تحوَّلت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران بعد شهر من انطلاقها في 28 فبراير 2026م من حرب خاطفة إلى حرب استنزاف قد تستمر لأسابيع، وأصبح من الصعب تحديد متى تنتهي وعند أي نتيجة، إذ أصبح هناك بعض من الغموض من جانب الولايات المتحدة بشأن تحديد أهداف الحرب ومداها الزمني، فضلًا عن ظهور فجوة في مواقف الولايات المتحدة وإسرائيل اللتين بدأتا الحرب تحت شعار تغيير النظام في إيران، إلا أن ذلك لم يحدث، بل نجحت إيران إلى حدٍّ ما في أن تمتص الضربة الأولى، وأن تخلق قدرًا معقولًا من التوازن، والضغط بعدد من الأوراق، الأمر الذي أربك حسابات واشنطن وإسرائيل وفرض عليهما تغييرات تكتيكية، لكن لم يكن ذلك يعني عدم تعرُّض إيران لخسائر إستراتيجية على مستوى القيادات، أو على مستوى القدرات العسكرية، فضلًا عن تدمير الأصول الإستراتيجية والبنية التحتية، ووضع البلاد أمام تحديات خطيرة، كما لا يعني أن النظام بصدد سؤال مصيري يتعلق ببقائه، إذ لا تزال الحملة الأمريكية-الإسرائيلية مستمرة، ومِن ثَمّ يواجه النظام تحديًا غير مسبوق واختبارًا ربما لم يمرَّ به منذ الثورة. من هنا، تأتي هذه الورقة بوصفها محاولة لفهم مسارات هذه الحرب، من خلال تحليل تحوُّل أهداف الأطراف، ومسار العمليات، وأدوات التأثير المتبادلة، وصولًا إلى استشراف السيناريوهات الممكنة لمستقبل الحرب، في ضوء التفاعل بين منطق القوة ومنطق الشرعية، وبين ضرورات البقاء وإكراهات التحول.
أولًا: الغموض الأمريكي بشأن أهداف الحرب
شكلت ثلاث قضايا رئيسية علاقة الولايات المتحدة بإيران على مدار العقود الأخيرة، هي: الملف النووي، والبرنامج الصاروخي، والسلوك الإقليمي لإيران. لكن بعد اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير 2026م تغيرت الأهداف المعلنة للحملة العسكرية مرارًا وتكرارًا، وأصبحت قضية تغيير النظام على جدول الأعمال، بل في مقدمة الأهداف بجانب أهداف أخرى جرى الإعلان عنها، حيث قال ترامب في بداية الحرب إنَّ هدف هذه الحرب «الواسعة النطاق والمستمرَّة» ليس أقلّ من تغيير النظام.
وعلى هذا الأساس شنَّت الولايات المتحدة وإسرائيل هجومهما وكان الرهان على أنَّ إيران ستكون أكثر هشاشة أمام الضغط العسكري والتفوُّق التكنولوجي والقوَّة الساحقة والسيادة الجوِّية على سماء إيران، وكثافة الضربات، كما توقعت واشنطن أن الهجوم العسكري سوف يشجِّع المحتجين والمعارضة في الداخل للثورة على النظام.
بمرور الوقت تكشف صعوبة انهيار النظام من خلال ضربة خاطفة تشجع الداخل على الثورة، حيث لم تخرج أي مظاهر معارضة واسعة في الداخل، بل أظهر النظام تماسكًا وحاول ملء الفراغ في السلطة الذي خلفه اغتيال المرشد وكبار القادة، ومِن ثَمّ تضاربت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، سواء من حيث أهدافها أو مداها الزمني. هذا السلوك أثار جدلًا بشأن ما إن كان ذلك إستراتيجية يتبعها ترامب أم أن مجريات الصراع فرضت نفسها على تغيير المواقف على هذا النحو اللافت. هذا الارتباك في الموقف الأمريكي جعل الرأي العام الأمريكي نفسه في حيرة، حيث أشارت استطلاعات جرت بعد أسبوعين من الحرب إلى أن 62% من الأمريكيين يرون أن الإدارة لم توضح أهدافها بشكل جليّ.
ربما هذا ما دفع الرئيس ترامب بعد قرابة أربعة أسابيع من بدء الحرب إلى تحديد ستة أهداف للحرب، من بينها: إضعاف القدرات الصاروخية الإيرانية بشكل كامل، وتدمير القاعدة الصناعية الدفاعية الإيرانية، والقضاء على القوات البحرية والجوية، وعدم السماح لإيران بالاقتراب ولو قليلًا من امتلاك القدرة النووية، وحماية حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
أظهر ذلك بوادر فجوة بين ما ترمي إسرائيل إليه من وراء استمرار الحملة وهو إسقاط النظام، وبين محاولة ترامب منح نفسه مساحة أكبر للحركة، ومِن ثَمّ تراجع عن استهداف منشآت الطاقة ومنع إسرائيل من الاستمرار في ذلك، وبدلًا من ذلك اتجه لاختبار فرص الدبلوماسية بقبول وساطة بعض القوى الإقليمية كباكستان ومطالبته لإيران بالاستسلام للشروط الأمريكية.
قد يشير هذا الجنوح إلى الدبلوماسية إلى تغيير جديد في الموقف الأمريكي الذي كان يتطلع إلى القوة بوصفها عاملًا حاسمًا من أجل إعادة تشكيل البيئة الإستراتيجية، لكن اتجاه واشنطن إلى تطوير عملياتها العسكرية وإبداء الاستعداد لمعركة أطول قد يعزز حالة الغموض وعدم الوضوح بشأن مسار الصراع والهدف النهائي منه، وما إن كانت واشنطن ترغب في استمرار الحرب أم التفاوض، وهل هي اكتفت بإلحاق هزيمة إستراتيجية بإيران أم لا تزال تسعى خلف تغيير النظام.
لا شك أن ورقة مضيق هرمز لعبت دورًا في تغيير قائمة أهداف ترامب ونهجه، إذ إنَّ الآثار الاقتصادية الناجمة عن استغلال إيران لهذه الورقة قد جعل من تأمين الملاحة عبر المضيق هدفًا أمريكيًّا أساسيًّا، وربما هي الورقة التي أدت إلى قبول ترامب بالوساطة الإقليمية التي تقودها باكستان، لا سيَّما أن حلفاء واشنطن رفضوا الانضمام إلى جهود واشنطن من أجل تأمين الملاحة عبر المضيق بالقوة.
