الاجتماع الافتتاحي لمجلس السلام.. الأولويات والفرص والتحدِّيات

https://rasanah-iiis.org/?p=38808

بواسطةنديم أحمد مونكال

اجتمعت وفود «مجلس السلام» مؤخَّرًا في واشنطن في أول اجتماع له منذ إنشائه، بمشاركة ممثِّلين عن أكثر من خمسين دولة، ولعلَّ هذا المجلس من أكثر المبادرات الدبلوماسية تأثيرًا في الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب. ويتمثِّل الهدف الأساس للمجلس في الإشراف على برامج إعادة الإعمار وتنسيقها، وفق خطّة السلام يندرج تحتها عشرين نقطة بشأن غزة. ويعمل المجلس حاليًا بتفويضٍ محدود مُعترَف به من مجلس الأمن التابع للأُمم المتحدة، الذي أقرَّه كهيئة تنسيقية مؤقَّتة لإعادة إعمار غزة الدفع بجهود الاستقرار المُحتمَلة تحت إشراف مجلس حتى عام 2027م.

بالنسبة إلى الدول العربية والإسلامية، تعكس المشاركة في مجلس السلام حسابات براغماتية، تنطلق من الحاجة الماسَّة لحل الكارثة الإنسانية في غزة. وخلال الاجتماع الافتتاحي، أوضح وزير الدولة للشؤون الخارجية السعودي عادل الجبير مشاركة بلاده في سياق الامتداد التاريخي لـ «خطَّة فهد» لعام 1981م و«مبادرة السلام العربية» لعام 2002م، في إشارة إلى استمرارية المملكة في التزاماتها الدبلوماسية الراسخة. وأعاد رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، التأكيد على دعْم التنفيذ الكامل لخطَّة السلام. وشدَّد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان على أنَّ السلام المستدام يستند إلى حل الدولتين، فيما عرَضَ وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة تقديم مساعدات مالية ومبادرات، لنزع التطرُّف تهدُف إلى تعزيز التسامح والتعايش. وأكَّد رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف دعمه، مثنيًا على جهود ترامب في الوساطة بين الأطراف وجلْب السلام. وتعكس هذه المواقف في جوهرها تفاؤلًا محسوبًا ونهجًا عمليًا، يهدُف إلى تعظيم النفوذ الإستراتيجي ضمن السياق القائم لتشكيل المجلس.

وخلال الاجتماع، شدَّد المفوَّض العام للجنة الوطنية لإدارة غزة الدكتور علي شعث، على أربع أولويات رئيسة: توحيد الأجهزة الأمنية ضمن هيكل واحد، وإحياء النشاط الاقتصادي وفرص العمل، وضمان استدامة الإغاثة الطارئة، واستعادة الخدمات الأساسية. وتكتسب هذه العناصر أهمِّية خاصَّة في ظل السياق الراهن وحجم الأضرار والدمار  الكبير، الذي خلَّفته الحرب. وإلى جانب إعادة البناء المادِّي، ستعتمد فاعلية هذه التدابير على التنسيق المؤسسي والالتزام السياسي المُستدام.

ووفق تقارير مؤتمر الأُمم المتحدة للتجارة والتنمية، يمُرّ قطاع غزة المُحتَلّ بأسوأ انهيار اقتصادي في تاريخه؛ فقد انكمش الناتج المحلِّي الإجمالي في القطاع بنسبة 83% عام 2024م، وتراجُع نصيب الفرد من الناتج إلى 161 دولارًا، فيما تضرَّر أو دُمِّر نحو 70% من إجمالي المباني. كما فاقمت الضغوط المالية من حِدَّة الأزمة؛ إذ جرى احتجاز 1.76 مليار دولار من الإيرادات الفلسطينية منذ عام 2019م (ما يعادل 12.8% من الناتج المحلِّي الإجمالي لعام 2024م)، لتتجاوز احتياجات إعادة الإعمار في غزة وحدها 70 مليار دولار، مع توقُّع أن تستغرق عملية التعافي عقودًا حتى مع دعمٍ دولي كبير. وستتطلَّب إعادة إعمار غزة دعمًا منسَّقًا ومُستدامًا من المجتمع الدولي، فيما تبقى آلية التخصيص والتدقيق مسألة حاسمة. فإذا بدا أنَّ صرف الأموال مسيَّس أو يفتقر إلى الشفافية، فقد تتآكل المصداقية سريعًا. وحتى الآن، وظَّف ترامب النفوذ الدبلوماسي الأمريكي لتشجيع الحلفاء والشركاء على تقديم دعم مالي وتقني أكبر. وأعلن أنَّ الدول الشريكة تعهَّدت بأكثر من سبعة مليارات دولار، مع التزام الولايات المتحدة بعشرة مليارات دولار إضافية، فيما تعهَّدت دول الخليج وحدها بأكثر من أربعة مليارات دولار.

ووفقًا لمفوضية الأُمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، وصَلَ عدد القتلى 70 ألف فلسطيني منذ 7 أكتوبر 2023م، وتضرَّر أو دُمِّر 94% من مستشفيات غزة، ما أثَّر بشدَّة على خدمات رعاية الأمومة والمواليد. وتُشير التقارير إلى تضاعُف وفيات الأمهات وحالات الإجهاض ثلاث مرّات، في حين أدَّت الضربات، التي استهدفت المرافق الطبِّية والحصار الذي قيَّد الإمدادات الأساسية، إلى تفاقُم الأوضاع المعيشية في القطاع. ووفقًا لـ «اليونيسف»، سُجِّلت زيادة في معدلات سوء التغذية وتفشِّي الأمراض. وفي ظل هذا الواقع، سيكون لإعادة بناء المرافق الصحية وضمان استمرار الوصول إلى الأدوية والمساعدات الطبِّية دور حاسم لاستعادة الخدمات الصحية الأساسية، وتمكين الحياة اليومية للسكان المتضرِّرين. وقد أُعطِيَت هذه الأولوية ضمن مبادرات المجلس، مع تعهُّد الدول المشاركة بتخصيص موارد لإعادة الإعمار والتأهيل.

ويبقى تثبيت الاستقرار الأمني ركيزة أساسية أخرى في إستراتيجية المجلس؛ فقد أبدت عدَّة دول مشاركة استعدادها للإسهام بإرسال أفراد من قوّاتها للانضمام إلى قوَّة الاستقرار الدولية، التي تضُم 12 ألف شرطي و20 ألف جندي. وعرَضَ المغرب تعيين ضُبّاط عسكريين رفيعي المستوى في القيادة المشتركة، ونشْر مدرِّبي شرطة، وإنشاء مستشفى ميداني. كما تعهَّدت تركيا بدعم قطاعات الأمن والصحة وإعادة التأهيل والتعليم، إلى جانب الإسهام في الجهود الرامية للاستقرار، وأعربت دولٌ مثل إندونيسيا وكازاخستان وكوسوفو وألبانيا عن استعدادها لإرسال أفراد من قوّاتها، وكان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، قد أعلن العام الماضي عن تدريب نحو خمسة آلاف شرطي فلسطيني في مصر والأردن. وتكتسب مشاركة الدول المجاورة والإقليمية أهمِّية خاصَّة، نظرًا لإلمامها بالديناميات الاجتماعية والسياسية والأمنية في المنطقة؛ ما يضعها في موقع أفضل لمعايرة جهود الاستقرار ومنْع احتمالات فراغ أمني طويل الأمد.

وعلى الرغم من التعهُّدات والتبرُّعات المالية، فإنَّ الجدوى الملموسة لهذه المبادرات ستعتمد على بناء الثقة وترسيخ المساءلة. فإذا استمرَّت العمليات العسكرية الإسرائيلية بشكلٍ متقطِّع على الرغم من وقْف إطلاق النار، فقد تواجه قوَّة الاستقرار صعوبات تشغيلية ومخاطر تهدِّد سُمعتها، لذلك التحدِّي الأكبر هُنا يكمن في ضمان عدم انتهاك إسرائيل للاتفاق وامتناعها عن اتّخاذ إجراءات عدوانية. وللمُضي قُدُمًا نحو إرساء الاستقرار في القطاع، لا بُدَّ من إصلاح القطاع الأمني داخل غزة، عبر التوافق وبناء الثقة، وهذه مهمَّة صعبة في بيئة متقلِّبة يمكن استغلالها بسهولة. كما أنَّ البُعد السياسي الفلسطيني، على الرغم من أنَّه غالبًا ما يُقلِّل من شأنه في نقاشات تصميم الهياكل المؤسسية، يظل عنصرًا لا غِنى عنه. ففي حالة غزة، ترتبط الترتيبات الأمنية والسياسية ارتباطًا وثيقًا؛ إذ تشكِّل هياكل الحكم مُخرَجات الأمن بقدر ما تؤثِّر الديناميات الأمنية في الشرعية السياسية. وبموجب خطَّة النقاط العشرين المقترحة، ستُدار غزة عبر سُلطة انتقالية مؤقَّتة تقودها لجنة فلسطينية تكنوقراطية وغير حزبية، تتولَّى الإشراف على الخدمات العامَّة اليومية، والوظائف البلدية. وعلى الرغم من أنَّ إشراك كفاءات فلسطينية إلى جانب خبراء دوليين قد يعزِّز الكفاءة الإدارية والقُدرة الفنِّية، فإنَّ استدامة هذا الترتيب ستعتمد في نهاية المطاف على مدى تمتُّعِه بشرعية محلِّية وضمانِه الشفافية والمساءلة. وقد شدَّدت الدول الإقليمية مرارًا على أهمِّية التوافق الفلسطيني، كما يتّضِح في المبادرة السعودية-الفرنسية.

