استعادة الأمن في اليمن في خِضم تجدُّد التصعيد العسكري

https://rasanah-iiis.org/?p=38620

منذ التصعيد العسكري في ديسمبر 2025م، تسارعت وتيرة الأحداث في اليمن، إذ تُشير التطوُّرات الأخيرة إلى أنَّ البلاد قد تواجه مرحلة حرِجة ستحدِّد فيها خيارات القُوى الفاعلة المحلِّية والإقليمية مستقبل الاستقرار في المنطقة. ونظرًا للموقع الجيوإستراتيجي لليمن وقُربه من طُرُق التجارة الدولية، فإنَّ استقرار اليمن والبحر الأحمر ليس مجرَّد مصدر قلق إقليمي، بل قضية ذات أهمِّية عالمية. وفي خِضَمْ التحوُّل في ديناميكيات الجيوسياسية الإقليمية، أصبح اليمن ساحة للتنافس على النفوذ، وهو واقع أسهَمَ في تعميق حالة عدم الاستقرار. وفي ظل غياب نهْجٍ متماسك ومنسَّق، يواجه اليمن خطر البقاء في حلقة مُفرَغة من التشظِّي، والانهيار الإنساني، وتداعيات مزعزِعة للاستقرار تتجاوز حدوده.

في أوائل يناير، سلَّطت التطوُّرات في جنوب اليمن الضوء على هشاشة الوضع الداخلي في البلاد. وفي خِضَمْ التصعيد العسكري من قِبَل الجماعات المسلَّحة في الجنوب، استهدفت الغارات الجوِّية السعودية مواقع في حضرموت. وفي الآونة الأخيرة، أعلن مجلس القيادة الرئاسي اليمني أنَّ قوَّاته استعادت السيطرة على حضرموت والمهرة وعدن. وقد فُسِّرت هذه التحرُّكات على نطاق واسع، على أنَّها رد حاسم من المملكة العربية السعودية يهدُف إلى إعادة فرْض سُلطة الدولة، وفرْض خطوط حمراء مرتبطة مباشرة بالأمن القومي. وبعد محادثات استضافتها المملكة العربية السعودية، أعلن «المجلس الانتقالي الجنوبي» حل نفسه. وبينما نسَبَ «المجلس الانتقالي الجنوبي» الفضل لجهود الوساطة، التي بذلتها الرياض، فرَّ زعيمه السابق عيدروس الزبيدي، المتّهَم الآن بالخيانة العظمى من قِبَل المجلس الرئاسي، إلى خارج البلاد، وألغى مجلس القيادة في وقتٍ لاحق عضويته، وأحال الزبيدي والوزراء المُوالين له للتحقيق. وفي هذا الصدد، تكشِف التطوُّرات الأخيرة عن الخلافات والانقسامات السياسية داخل «المجلس الانتقالي الجنوبي». ومع ذلك، أعرب المسؤولون السعوديون واليمنيون عن أملهم بأنَّ الحوار الشامل في الرياض، لا يزال أفضل مسار نحو التوصُّل إلى تسوية سياسية. وأعلن وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، عن أنَّ المملكة العربية السعودية ستعقد مؤتمرًا شاملًا في الرياض حول جنوب اليمن؛ لدفع عملية «حل سياسي شامل» قُدُمًا من خلال الحوار.

وينبغي تقييم التطوُّرات الأخيرة ضمن سياق التحدِّيات الهيكلية في اليمن والأولويات الإقليمية، إذ لا يزال «الحوثيون» يسيطرون على مساحات واسعة في الشمال؛ ما يخلق تحدِّيات مستمرَّة أمام توزيع المساعدات، والتعافي الاقتصادي، وتطبيق الحُكم الرشيد. وفي الجنوب، أسهَمَ التصعيد العسكري الأخير بسبب القرارات الأُحادية، التي اتّخذتها الجماعات المسلَّحة، في تفاقُم حالة التنافس بين التشكيلات المسلَّحة المتنافِسة، والصراعات السياسية، وهشاشة أنظمة الحُكم. وقد أدَّى هذا التشرذُم إلى تفاقُم القضايا الإنسانية، التي طال أمدها. ناهيك عن أنَّ الهياكل الحكومية الموازية والبيئة الأمنية غير المستقرَّة، قد أثَّرت سلبًا على الظروف المعيشية، التي اتّسمت بنقصٍ مزمن في التيّار الكهربائي، وانعدام الأمن الغذائي، وتدهوُر نظام الرعاية الصحية، وانتشار الفقر. وفقًا لتقارير الأُمم المتحدة، تُعَدُّ الأزمة الإنسانية في اليمن الأسوأ على مستوى العالم؛ إذ يعاني نحو 17 مليون شخص -أي ما يقرُب من نصف السُكّان- من أزمة غائية حادَّة، ويُقدَّر أن نحو مليون شخص معرَّضون لخطر «المجاعة الشديدة». ولا يمكن معالجة مثل هذه الظروف من خلال برامج الإغاثة الإنسانية أو المساعدات وحدها، إذ تتطلَّب جهودًا متوازية لمعالجة التحدِّيات الهيكلية العميقة الجذور، التي تعتمد بدورها على الاستقرار الدائم، وتوافُق واسع على المستوى الإقليمي والمحلِّي. وطالما استمرَّ الاقتتال الداخلي وأعمال العُنف المتفرِّقة، سوف يصرف الاهتمام والموارد بعيدًا عن جهود التعافي وإعادة الإعمار؛ الأمر الذي سوف يترك الشعب اليمني يدفع الثمن.