على هذا النحو فإن تحولات المواقف الأمريكية والارتباك بشأن الأهداف واستمرار الحرب ربما فرضته تطوّرات الصراع، وعدم تناسب الإستراتيجية الحربية مع الأهداف المرجوة، أو قد يعود إلى سوء تقدير في الحسابات الإستراتيجية، وربما قدرة إيران على تحريك أوراق وملفات عقّدت المشهد أمام واشنطن وأربكت حسابات ترامب.
ومع ذلك لا يفوت التنويه إلى عوامل أخرى لعبت دورًا في تحديد مسار الصراع وتحول الأهداف الأمريكية، في هذا الصدد بدايةً يُشار إلى أن السياسة الأمريكية خلال هذه المرحلة تتمحور حول شخص الرئيس ترامب، وقد انعكس ذلك بصورة واضحة على أول حرب حقيقية تخوضها الولايات المتحدة تحت ولايته، وتضارب التصريحات الأمريكية بشأنها، وربما تأثر موقف الرئيس بالنجاح الاستثنائي لما جرى مع فنزويلا وإخضاع نظامها بعد عملية عسكرية خاطفة تم فيها اعتقال الرئيس مادورو.
من جهة ثانية، قد يتعمد ترامب الغموض بشأن تحديد المدي الزمني والهدف النهائي من الحرب كإستراتيجية، وذلك لرغبته في الحفاظ على خيارات مفتوحة ومرونة عملياتية تمنحه الفرصة بالاستمرار في الهجمات، أو التراجع عنها في أي مرحلة والاتجاه لوقف الحرب.
من جهة أخرى فإنَّ إعلان تغيير النظام هدفًا نهائيًّا للحرب قد يفرض علي الرئيس الأمريكي تحديد مهلة زمنية، وهو ما لا يرغب ترامب في أن يتقيد به تحسبًا لعدم تحقيق الهدف بصورة عاجلة، وخشية أن تتعرض شعبيته بين أنصار حركته أو تعرض شعبية حزبه للضرر قبل انتخابات التجديد النصفي، فترامب يريد أن يحتفظ بحقه في التراجع في أي مرحلة دون تحمُّل أي لوم أو انتقاد، وربما خلال المرحلة الراهنة يرغب في أن تكون المفاوضات أو الوساطة الإقليمية الحالية تحت الضغط، وذلك من أجل فرض أقصى شروط ممكنة على إيران في أي اتفاق محتمل.
بالمجمل وبحسب تطوّرات الصراع فإن الولايات المتحدة شنت حملة تستهدف النظام الإيراني باعتبار أنه يصعب التعايش معه، ومع أن ترامب تغاضى عن التصريح بأن هدف العملية الآن هو الإطاحة بالنظام، غير أن هذه الحملة غير المسبوقة تركت النظام في وضع إستراتيجي خطير، وأبقت النظام في حالة أضعف، وفي الوقت نفسه ترك ترامب لنفسه فرصة للمناورة، إذ يتعرض النظام لخسائر مستمرة قد يتحقق معها الهدف الأمريكي الأسمى في النهاية.
ثانيًا: تقييم نتائج الحملة الأمريكية بعد شهر من الحرب
نجح المحور الأمريكي-الإسرائيلي في تحقيق حزمة من الأهداف الإستراتيجية التي كانت تُعتبر لسنوات بعيدة المنال، وذلك من خلال إدماج القوة التكنولوجية بالزخم العسكري:
1. تصفية القيادة الإستراتيجية وشل القرار
أدت الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على مدى شهر إلى تصفية رأس النظام المرشد علي خامنئي والعشرات من القيادات الإيرانية البارزة، مما أحدث فراغًا قياديًّا وارتباكًا في هرم السلطة. هذه الاستهدافات المباشرة لم تقتصر على المسؤولين العسكريين والسياسيين فحسب، بل شملت علماء وخبراء في البرنامجين النووي والباليستي، وقد أدت تصفية هذه القيادات إلى حدوث فراغ سياسي كبير انعكس سلبًا على القرار الإيراني، لا سيَّما في ظل استمرار الغموض حول الوضع الصحي للمرشد الجديد مجتبى خامنئي وصعوبة تواصله مع المسؤولين السياسيين والعسكريين بعد تلقيه تهديدات بالاغتيال. ولا شك أن الحملة الأمريكية-الإسرائيلية قد أحدثت ارتباكًا كبيرًا في بنية النظام، ووضعته تحت وطأة ضغط أمني غير مسبوق، إذ ليست هناك قيادة سياسية أو عسكرية محصنة من الاستهداف، وقد لا يقتصر الاستهداف على المرشد الذي يُعتبر القائد الفعلي للنظام، بل إنه طال الفاعلين المؤثرين كعلي لاريجاني الذي كان يُعوَّل عليه بصورة أساسية في لعب دور حيوي في الحفاظ على النظام وضمان ديمومته، بدلًا من الهيمنة العسكرية التي باتت واضحة، والتي تنذر بعواقب وخيمة على البلاد بالنظر إلى خياراته الصلبة في التعامل مع الأزمة.
2. تقويض القدرات الإستراتيجية
سَجّلَت القوات الجوية المشتركة نجاحًا في الوصول إلى أهداف «محصنة»، حيث ركزت العمليات على تدمير منشآت حيوية شملت مفاعلات نووية ومجمعات لإنتاج الصلب والطاقة (وتدمير البنية التحتية لبرنامج الصواريخ الباليستي، وإضعاف سلاح الجو والبحرية). والهدف من ذلك، كما أكد جي دي فانس نائب الرئيس الأمريكي، هو ضمان عدم قدرة إيران على تهديد جيرانها أو امتلاك سلاح نووي في المستقبل القريب. والواقع أن الاستهدافات التي اتسعت لتطال البنية التحتية الأساسية، والمنشآت النفطية والمراكز الصناعية، وكذلك المراكز الأمنية والشرطية، هدفها تقويض شرعية النظام في الداخل، وشل قدرته على النهوض بوظائفه الأساسية، وهو ما يمهد الطريق في المستقبل أمام الجماهير للثورة، أو على أقل تقدير إضعافه بصورة حاسمة وانكفائه على الداخل.
والواضح بعد شهر من العمليات أن الضربات الأمريكية والإسرائيلية لم تعُد مجرَّد عمليات افتتاحية، بل تحولت إلى حملة ضغط مستمرة استهدفت إعادة استنزاف القدرات الإيرانية، خصوصًا في مجالات الطائرات المسيّرة ومنظومات الصواريخ والبنية اللوجستية المرتبطة بها. هذا النمط المتواصل من الضربات مكّن واشنطن وتل أبيب من تقليص وتيرة بعض الهجمات الإيرانية مقارنة ببداية الحرب، كما فرض على إيران إعادة توزيع قدراتها الدفاعية والهجومية. إلا أن هذا الإنجاز بقي نسبيًّا، إذ لم يؤدِّ إلى انهيار القدرة الإيرانية على الرد، ما يعني أن ما تحقق هو إضعاف تدريجي وليس تحييدًا كاملًا.
3. تقليص نسبيّ لهامش الحركة الإقليمية لإيران
مع استمرار الضربات خلال شهر كامل، تراجعت قدرة إيران على إدارة شبكاتها الإقليمية بالمرونة السابقة، نتيجة الضغط العسكري المباشر على مراكز القيادة والتمويل والاتصال. هذا التطوّر لا يعني فقدان إيران لأدواتها الإقليمية، لكنه حدّ من قدرتها على توظيفها بشكل متزامن وواسع، حيث بدا الرد متدرجًا زمنيًّا بين ساحات لبنان والعراق واليمن. على سبيل المثال، جاء رد جماعة الحوثي متأخرًا إلى ما بعد الشهر الأول، وفي الأخير، وكان محدودًا وغير مستدام، كما بقي نشاط حزب الله محدودًا وغير متزامن، في حين لم تتحول مشاركة فصائل الحشد الشعبي في العراق إلى جبهة مفتوحة خلال هذه الفترة. يعكس هذا النمط إدارة إيران لأدواتها الإقليمية بشكل مدروس وزمني، ما قلّص هامش الحركة العملياتي دون أن يعني فقدان القدرة الكاملة على الرد. وبالتالي، يمكن اعتبار أن واشنطن وتل أبيب نجحتا في تقليص هامش الحركة الإيراني، حتى وإن لم تتمكنا من تفكيك هذه الشبكات بالكامل. ولا تقتصر نجاحات واشنطن وإسرائيل على ذلك، بل عزلت الحرب إيران عن محيطها الخليجي، بعدما كانت قد نجحت خلال السنوات الأخيرة من إنهاء عزلتها، حيث عادت العلاقة مع دول الخليج إلى مربع الأزمة بعدما شنَّت إيران هجمات غير مبررة على دول الخليج.
4. الدبلوماسية تحت الضغط العسكري والهجوم البري المحتمل
رغم محادثات السلام التي تقودها إسلام آباد، لا يزال الحل العسكري في مضيق هرمز وربما اجتياح جزيرة خارك مطروحًا. وتبدو المحادثات في إسلام آباد كأنها غطاء مناسب لشن هجوم واسع النطاق وغير مقيد، يمكن أن يستهدف القواعد البحرية الإيرانية ومنشآت الاتصالات ومصادر الطاقة والمنشآت النفطية في جزيرة خارك، بما في ذلك المصافي ومستودعات تخزين والصادرات النفطية.
على عكس ما كانت عليه الحال في السابق، فإن سيناريو تنفيذ ضربات حاسمة ضد إيران قد ينطلق هذه المرة من البيت الأبيض وليس من تل أبيب. وقد عززت الطبيعة الملحّة والحاسمة لاحتجاجات «لا للملوك» التي شهدتها مختلف المدن الأمريكية في 28 مارس حسابات ترامب الإستراتيجية. وتشمل الأهداف التي لا تزال بمنأى عن الضربات: المنشآت النووية ومرافق التخزين تحت الأرض، مثل جبال بيكاكس ونطنز.
إذا تمكنت الولايات المتحدة من شن هجمات سريعة ودقيقة ضد القواعد الساحلية وتلك الواقعة تحت الأرض، فقد يؤدي ذلك إلى تأجيل استهداف مركز الطاقة الإيراني في جزيرة خارك، لأن السيطرة على أرض أجنبية، حتى لو كان ذلك بأقل قدر من الخسائر، لا يقدم مكاسب سياسية داخلية تُذكر لترامب، حيث لا تزال قاعدته في ماغا منقسمة حول هذه الحرب، كما أن مساعي السيطرة على جزيرة خارك قد تفتقد شرعية شركاء أمريكا وحلفائها العرب.
5. تكلفة إستراتيجية متعددة الأبعاد
مع مرور شهر، بدأت آثار الحرب تظهر في شكل ضغط متعدد الأبعاد على إيران، يشمل البنية العسكرية والاقتصادية. هذا التراكم في التكلفة يمثل إنجازًا للطرف الأمريكي-الإسرائيلي، لأنه يعزز منطق الاستنزاف طويل الأمد، ويجعل استمرار الحرب أكثر كلفة على طهران. غير أن هذا الإنجاز يبقى محدودًا ما دامت إيران لا تزال قادرة على امتصاص هذه الضغوط ومواصلة الرد.
ويتضح وجود خلافات بشكل متزايد داخل إيران، ليس فقط على صعيد البنية السياسية والعسكرية والاقتصادية، بل أيضًا على صعيد الهيكل السياسي الداخلي، فقد أظهرت التقارير وجود خلافات متصاعدة بين الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وقائد الحرس الثوري أحمد وحيدي حول إدارة الحرب وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، حيث انتقد بزشكيان نهج الحرس في تصعيد التوترات وواصل دعوته لإعادة الصلاحيات التنفيذية إلى الحكومة، فيما رفض قائد الحرس الثوري أحمد وحيدي هذه المطالب، معتبرًا أن الوضع الراهن هو نتيجة إخفاق الحكومة قبل اندلاع الصراع.
على المستوى الاقتصادي تحديدًا استهدفت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران ثلاثة أركان إستراتيجية جوهرية في الاقتصاد، وهي: الطاقة (النفط-الغاز-الكهرباء) والصناعات الإستراتيجية (الصلب-الفولاذ-البتروكيماويات) والخدمات الحيوية داخل البلاد (المصارف-الإنترنت-الأسواق-المواني-المطارات)، وهي أركان لا تمس الموارد المالية للحكومة والنظام فحسب، بل تطال وتؤثر في سير وتكلفة الحياة اليومية لعامة الإيرانيين ومستوى معيشتهم. وعلى الرغم من استفادة إيران نسبيًّا من ارتفاع أسعار النفط إلى أكثر من 110 دولارات للبرميل وزيادة صادراتها إلى 1.6 مليون برميل يوميًّا، مما رفع إيراداتها اليومية من 100 مليون إلى 180 مليون دولار، فإنّ هذه المكاسب تبقى محدودة أمام الخسائر الضخمة التي تكبدتها.
كان قطاع الطاقة الأشد استهدافًا، إذ ضُربت مستودعات الوقود في طهران التي تضم 15 مليون ساكن، واستُهدف حقل غاز بارس الجنوبي الذي تعتمد عليه أكثر من 85% من محطات الكهرباء الإيرانية، فضلًا عن جزيرة خارك المسؤولة عن تصدير 90% من النفط الإيراني.
ولم تسلَم الصناعات الإستراتيجية هي الأخرى، إذ استُهدفت كبرى مجمعات إنتاج الصلب والفولاذ كمجمع «فولاذ مباركة» في أصفهان. وتجدر الإشارة إلى أن قطاع الصلب يمثل 4.5% من الناتج المحلي الإجمالي، و16.5% من الصادرات غير النفطية، وكانت قيمة صادراته تبلغ 8 مليارات دولار قبل عامين، وتُعَدّ إيران من بين أكبر عشرة منتجين له عالميًّا. واستهدافه لا يضرب فقط موارد النظام المالية والدفاعية، بل يضرب الصناعات المحلية مثل الإنشاءات وصناعة السيارات (تشغل أكثر من 4% من العمالة الإيرانية).
أما القطاع الخدمي الذي يشكّل أكثر من 50% من الناتج المحلي الإجمالي فقد تضرر بالغ الضرر، فقد استُهدفت مقرات بنك «سپه» ذي الـ1800 فرع، وتعرّض بنك «ملي» لهجوم إلكتروني عاق صرف الرواتب وعمليات الصرافات الآلية. كما تراجعت المبيعات في بازار طهران بين 50 و70%، وأُغلقت بورصة طهران في أيامها الأولى، بجانب استهداف المطارات والمدارس والمواني الرئيسية للبلاد في الجنوب والشمال، مما عاق عمل سلاسل الإمداد وأثَّر سلبًا في التجارة الداخلية وألجأ السلطات إلى ممرات تجارية بديلة عبر دول الجوار والمناطق الحرة مثل جاسك وتشابهار.
وأخيرًا على صعيد المعيشة اليومية، فقد حصدت نتائج استهداف الأركان الثلاثة سابقة الذكر، فتجاوزت نسبة ارتفاع أسعار الغذاء 105% خلال مارس، مع تضاعف أسعار الأرز والعدس والزيوت ثلاثة أضعاف، وارتفاع أسعار اللحوم والدجاج والبيض، وذلك على الرغم من إعلان وزارة الزراعة الإيرانية منذ بدء الحرب منع تصدير المنتجات الغذائية والزراعية الإيرانية إلى الخارج. كما أُفيد بشُح 150 صنفًا من الأدوية، ونقص في مستلزمات الرضَّع والأطفال. ويأتي هذا في ظل اقتصاد كان يعاني أصلًا من تحديات جمة وتضخم تجاوز 40% قبل الحرب، مما ينم عن آفاق اقتصادية ومعيشية قاتمة للبلاد على المدى القريب.
ثالثًا: الاستعداد الإيراني وأوراق التأثير في مسار الصراع
يبدو أن إيران كانت لديها خطة لمواجهة الحملة الأمريكية-الإسرائيلية المتوقعة، ويمكن الإشارة إلى عناصر أساسية في إستراتيجية إيران للمواجهة والتأثير في مسار الصراع:
1. الاستجابة وملء الفراغ وتهيئة النظام للمواجهة
منذ انتهاء حرب الاثني عشر يومًا، عملت القوات العسكرية الإيرانية على تطوير خطط طوارئ وإجراءات لمنع مجموعة من السيناريوهات المحتملة التي تتراوح بين استهداف القيادة العليا احتمالية انهيار النظام. وشنت عمليات لمكافحة التجسس بهدف تحييد العناصر الأجنبية المتسللة داخل صفوفها، ورغم الخسائر التي تكبدتها إيران، فإنّ توقع الحرب والاستعداد لها قد منعا النظام من الانهيار مع الضربة الخاطفة واسعة النطاق التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران.
ولم تكن تهيئة النظام الإيراني للمواجهة تهيئةً عسكريةً وأمنيةً فحسب، بل كانت أيضًا تهيئةً فكريةً وأيديولوجيةً وحوزويةً سبقت لحظة الانفجار بسنوات. فمجتبى خامنئي لم يُقدَّم داخل بنية النظام بوصفه ابنًا للمرشد فقط، بل بوصفه حلقةَ وصلٍ بين ثلاث دوائر متداخلة ومركبة في غاية التعقيد: مكتب القيادة، والحرس الثوري، وشبكات الحوزة المحافظة في قم. وظلّ لسنوات فاعلًا خلف الستار، ذا صلات وثيقة بالحرس، وجاء صعوده في مارس 2026م بدفعٍ قوي من الحرس الثوري وضغطٍ على بعض رجال الدين المترددين داخل مجلس الخبراء، فيما جرى تصوير اختياره باعتباره استمراريةً لخط «الصمود»، لا مجرد انتقالٍ شخصيٍّ للسلطة. ومن هنا فإن التهيئة الحقيقية كانت إعادة تعريف ولاية الفقيه من كونها مقامًا فقهيًّا-علميًّا يتأسس على التفوق الحوزوي والقبول المرجعي، إلى كونها وظيفةَ حفظٍ للنظام تتأسس على القدرة على الإمساك بمفاصل الأمن والعقيدة والتعبئة. بهذا المعنى، لم يعُد السؤال المركزي داخل إيران: مَن الأعلم أو الأجدر فقهيًّا؟ بل: مَن الأقدر على ضمان استمرارية الدولة العقائدية في زمن الحرب ولحظة خشية التفكك؟
لكن هذا التحول يكشف عن أزمةٍ عميقةٍ في بنية الشرعية السياسية الشيعية نفسها، لأنّ لحظة الحرب والاغتيال دفعت النظام إلى ترجيح منطق «النجاة» على منطق «الاستحقاق»، فغدت الشرعية تُنتَج عبر التعبئة الجماهيرية والضبط الأمني واستدعاء سردية المظلومية والصمود، أكثر مما تُنتَج عبر المسار الحوزوي التقليدي أو الإجماع الديني الواسع. ولهذا فإنّ دعمَ مجتبى خامنئي لا يبدو مجردَ تثبيتٍ لخليفة، بل هو محاولة لإعادة تمتين المجال الشيعي الرسمي حول صورة «القائد الجريح/المستهدف» الذي يسير على خطى «جدّه الحسين» في مقاومة «المستكبرين الظالمين»، حتى لو ظلّ رصيده الحوزوي ووزنه المرجعي موضعَ سؤال، كأبيه! لكن هذا لا يحلّ المعضلة، قد يؤجل المعركة الحوزوية مؤقتًا بسبب الحرب، إذ كلما ازداد اعتماد ولاية الفقيه على الحرس الثوري وآليات الضبط والتعبئة والقوة الخشنة، اقتربت من التحول من نظريةٍ في السيادة الدينية إلى صيغةٍ في الحراسة السياسية للدولة، حيث تصبح المؤسسة العسكرية -وتحديدًا الحرس الثوري- هي الحامل الفعلي للشرعية، ويصير الفقيهُ غطاءها الرمزي الأعلى. وهذه هي المعضلة الأشد عمقًا في لحظة مجتبى خامنئي، أنه قد يرث المنصب كاملًا لكنه يرث معه في الوقت نفسه التآكل البطيء للأساس اللاهوتي الذي كان يمنح هذا المنصب رمزيته ومعناه الأصيل الذي نُظّر له من الخميني.
2. جر الأطراف إلى حرب استنزاف
رغم الدمار الذي تعرضت له المنشآت والمؤسسات العسكرية الإيرانية، فإنّ إيران أظهرت قدرة متقدمة على إخفاء مخزوناتها من الصواريخ ومنصات الإطلاق إلى جانب شبكة مترابطة من القواعد تحت الأرض مجهزة بمعدات حفر وإمدادات غذائية وطبية واحتياجات أساسية أخرى. وأفادت التقارير بأن بعض هذه المنشآت عاد إلى العمل خلال ساعات قليلة عقب تعرضها لضربات «مدمرة».
بعد شهر من الحرب، لا تزال مخزونات الإمدادات غير واضحة. ونجحت الضربات في اعتراض أي جهود لتجديد مخزون الأسلحة أو المواد الأساسية. رغم تراجع وتيرة الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة الإيرانية، فإنّ استمرار هذه الهجمات يُبقي حالة عدم اليقين لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، والقلق لدى دول الخليج التي تتعرض بشكل شبه يوميّ لهجمات غير مبررة من قبل إيران، حيث أفادت وكالة رويترز نقلًا عن مسؤولين أمريكيين أن ثلث مخزونات الصواريخ الإيرانية فقط دُمِّر، وأنّ ثلثًا آخر تعرَّض للضرر أو حوصر تحت الأرض، الأمر الذي يؤكد استمرار التهديد الذي يواجه تراجع فاعلية أنظمة الدفاع الجوي لدى خصوم إيران. ويشير انخفاض العمليات الهجومية الإيرانية إلى عملية تقنين إطلاق الصواريخ، الأمر الذي يُطيل قدرتها على التحمل، وفي الوقت نفسه يبث القلق بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
3. توظيف ورقة مضيق هرمز
لم توسِّع إيران نطاق عملياتها المتعلقة بزرع الألغام لتتجاوز العدد الذي أُبلغ عنه والذي قُدّر بنحو اثني عشر لغمًا في منتصف مارس، وفي أعقاب إعلانها إغلاق المضيق وفرض رسوم عليه، فرضت طهران سيطرتها الكاملة على هذا الممر المائي الذي يبلغ طوله 30 كيلومترًا. وتتطلب إعادة فتح المضيق تنفيذ هجوم سريع ومتزامن ومدمِّر. على الرغم من ذلك، لا يزال خطر تعرُّض حركة الملاحة لهجمات صاروخية وهجمات الطائرات المسيرة قائمًا. وقد دفعت الطبيعة المضنية والبطيئة لعمليات كسح الألغام الولايات المتحدة إلى ممارسة ضبط النفس، مما أدى إلى إطالة أمد حالة الجمود التي تكتنف أزمة إغلاق المضيق.
4. توظيف الوكلاء لخلق توازن في الردع
اعتمدت إيران بشكل أساسي على الحشد الشعبي في العراق رغم أن هذه الميليشيات لم تنجح في تشتيت القوة النارية الأمريكية والإسرائيلية بعيدًا عن إيران، لكنها تشكل مصدر إزعاج تكتيكي. وقد دفعت إستراتيجية حزب الله القائمة على إطلاق الصواريخ إسرائيل نحو غزو بريّ للبنان، الأمر الذي قد يحمل تداعيات سياسية على نتنياهو، الذي أفادت التقارير بأنه يحاول إقناع ترامب بتأجيل مفاوضات وقف إطلاق النار مع إيران. قد تسهم الإستراتيجية الدفاعية التي يتبناها حزب الله في توريط إسرائيل في المستنقع اللبناني، الأمر الذي قد يصبّ في مصلحة إيران، لكن لا يزال من المبكر التوصل إلى استنتاجات نهائية في هذا الصدد.
من غير الواضح مدى بقاء نفوذ إيران على الميليشيا اليمنية، التي يُعتقد أنها أصبحت أكثر براغماتية بصفتها الحاكم الفعلي لشمال اليمن. ويشير عديد من المراقبين اليمنيين المطلعين إلى تقلص قدرة الحوثيين على إطلاق الصواريخ والطائرات دون طيار، بسبب الخسائر التي تكبّدوها جرّاء الضربات الإسرائيلية والأمريكية. وبدلًا من أن تكون جيشًا كاملًا، فإنّ الميليشيا هي أقرب إلى قوة برية، شبيهة بطالبان، تفتقر إلى القوة الجوية البدائية والتوجيه بالرادار أو تمتلك قدرات محدودة في هذا المجال. وحتى لو طمح الحوثيون إلى إغلاق باب المندب، فمِن غير المرجح تمكُّنهم من القيام بهذه المهمة لصالح إيران نظرًا لعدم امتلاكهم للقدرات البحرية والاستطلاعية التي يمتلكها الحرس الثوري في مضيق هرمز، فضلًا عن عدم سيطرتهم الكاملة والمباشرة على مضيق باب المندب. وقد تكون عدم قدرة الحوثيين على تحمُّل الهجمات الأمريكية والإسرائيلية عاملًا آخر وراء امتناعهم عن الانخراط بشكل قوي في الإغلاق التام للمضيق، ومع ذلك فإنهم يمتلكون القدرة على تهديد الملاحة عبر إطلاق الصواريخ والقذائف قصيرة المدى نحو المضيق، فضلًا عن الصعود بالقوة إلى ناقلات النفط والسفن واختطافها.
رابعًا: التحديات أمام الولايات المتحدة وإسرائيل
رغم المُنجزات العسكرية، تواجه الولايات المتحدة وإسرائيل عدة تحديات قد تحوّل الانتصارات التكتيكية إلى أزمات إستراتيجية:
1. الصمود العسكري واتساع نطاق الصراع
رغم الضربات المستمرة، نجحت إيران في الحفاظ على مستوى من القدرة الهجومية، سواء عبر الصواريخ أو المسيّرات أو العمليات غير المباشرة. هذا الصمود بعد شهر من الحرب قد يشير إلى أن البنية العسكرية الإيرانية ما زالت تتمتع بقدر من المرونة، ما يمنع تحقيق حسم سريع ويقوّض هدف واشنطن وتل أبيب في فرض معادلة ردع واضحة أمام طهران، ويحوّله في المقابل إلى نمط استنزاف طويل.
وعلى عكس إسرائيل، مُنيت الولايات المتحدة بخسائر فادحة في المعدّات العسكرية والقواعد والأفراد، وشملت تدمير رادارات في البحرين وقطر، وحادث تصادم عرضيّ بين طائرتين للتزود بالوقود من طراز كيه «سي-135» فوق العراق، بالإضافة إلى حوادث نيران صديقة طالت ثلاث طائرات «إف-15» تابعة لسلاح الجو الأمريكي في الكويت، الأمر الذي ترك أثرًا سلبيًّا في الروح المعنوية والقدرات العملياتية للجيش الأمريكي. لم يتوقع البنتاغون أن يصل حجم خسائر العمليات إلى هذا المستوى خلال الهجمات ضد إيران، وسيتضح الرقم الفعلي للخسائر بمجرد توقف الأعمال العدائية. في البداية، اضطرت الولايات المتحدة إلى الاعتماد بشكل أساسي على مجموعة حاملات الطائرات بسبب القيود التي فرضتها القواعد في منطقة الخليج، مما قلص خياراتها العسكرية المتاحة.
ليس هذا فحسب، بل بعد مرور شهر من الحرب تمكنت إيران من نقل المواجهة من إطارها المباشر إلى نطاق إقليمي أوسع، عبر تفعيل جبهات متعددة. دخول أطراف إضافية في مسار الحرب، واستمرار الهجمات على قواعد أمريكية، يعنيان أن الردع المتبادل لم يتحقق بعد، وأن الولايات المتحدة وإسرائيل باتتا مضطرتين إلى توزيع جهدهما العسكري على مساحات جغرافية أوسع، مما يعني تقليلًا من تركيز القوة العسكرية ورفعًا من كلفة العمليات، ما يشكل تحديًا إستراتيجيًّا واضحًا لكل من واشنطن وتل أبيب.
2. إغلاق مضيق هرمز ورفع تكلفة الصراع
وسّعت إيران نطاق الحرب ليشمل أبعادًا اقتصادية وبحرية، مستهدفةً خطوط الملاحة والتجارة والطاقة. أبرز هذه الأبعاد تمثَّل في إغلاق إيران لمضيق هرمز، ما أدى إلى توقف مرور جزء كبير من النفط العالمي، وأثر بشكل مباشر في أسعار الطاقة وحركة التجارة الدولية. إضافة إلى ذلك، أصبح باب المندب نقطة توتر حرجة، حيث يهدد أي تصعيد هناك بعرقلة الشحن التجاري وزيادة تكلفة العمليات البحرية للولايات المتحدة وإسرائيل. بالتالي، لم تعُد الحرب تقتصر على الصعيد العسكري، بل أصبحت متعددة الأبعاد تشمل البعد الاقتصادي والبحري، ما يزيد التحديات التشغيلية والإستراتيجية للولايات المتحدة وإسرائيل ويعقّد مسار إدارة الصراع.
من دون إعادة فتح المضيق، ستفتقر صورة النصر التي يبحث عنها ترامب إلى المصداقية، وقد يكون المخططون العسكريون في الولايات المتحدة وإسرائيل منشغلين بوضع خطط مبتكرة لتحييد القوة البحرية الإيرانية التابعة للحرس الثوري الإسلامي بشكل فعال، تمهيدًا لشل القدرة الإيرانية في السيطرة على المضيق، وذلك بالتزامن مع مواصلة سلاح الجو الإسرائيلي استهدف منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية وقواعد الطائرات المسيرة.
3. الكلفة والأعباء الاقتصادية للصراع
أسفرت الحرب عن تداعيات اقتصادية وخيمة وواسعة النطاق وخسائر طالت غالبية الاقتصادات العالمية بعدما أفضت إلى إغلاق مضيق هرمز وتعطيل 20% من إمدادات النفط العالمية، مع توقف كميات كبيرة من صادرات الغاز الطبيعي المسال الخليجية. وقد تجاوز سعر برميل برنت 112 دولارًا بارتفاع يزيد على 50% مقارنة بما قبل الحرب، فيما قفزت أسعار التأمين على ناقلات النفط بنسبة مذهلة بلغت 1000%. وطالت الخسائر التجارة والسياحة الدولية وأسواق المال العالمية والمعادن النفيسة وأصبحت الحرب مُهدِّدًا حقيقيًّا لأسعار الغذاء والنمو الاقتصادي العالمي.
من جهة ثانية، دفعت الاقتصادات الصناعية الكبرى فواتير طاقة أعلى بـ50%، فأوروبا فعّلت خطط الطوارئ، فيما اضطرت اليابان وكوريا الجنوبية والهند إلى اتخاذ إجراءات تقشفية وتشغيل محطات الفحم. وتستفيد الصين من مخزونها الإستراتيجي المقدر بأربعة أشهُر، لكنها مهددة إن طال أمد الحرب نظرًا إلى اعتمادها الكبير على نفط الخليج، فيما استفادت روسيا من ارتفاع أسعار الطاقة.
أما دول الخليج والعراق خسرت ما يقارب مليار دولار يوميًّا جراء توقف صادرات الطاقة عبر هرمز، واستطاعت السعودية والإمارات إيجاد ممرات بديلة، فيما قُدرت تكاليف إعادة إعمار منشآت الطاقة المتضررة بنحو 25 مليار دولار وفق مؤسسة «ريستاد إنرجي». وتأثرت عدة اقتصادات بالشرق الأوسط من ارتفاع أسعار الطاقة مثل مصر والأردن وتركيا واضطرت إلى اتخاذ إجراءات تقشفية. أما الخسائر العسكرية والاقتصادية المباشرة للكيان الإسرائيلي فتقدر بـ9 مليارات دولار خلال الشهر الأول.
وبالنسبة إلى قطاع الطيران والسياحة العالمية فقد تأثر بشدة، إذ ارتفعت أسعار تذاكر بعض الخطوط الدولية بنسبة 560% وفق وكالة بلومبرغ، وتراجعت حجوزات رحلات الصيف من أوروبا إلى الولايات المتحدة بنحو 15%.
والأخطر من كل ذلك هو التهديد الغذائي العالمي الناتج عن الحرب، إذ حذّرت منظمة الفاو من أن مضيق هرمز يستوعب 30% من تجارة الأسمدة العالمية، مما يهدد بارتفاع حادّ في أسعار الغذاء، وهو ما قد يفاقم الفقر ويزعزع الاستقرار في دول كثيرة. كما تكبدت أسواق المال الآسيوية والأوروبية والخليجية مليارات الدولارات، وفقدَ الذهب نحو 13% من سعره منذ اندلاع الحرب على عكس المتوقع مع ارتفاع الدولار المفاجئ أمام العملات الأخرى.
4. مُعضلة التدخل البري وكلفته البشرية
تُثير خطة ترامب للتدخل البري في إيران تساؤلات حادة حول أهداف الحرب النهائية. فبينما تسعى واشنطن لتغيير السلوك الإيراني، يرى الخبراء أن الانزلاق نحو «احتلال مناطق» أو توغل بري سيواجه مقاومة عنيفة وتحولًا إلى حرب استنزاف طويلة الأمد لا تستطيع الميزانية الأمريكية تحمّلها، خصوصًا مع احتمالية ارتفاع الخسائر البشرية وسط الجيش الأمريكي.
5. التخبط الدبلوماسي والخلاف مع «الناتو»
تُعاني إدارة ترامب من انتقادات دولية واسعة نتيجة «أُحادية القرار»، مما أدى إلى شلل في حلف «الناتو» وفشل القمم الأوروبية في تقديم دعم عسكري موحد. كما أن لجوء واشنطن إلى رفع العقوبات عن النفط الروسي لتأمين الأسواق، مع الاستمرار في ضرب إيران، خلق حالة من «عدم اليقين» لدى الحلفاء الأوروبيين.
6. صعود الحرس الثوري بوصفه فاعلًا غير مرن
لم يعُد الحرس الثوري الإيراني مجرد ذراع عسكرية ضمن بنية الدولة، بل بات يتطوّر في سياق الحرب إلى فاعل سيادي موازٍ يمتلك قدرة مستقلة على اتخاذ القرار الإستراتيجي، وتحديد أنماط التصعيد وإدارة شبكات النفوذ الإقليمي. هذا التحول يُعقّد الحسابات الأمريكية على مستويين: الأول عسكري-عملياتي، حيث يصبح من الصعب استهداف «مركز ثقل» واضح يمكن أن يؤدي ضربه إلى شلل شامل، نظرًا إلى الطبيعة الشبكية واللا مركزية التي يعتمدها الحرس في إدارة المعركة. والثاني سياسي-إستراتيجي، إذ إنّ صعود الحرس يُعيد تعريف طبيعة الخصم من «دولة قابلة للردع والتفاوض» إلى «منظومة أيديولوجية-عسكرية مرنة» لا تخضع بالكامل لمنطق الدولة التقليدية. بهذا المعنى، تجد واشنطن نفسها أمام نموذج تتداخل فيه العقيدة مع الأمن، والاقتصاد مع الحرب، بما يجعل أي انتصار عسكري تكتيكي عاجزًا عن إنتاج تسوية سياسية مستقرة. وفلسفيًّا، نحن أمام انتقال من «نظام شرعية معيارية» قائم على العلم والفقه، إلى «نظام شرعية واقعية» قائم على القدرة والسيطرة، وهو انتقال قد يُفضي على المدى المتوسط إلى تفريغ ولاية الفقيه من مضمونها النظري، وتحويلها إلى غطاء شكلي لبنية حكم عسكرية-أمنية يقودها الحرس الثوري.