ويبرُز تحدٍّ رئيس آخر في السياق الراهن، يتمثِّل في موقف الدول الأوروبية. فقد امتنعت قُوى أوروبية، من بينها المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا، عن المشاركة الكاملة، واختارت بعضها صفة المراقب، أو الانخراط المحدود. وينبع هذا التحفُّظ أقلّ من معارضة لإعادة الإعمار، وأكثر من مخاوف تتعلَّق بالتوازن المؤسسي؛ إذ تظَلّ الحكومات الأوروبية متمسِّكة بالإطار المُتمركِز حول الأُمم المتحدة، وتتحفَّظ إزاء هياكل شديدة المركزية، يرأسها إلى أجل غير مسمَّى قائد واحد يتمتَّع بسُلطات تنفيذية واسعة. ويعود جزء من هذه المخاوف، أيضًا، إلى اختلافات سياسية ومعيارية مع ترامب وأسلوبه الدبلوماسي.

ومن منظور واشنطن، تخدم هذه المبادرة مقاربتها الإقليمية؛ فهي تعزِّز مركزية الولايات المتحدة في دبلوماسية الشرق الأوسط، وتُبرِز قُدرتها على بناء التحالفات، كما  تعكس نمطًا أوسع تلجأ فيه الولايات المتحدة إلى تجريب أُطُر موازية بدل الاعتماد الحصري على المؤسسات القائمة.

ويمكن النظر إلى مجلس السلام، في هذه المرحلة، بوصفه تجربة؛ فهو يوفِّر آلية لإعادة إعمار منسَّقة تستند إلى تمويل كبير ومشاركة إقليمية واسعة. وستتوقَّف مصداقيته في نهاية المطاف، على تحقيق تحسُّن ملموس للأوضاع على الأرض في غزة؛ فإذا نجَحَ في تحقيق الاستقرار وتوفير فرص العمل واستعادة الخدمات، فقد يبرُز كنموذج لتعدُّدية هجينة تعمل إلى جانب إطار الأُمم المتحدة. ومن هذا المنظور، لا يمثِّل المجلس قطيعة مع النظام الدولي، بقدر ما يشكل اختبارًا للنظام التعدُّدي الناشئ، فهو يختبر ما إذا كان الانخراط البراغماتي وبناء التحالفات قادرين على النجاح تحت إشراف تعدُّدي تقليدي. وسيحدِّد نجاحه أو فشله ليس فقط مسار إعادة إعمار غزة، بل أيضًا تصوُّرات القيادة الأمريكية وقُدرة الحوكمة العالمية على التكيُّف في عصر يتّسِم بعدم اليقين الإستراتيجي.

وتُدرِك الدول العربية والإسلامية المشارِكة في العملية، أنَّ المشاركة  البنّاءة هي المسار الأكثر براغماتية في السياق الجيوسياسي الراهن؛ إذ تفتح لها قنوات مؤسسية، وآليات عملية لدفع الإصلاحات والمبادرات اللازمة لمعالجة الكارثة الإنسانية العاجلة. ونظرًا لقُربها الجغرافي وتشابُك مصالحها السياسية، فإنَّ الدول في المنطقة تشعر بحِدَّة تبِعات استمرار عدم الاستقرار؛ ما يحمِّلها مسؤولية أكبر، ويمنحها حافزًا أقوى للمشاركة المباشرة. وبدل البقاء خارج العملية وخسارة أيّ تأثير مُحتمَل، تمنحها المشاركة المباشرة قُدرة على تشكيل النتائج من داخل الإطار ذاته، بما يمكِّنها من استخدام الآليات المتاحة لضمان حماية المصالح الفلسطينية، وهو هدف لطالما بقِيَ في صدارة الأولويات.


الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولاتعكس بالضرورة رأي المعهد

نديم أحمد مونكال
نديم أحمد مونكال
باحث في معهد الدولي للدراسات الإيرانية «رصانة»