وفي هذا السياق، أصبح دور المجتمع الدولي والمملكة العربية السعودية بالغ الأهمِّية. وساهمت المنظَّمات والمؤسسات الدولية، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي، في تقديم المساعدات الإنسانية، ودعمت الجهود الدبلوماسية، إلّا أنَّ تأثيرها يعتمد في نهاية المطاف على وجود إطار سياسي متماسك داخل اليمن. وتطّلِع المملكة العربية السعودية بدورٍ بارز في هذه الجهود، في ظل المخاطر المتصاعِدة تجاه المملكة؛ نظرًا للقُرب الجغرافي وطول الحدود بينهم. وتؤثِّر حالة عدم الاستقرار في اليمن تأثيرًا مباشرًا على الأمن الداخلي والمصالح الاقتصادية للمملكة، بما في ذلك حماية البِنية التحتية الحيوية للطاقة وطُرُق الشحن العالمية. وبخلاف القُوى الفاعلة البعيدة، تمتلك المملكة الدافع والقُدرة على استثمار رأس المال السياسي والأمني في تحقيق الاستقرار في اليمن، لا سيّما أنَّ أيّ فراغ أمني في شرق أو جنوب اليمن سيشكِّل أرضًا خصبة للمنظَّمات الإرهابية. وفي ظل هذه الظروف، تحظى المبادرات السعودية بتأثيرٍ كبير؛ لأنَّ الرياض تمتلك النفوذ الدبلوماسي والأمني والموارد اللازمة، التي تمكِّنها من تحويل الإرادة السياسية إلى نتائج ملموسة. والأهمّ من ذلك، أنَّ الخطوات من قِبَل المملكة العربية السعودية لم تكُن أُحادية الجانب؛ بل كانت موجَّهة ومنسَّقة مع الحكومة اليمنية المُعترَف بها دوليا،  ويُعَدُّ تعزيز هذا الإطار وتمكينه أمرًا أساسيًا لثلاثة أسباب رئيسية: أولًا؛ يحافظ على سيادة اليمن والشرعية المؤسسية للحكومة اليمنية المُعترَف بها دوليًا، ثانيًا؛ يوفِّر جهةً موحَّدةً وموثوقةً لتعامل مع القُوى الإقليمية والدولية، ثالثًا؛ يخلُق الأُسُس اللازمة لتحقيق الاستقرار الأمني وإعادة بناء مؤسسات الحُكم والمُضي قُدُمًا نحو التسوية السياسية المُستدامة.

ولكي تنجح جهود السلام، يحتاج اليمن إلى أكثر من مجرَّد تصريحات سياسية أو هُدنات مؤقَّتة، إذ يجِب ضمان الاستقرار عبر آليات عملية تحوِّل الحوار إلى إدارة حُكم فعلي. ويُعَدُّ الحوار السياسي الشامل أمرًا أساسيًا؛ لأنَّ التجربة التاريخية لليمن تكشف  عن أنَّ الإقصاء يغذِّي الصراعات وفُقدان الثقة، بالإضافة إلى توحيد عملية صُنع القرار السياسي، وتقليل الانقسامات الداخلية، التي استغلَّتها القُوى المسلَّحة عبر التاريخ، فهي بنفس القدر من الأهمِّية.

