزمات.
إذًا ساندت أوروبا البابا بصورة مباشرة ضد تصريحات ترامب، وأكد البرلمان الأوروبي دعمه للبابا ورسالته الأخلاقية في تعريض واضح بسياسة ترامب، وتأكيد لخطابات البابا المتكررة حول الجوانب الأخلاقية. هنا يتجلى الفارق بين تعاطي أوروبا وأمريكا مع دور الدِّين في المجال العام، فالأوروبيون يفصلون بين الديني والسياسي، ويتركون للمؤسسة الدينية حرية القول، وفي نفس الوقت فإن السياسي هو الذي ينفذ ما يراه ضِمن حدود المصلحة والأمن القومي في نهاية المطاف. أما ترامب فدخل في صراع علني مع البابا لمجرد تصريحات بابوية كان في الإمكان تجاهلها، لكن ترامب ارتأى أن السكوت عن تصريحات البابا سيؤثر كثيرًا في عملية استدعائه المستمر للدين في المسائل السياسية الداخلية والخارجية، لا سيما أن البابا أمريكي الجنسية، وبالتالي سيكون التأثير مباشرًا في الناخب الأمريكي.
ثانيًا: دلالات الخلاف ومآلاته
يكشف هذا الخلاف، في جوهره، عن تباين شديد وعميق في وجهات النظر بين الجانبين: البيت الأبيض، والفاتيكان. فالرئيس الأمريكي لا يريد من الفاتيكان بما تملكه من قوة روحية ومعنوية ورمزية في العالم المسيحي أن تعلّق على أفعاله أو أن تنزع الشرعية، لا سيما الدينية والأخلاقية منه. كذلك فإن بابا الفاتيكان يحمل -كما أشرنا- الجنسية الأمريكية، مما يجعل صوته مسموعًا ذا تأثير داخل الولايات المتحدة الأمريكية، وبالتالي فقد تؤثر الفاتيكان في الناخب الأمريكي ومسار سياسة ترامب وشعبية الجمهوريين داخليًّا. ويمكن حصر الخلاف بين الجانبين في ما يلي من نقاط:
1- اختلاف المنطق السياسي:
يُظهِر الخلاف بين البيت الأبيض والفاتيكان حقيقة الصدام بين قراءتين متباينتين ومنطقين متغايرين، فترامب يمثل منطق الدولة القومية الحديثة التي تؤسِّس مشروعيتها على القدرة، والسيادة، وحماية المصالح، فيما يجسِّد البابا نموذج «السلطة الروحية الأخلاقية»، التي تستمد مشروعيتها من الكتاب المقدس والمبادئ الأخلاقية والدينية «المسيحية»، ومن فكرة أن السياسة يجب أن تخضع لمعيار أخلاقي أعلى متمثل في الدين وصنع السلام: «طوبى لصانعي السلام، لأنهم أبناء الله يُدعون». (إنجيل متى ٥: ٩). «وأما أنا فأقول لكم: أحِبُّوا أعداءكم، باركوا لاعِنِيكُم». (إنجيل متى ٥: ٤٤). مِن ثَمَّ، يتجدد سؤال فلسفي قديم: هل السياسة مجال مستقل عن الأخلاق، أم أنها يجب أن تظل مقيدة بقيم العدالة والسلام؟ في كلتا الحالتين لا يعود الدين مجرد شأن خاص، بل هو فاعل نقدي في المجال العام، لأنه حين يتجرد من الأخلاق فسيظل الأخلاقيون يدعون إلى عدم الانفكاك بين السياسة والأخلاق، وسيبقى الأمر محل نقاش عام بين اللاهوتيين والأخلاقيين من جهة، والسياسيين البراغماتيين من جهة أخرى.
كذلك فإنّ ترامب ينظر إلى موقف البابا على أنه ليس مجرد دعوة أخلاقية للسلام، بل تدخُّل مباشر في المجال الإستراتيجي للدولة وصنع القرار، أو حتى إضعاف لمنطق الردع الذي يقدمه لجمهوره باعتباره أساس المصالح العليا للدولة وأمنها القومي. ويخشى ترامب تأثير خطاب البابا، الذي يُعَدّ المرجعية الروحية والدينية لمئات الملايين حول العالم، في قواعده الحزبية والانتخابية، بالتالي سعى إلى إسكاته وتشويهه عبر التصريحات المضادة الجريئة التي نادرًا ما يتعرض لها شخص في موقع مثل البابا. لكن البابا ولتفويت الفرصة من الاستغلال السياسي لتصريحاته، صرح مرارًا أن تصريحاته تأتي في إطار أخلاقي عام، دون أن يقصد الرئيس الأمريكي ترامب.
2- تباين القراءة الدينية:
من الناحية الدينية، فإن موقف البابا يستند إلى تقليد مسيحي طويل يركز على مركزية السلام باعتباره الحل الوحيد لإنهاء الصراعات، وباعتباره قيمة أخلاقية مطلقة، حيث يُنظر إلى الحرب باعتبارها فشلًا أخلاقيًّا. لكنَّ الخطاب السياسي الذي يمثله الرئيس ترامب يعيد تعريف «الخلاص» في إطار دنيوي بعيدًا عن الإرث الديني، بالتالي يتمثل في حماية الأمة وتعزيز القوة وردع الخصوم. وهنا يظهر التعارض العميق بين «الخلاص الروحي»، و«ضرورات الأمن القومي»، ومِن ثَمَّ فإن هذا الخلاف ليس شخصيًّا بقدر ما هو تجلٍّ لصراع أوسع بين رؤيتين للعالم والسياسة في الدولة الحديثة، رؤية ترى الإنسان غايةً يجب حمايتها، وأخرى ترى الدولة ومصالحها العليا وأمنها القومي ومصالح نخبتها غايةً يجب تحصينها ولو بعيدًا عن الجانب الروحي والأخلاقي. أيضًا ثمة تنافس علىالمرجعية الأخلاقية أمام الجمهور الأمريكي والعالمي، فترامب ليس في خصومة مع البابا باعتباره رجلَ دِين فحسب، بل لأنه يمثل سلطة روحية قادرة على نزع الغطاء الأخلاقي عن بعض السياسات، خصوصًا في قضايا الحرب والهجرة والقانون الدولي. فالبابا ينافس الرئيس في المجال العام، الذي يتقاطع فيه السياسي والديني والأخلاقي والعسكري، لذلك جاء هجوم ترامب على البابا محاولةً لسحب الشرعية من الصوت الأخلاقي، عبر إعادة تصويره فاعلًا سياسيًّا «سيئًا في السياسة الخارجية»، وليس مرجعية روحية.
أيضًا بين الجانبين خلاف حول دور الدين نفسه في المجال السياسي، فالبابا ليو يدافع عن تصور مسيحي يرى أن الإنجيل لا يمكن أن يُستعمل لتأجيج الحرب، وأن الرسالة المسيحية تنحاز إلى السلام والرحمة وكرامة الإنسان. أما في الخطاب الترامبي، فالدين يُستحضر غالبًا باعتباره أداة حشد وتوظيف للهوية القومية، ليدعم الأمة والقوة والتفوق الحضاري. إذًا الفارق كبير وعميق، فالبابا يتعامل مع الدين باعتباره قيدًا أخلاقيًّا على السلطة، فيما يميل الخطاب الشعبوي القومي إلى التعامل مع الدين باعتباره أداة تمنح السلطة شرعية توظفها حيث المصلحة، ولهذا كان اعتراض البابا على الحرب وعلى اللغة الدينية المصاحبة لها اعتراضًا على نمط من «تسييس المقدس». ومن هذه الزاوية فإن الصورة المثيرة للجدل التي ظهر فيها ترامب بإيحاءات المسيح يمكن فهمها في إطار الهالة التي تُبنى حول الزعيم باعتباره «المنقذ»، وبالتالي يرى البابا انتقال السياسة من كونها مجالًا بشريًّا نسبيًّا إلى ما يشبه التقديس الشخصي للقائد، وهذا ما يجعل المؤسسة الدينية التقليدية في توتر مستمرّ مع «تسييس الدين» واستخدامه للحشد الشعبوي، لأن الكنيسة تريد أن تُبقي المقدس متجاوزًا للسلطة السياسية لا تابعًا لها.
3- الخلاف الشخصي:
يبدو أن عدم خضوع البابا «الأمريكي الجنسية» لسياسة ترامب أثار الرئيس الأمريكي، وأكد أنه لولا دعمه لما كان البابا الآن على رأس الفاتيكان. وباستحضار «نظرية الخضوع الخلدونية» فإنّ الرئيس بطبيعته لا يحب المخالفة العلنية ممن يعتبرهم أحد رعاياه، لأنه يعتبر ذلك انتقاصًا من شرعيته السياسية وموقعه في الدولة ومكانته بين القواعد الجماهيرية. كما أن هناك بُعدًا أمريكيًّا داخليًّا لا يقل أهمية، فالبابا ليو هو أول بابا أمريكي المولِد، وهذا يمنحه وزنًا خاصًّا داخل الوعي العام والعقل الجمعي الأمريكي، إذ لم يعُد النقد الفاتيكاني يأتي من «خارج» أمريكا فقط، بل من شخصية لها جذور أمريكية وتفهم المجتمع الأمريكي من الداخل. لذلك شعر ترامب، فيما يبدو، أن نقد البابا أخطر من النقد الأوروبي التقليدي، لأنه نقد يصدر من شخصية يصعب تشويهها أو تسقيطها بسهولة بأنها معادية لأمريكا أو جاهلة بتركيبتها وثقافتها. مِن ثَمّ، زادت حدة الردّ، لأن الخلاف لم يعُد بين واشنطن وروما فحسب.
4- استهداف نهج ترامب «القوة من أجل السلام»:
يتبنى الرئيس دونالد ترامب مبدأ «السلام من خلال القوة» (Peace through Strength) باعتباره إستراتيجية خارجية تعتمد على تعزيز القدرات العسكرية الأمريكية بشكل هائل لردع الخصوم وفرض السلام دون خوض حروب طويلة. يُنظر إلى هذا النهج على أنه أسلوب يهدف إلى إنهاء الحروب الحالية عبر «الحزم والقوة» بدلًا من التدخل الطويل والمكلف. وتعارض تصريحات البابا هذا النهج، الأمر الذي يزيد الجدل حول سلامة هذا النهج. غير أن هذا النهج، على الرغم من جاذبيته البراغماتية في أدبيات «الردع الإستراتيجي»، يثير إشكاليات نظرية وعملية عميقة تتعلق بطبيعة السلام، هل هو نتاج توازن بين القوى الفاعلة، أم هو ثمرة عدالة أخلاقية؟ فمقاربة «السلام عبر القوة» تفترض ضمنيًّا أن القوة والهيمنة قد تنتجان استقرارًا طويل الأمد، وهو افتراض واجه نقدًا واسعًا في نظريات العلاقات الدولية، حيث يُنظر إلى الردع باعتباره آلية مؤقتة قابلة للانهيار مع اختلال ميزان القوة أو تغيّر حسابات الفاعلين. ومِن ثَمّ، فإنّ اعتراض الفاتيكان لا يقتصر على رفض الوسائل العسكرية، بل يمتد إلى نقد المضمون الفلسفي الذي يجعل السلام في غياب الحرب، دون الالتفات إلى شروطه الأخلاقية والإنسانية. في هذا السياق، يصبح خطاب البابا بمثابة تفكيك لإستراتيجية ترامب في أن القوة يمكن أن تفرض السلام، إذ يرى الفاتيكان أن القوة حين تنفصل عن الضابط الأخلاقي تتحول إلى مصدر لإعادة إنتاج العنف بصورة ما، حتى وإن ادّعت أنها تسعى إلى وقفه.
خاتمة
يتجاوز الخلاف بين ترامب وبابا الفاتيكان حدود التناوش الإعلامي إلى مستوى أعمق بكثير، فبين الجانبين خلاف على تعريف ومهامّ السلطة ذاتها: هل هي سلطة مقيدة أخلاقيًّا أم تعمل وفق مصالح السياسة والأمن القومي فحسب؟ فحين تعمل الدولة القومية الحديثة على أن تكون الكلمة العليا لها في قضايا الحرب والهجرة وتحديد مصالح الأمن القومي، فإنها تدفع نحو تهميش أي رقابة أخلاقية تتجاوز حدودها، لكن الإدارة الأمريكية في نفس الوقت لا تريد إبعاد الدين كليًّا عن السياسة لأنها تستخدمه وتوظفه وتعزز شرعيتها وتحصن قراراتها من خلاله، مما تسبب في انتقادات كثيرة لها، بيد أنها لا تريد من الفاتيكان أن يستعمل الدين سلاحًا مضادًّا أو تفسيرًا مغايرًا لتفسير الإدارة الأمريكية. يُصِرّ الخطاب الكنسي على مَرْكَزة ما هو أخلاقي في قلب السياسة، فالسياسة مهما بلغت فاعليتها تظل خاضعة لرقابة أخلاقية لا يجوز تعطيلها باسم المصلحة، فالمصلحة التي تتعارض مع الجانب الأخلاقي هي مصلحة متوهمة ومتخيلة في المنظور الديني الأخلاقي وليست مصلحة حقيقية. مِن ثَمّ، فإنّ هذا السجال يؤول إلى سؤال مركزيّ أهم: هل تستطيع الحداثة السياسية أن تستمر دون مرجعية أخلاقية تضبط اندفاعها، أم أنها حين تنفرد بتحديد الخير والشر تتحول إلى شرعنة العنف للدولة واحتكاره واستخدامه؟! وهل تستعيد الكنيسة دورها في توجيه الأحداث بما يحدّ ويؤثر في القرار الفردي للدول التابعة للكنيسة؟