خامسًا: السيناريوهات المستقبلية للحرب
يمرّ الشرق الأوسط بمرحلة تاريخية، تختبر فيها فاعلية القوة في إعادة تشكيل الأنظمة السياسية والبيئة الإستراتيجية. فالحرب الراهنة، التي بدأت بوصفها ضربةً خاطفةً ذات أهداف محددة، على ما يبدو انزلقت إلى نمطٍ مركّب من الاستنزاف طويل الأمد، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية مع اعتبارات الشرعية، وتتداخل رهانات الردع مع معادلات البقاء. وانطلاقًا من الغموض الذي يكتنف الأهداف الأمريكية من الحرب، وتبعات ذلك على مسار العمليات العسكرية، والمكاسب التي حققتها الولايات المتحدة وإسرائيل خلال الحرب مقابل التحديات التي فرضتها إيران على الطرفين من جهة، وما تواجهه من أزمات داخلية من جهة أخرى، وتأسيسًا على كل هذه الأبعاد المتداخلة، يمكن بناء السيناريوهات التالية لمسار الحرب:
السيناريو الأول: توسُّع الحرب
أهم مؤشرات هذا السيناريو يتمثل في التهديد الأمريكي باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية وتحذير الحرس الثوري بأنه سيردّ بالمثل مستهدفًا البنية التحتية في المنطقة، وأيضًا خطط الغزو البري الأمريكي للسيطرة على جزيرة خارك الإيرانية، الذي رغم الإشارات إلى أنه سيكون محدودًا وبغرض فتح مضيق هرمز فقط فإن المقاومة الإيرانية وعمليات تأمين السيطرة على الجزيرة قد تدفع تدريجيًّا نحو توسع الحرب أكثر، وعلى الجانب الآخر يدرك النظام الإيراني أن هذه الحرب هي فرصته الأخيرة للخروج من المأزق الإستراتيجي الذي يواجهه منذ عقود بسبب العقوبات، لذلك حتى وإن قرر الرئيس الأمريكي إنهاء الحرب من طرف واحد على أساس أنها حققت أهدافها فإن ذلك لن يمنع إيران من مواصلة عملياتها العسكرية بغية تحقيق مطالبها، وفي مقدمتها رفع العقوبات، خصوصًا في ظل تصاعد دور الحرس الثوري أكثر في بنية النظام بعد تعيين مجتبى خامنئي مرشدًا جديدًا، وفي هذه الحالة قد تجد الولايات المتحدة الأمريكية نفسها مضطرة إلى العودة إلى الحرب وتوسعها لدفع النظام الإيراني للاستسلام. وفي ظل هذا السيناريو لا يستبعد أن تجد أطراف إقليمية ودولية نفسها مجبرة إلى الدخول في الحرب إذا ما تضررت بشكل كبير جدًّا ووجدت نفسها أمام خيار وحيد للدفاع عن أمنها القومي ومصالحها الإستراتيجية. كما قد تساهم إسرائيل بالدفع نحو هذا السيناريو الذي يخدم أهدافها عبر شن هجمات تصعيدية في حالة استشعارها لأي محاولات لوقف الحرب من الجانب الأمريكي.
السيناريو الثاني: التوصل إلى اتفاق ونهاية الحرب
يعارض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الحروب الطويلة من حيث المبدأ، ولطالما انتقد الرؤساء السابقين لخوضهم هذا النوع من الحروب في أفغانستان والعراق، وهو يميل إلى العمليات المحدودة التي تحقق مكاسب كبيرة بتكلفة قليلة جدًّا على غرار النموذج الفنزويلي. والهجوم على إيران كان مصممًا على هذا الأساس وإن بقدر كبير من الرغبوية التي تجاوزت التحذيرات من الوضع الراهن. هذا في ظل مخاطر التوسع في الحرب التي بات ترامب يأخذها بعين الاعتبار على عكس فترة ما قبل الحرب، بدليل تمديده للمهل التي منحها لإيران للموافقة على شروطه، وحديثه بشكل إيجابي عن «المفاوضات مع الإيرانيين»، إضافة إلى ذلك صعوبة وربما استحالة هدف تغيير النظام الإيراني الذي وضعه ترامب في بداية الحرب، خصوصًا مع عدم وجود أي بوادر انتفاضة شعبية داخلية كان يعوّل عليها، إضافة إلى محدودية قدرات المعارضة الإيرانية في الخارج، كما أن دخول الحوثيين على خط المواجهة رغم أنه ما زال رمزيًّا ومحدودًا وموجهًا إلى إسرائيل فقط فإنّ توقيته يندرج في إطار توظيف إيران لورقة باب المندب، إضافة إلى مضيق هرمز لرفع تكلفة أي تصعيد أمريكي، ودفع القوى الدولية والإقليمية المتضررة اقتصاديًّا إلى ممارسة ضغوط على الإدارة الأمريكية لإنهاء الحرب. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى امتداد تأثيرات المحدد الاقتصادي للداخل الأمريكي نفسه، مما قد يحث ترامب على وقف الحرب وإجبار إسرائيل أيضًا على وقف عملياتها. وقد يسبق هذا هجمات كبيرة جدًّا تدفع النظام الإيراني الذي بدوره يعاني من مشكلات كبيرة جدًّا إلى الرضوخ للأمر الواقع والاستجابة لوقف الحرب، خصوصًا في حالة استشعاره بوادر انتفاضة شعبية نتيجة تبعات الحرب على الأوضاع المعيشية المتأزمة أصلًا في المجتمع الإيراني.
السيناريو الثالث: استمرار التصعيد المحسوب
يمكن أن تقود مخاطر التصعيد من جهة، وتحديات التوصل إلى اتفاق من جهة أخرى، نتيجة المعادلة الصفرية التي باتت تتحكم في العلاقة بين أطراف الصراع، إلى استمرار الوضع القائم من خلال تمسك كل طرف بمواقفه ومطالبه، وبنك أهدافه التي تركز على الأصول العسكرية، مع تقديم بعض التنازلات المحدودة على غرار سماح إيران بعبور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز بما يسمح بعدم تفاقم التبعات الاقتصادية للحرب عالميًّا نتيجة الارتفاع المستمر لأسعار النفط والغاز، كما يساهم تراجع القدرات العسكرية الدفاعية والهجومية لأطراف الصراع في هذا السيناريو، حيث تدفع إدارة مخزون الأسلحة إلى الحد من كثافة الهجمات، فإيران تضررت قدراتها الصاروخية كثيرًا نتيجة الضربات التي استهدفتها، وفي المقابل أيضًا تشير التقديرات إلى تراجع مخزون الصواريخ عند البنتاغون وتضرر بعض أصوله الحربية من الطائرات، كما أن الدفاعات الجوية الإسرائيلية هي الأخرى تعاني من تناقصها، الذي كشفه تزايد نسبة نجاح الصواريخ الإيرانية في تحقيق الإصابات.
وفي الختام، يمكن القول إنه وفقًا للحسابات العقلانية، يُرجّح سيناريو استمرار الوضع القائم في مستوى المواجهة العسكرية مع بعض التصعيد المحسوب من الطرفين بغرض تقديم تنازلات في المفاوضات غير المباشرة الجارية، وقد تبقى التطوّرات في هذا السياق مع الاتجاه إلى ترجيح الخيار السياسي لإنهاء الحرب، ولكن طبيعة شخصية الرئيس الأمريكي التي تتميز بقدر من المزاجية تجعل سيناريو التصعيد وتوسع الحرب غير مستبعد بشكل مطلق.