وترتكز خارطة طريق قابلة للتطبيق في اليمن الآن حاليًا، على حوارٍ رفيع المستوى تقوده السعودية، يحمي المصالح الأمنية السعودية والسيادة اليمنية. ويُعَدُّ دعْم المجلس الرئاسي باعتباره السُلطة التنفيذية المُعترَف بها دوليًا، أمرًا بالغ الأهمِّية، حيث يظلّ القناة الرئيسية، التي يمكن لليمن من خلالها التواصل مع العالم الأوسع، والحصول على الدعم الدولي. علاوةً على ذلك، يبقى الدعم السعودي أمرًا بالغ الأهمِّية؛ لحماية الأُصول النفطية، ومسارات الطاقة، والممرّات البحرية، التي تُعَدُّ شريان الحياة لليمن. وعلى المستوى الدبلوماسي، تعزِّز إدارة العلاقات مع الشركاء الإقليميين، الأولوية في التعامل مع الأجندات الخارجية المتنافسة داخل البلد، والتركيز على إعادة بناء دولة متماسِكة. وقد أعلن رئيس المجلس الرئاسي رشاد العليمي مؤخَّرًا، عن مبادرات سعودية للتعامل مع الوضع العسكري في اليمن. وكجزء من هذه الجهود، شكَّل المجلس الرئاسي لجنة عسكرية عُليا لتوحيد وتجهيز وإعداد القوَّات الموالية للحكومة للمرحلة المقبلة من الصراع، وأن تعمل اللجنة تحت قيادة التحالف السعودي لإعداد قوَّات، في حال رفْض الحوثيون الحل السِلْمي. وتنصَبّ الأولوية المباشرة على محورين رئيسيين: بناء توافُق على المستوى الإقليمي، ومع المؤسسات الدولية، والتعامل مع الوضع العسكري، من خلال دعْم القوَّات اليمنية للتصدِّي للتهديدات.

وسيكون من الضروري التركيز على طبيعة ترتيبات تقاسُم السُلطة؛ لاستيعاب التنوُّع الإقليمي في اليمن، دون تقويض التماسك الوطني. ويُعَدُّ التعامل مع التحدِّيات المرتبطة بالجماعات المسلَّحة المنقسِمة، أحد أكبر العقبات، التي تحول دون تحقيق الاستقرار. وعلى الرغم من طول مسار عملية الدمج، إلّا أنَّ الخطوات التدريجية نحو إنشاء هياكل قيادة موحَّدة، وتسلسُل واضح لسُلطة يمكن أن تقلِّل من خطر تجدُّد الصراع.  ولا يزال الاستقرار الاقتصادي، أيضًا، عنصرًا محوريًا في مسار إحلال السلام في البلد، وهو ما يجعل المساعدات الدولية والدعم الإقليمي أمرًا بلغ الأهمِّية. ولقد رسَّخ اقتصاد الحرب في اليمن المصالح، التي تزدهر في ظل الفوضى، لذلك دون إحداث تحسُّن ملموس في سُبُل العيش والخدمات الأساسية، فإنَّ أيّ تسوية سياسية قد لا تحظى بالدعم الشعبي. ولا يمكن فصْل البُعد الإنساني عن هذه الجهود، فكما ذكرنا سابقًا، لا يزال اليمن يواجه واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، حيث يعتمد ملايين السُكّان على المساعدات. وعلى الرغم من أنَّ المساعدة الطارئة لاتزال بالغة الأهمِّية، إلّا أنَّها ينبغي أن تُدعَم من خلال مبادرات التعافي المبكِّر، التي تعمل على إعادة بناء البِنية التحية، واستعادة الخدمات الأساسية. ويُعَدُّ ضمان وصول المساعدات الإنسانية وتجنُّب تسييسها، أمرًا بالغ الأهمِّية؛ للحفاظ على ثقة الشعب، ودعْم جهود إعادة الإعمار.

وفي ظل هذا التطوُّرات، يقِف اليمن عند منعطف محفوف بالمخاطر؛ لذا على القُوى الإقليمية أن تسعى في هذه المرحلة إلى استعادة سُلطة الدولة وتسهيل الحوار الشامل، وتعزيز الأمن الإقليمي. فالوضع في اليمن  يشكِّل تهديدًا إقليميًا ذا تبِعات عالمية؛ الأمر الذي يجعله بالغ الخطورة ومتقلِّبًا للغاية، حيث قد يؤدِّي أيّ سوء تقدير إلى عواقِب وخيمة.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير