أحدث الصراع بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة تحوُّلًا جوهريًا في المشهد الجيوسياسي، وخلْق مجموعة من المزايا الإستراتيجية للاتحاد الروسي. على الرغم من تبنِّي موسكو موقف رسمي يتّسِم بالحذر دبلوماسي، إلّا أنَّ الفوائد المادية التي تجنيها روسيا هائلة. تتمثَّل الدوافع الرئيسية لهذه الميزة في الارتفاع الحاد بأسعار الطاقة العالمية والتحوُّل الكبير في الموارد العسكرية الغربية بعيدًا عن الجبهة الأوكرانية. تسير روسيا حاليًا في مسار دقيق، بين جني المكاسب الاقتصادية الناتجة عن حالة الاستقرار الإقليمي وبين الوفاء بالتزاماتها بصفتها شريك أمني لطهران. ومع انتقال الصراع عبر مراحل متفاوتة من الحدَّة، تظل قُدرة الكرملين على الاستمرار في مستويات الإنفاق المحلِّي المرتفع مدعومة بطول أمد الحرب والشروط اللاحقة لأّي تسوية يتِم التفاوض عليها لاحقًا.
تتمثَّل الفائدة المباشرة والملموسة لروسيا في الارتفاع الهائل في الإيرادات النفطية، والتي جاءت في لحظة انتقالية تمُرّ بها الخزانة الروسية. قبل اندلاع الأعمال العدائية في أواخر فبراير 2026م، كان النفط الخام الروسي يتداول بمتوسِّط سعر40 دولارًا للبرميل. ويتماشى هذا الرقم مع سقف الأسعار وأنظمة العقوبات، التي فرضتها الدول الغربية عقِبَ اندلاع الحرب الروسية-الأوكرانية في عام 2022م. ومع ذلك، أدَّى اندلاع الحرب في إيران وما نتج عنها من تهديدات للملاحة في الخليج العربي، إلى ارتفاع حاد في المؤشِّرات العالمية. بحلول أبريل 2026م، وصَلَ سعر النفط الخام إلى 116 دولارًا للبرميل.
كان الأثر المالي لهذا الارتفاع في الأسعار هائل؛ ففي شهر مارس 2026م وحده ، ارتفعت عائدات روسيا الشهرية من صادرات الوقود الأحفوري بأكثر من 52 % مقارنةً بالشهر السابق. وتُشير تقارير من وكالة الطاقة الدولية إلى أنَّ روسيا حقَّقت نحو 19 مليار دولار من عائدات تصدير النفط خلال شهر مارس. ويُعَدُّ هذا التدفُّق لرؤوس الأموال في مجال الطاقة أمر بالغ الأهمِّية؛ لأنَّه يوفِّر للكرملين السيولة اللازمة لتغطية عجْز الميزانية الذي بلغ 4.6 تريليون روبل في الربع الأول من عام 2026م، الأمر الذي حدَّ فعليًا من التداعيات المتوقعة للعقوبات الدولية.
بعيدًا عن المكاسب المالية المباشرة، أجبرت الحرب في إيران الولايات المتحدة على استنزاف ترسانتها العسكرية بمعدل يتنافس بشكل مباشر مع احتياجات القوات المسلحة الأوكرانية. وفقًا لتقديرات مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، كلَّف الأسبوعان الأولان من الصراع الإيراني الولايات المتحدة حوالي 16.5 مليار دولار من النفقات العسكرية غير المُدرَجة في الميزانية. خلال الأيام الأربعين من الحملة، استخدمت القوّات الأمريكية كمِّيات هائلة من الذخائر المتطوِّرة ، بما في ذلك أكثر من 1000 صاروخ كروز من طراز توماهوك، وأجزاء كبيرة من مخزون ما قبل الحرب لصواريخ باتريوت الاعتراضية.
ويمثِّل هذا الإنفاق الضخم تحوُّلًا بالغ الأهمِّية في الموارد؛ إذ أنَّ العديد من هذه الأنظمة، خاصَّةً صواريخ الدفاع الجوِّي الاعتراضية والذخائر الموجهة بدقَّة، هي نفس الأُصول، التي تعتمد عليها أوكرانيا للدفاع في حماية مُدُنها وبنيتها التحتية. وسوف يؤدِّي انخفاض المخزونات الغربية المتاحة في إضعاف القُدرة الدفاعية الأوكرانية، ومع إعطاء الولايات المتحدة الأولوية لتأمين أصولها وحلفائها في الشرق الأوسط، يجد الجيش الروسي نفسه في مواجهة خصم أقلّ تجهيزًا على أرض المعركة.
وعلى الرغم من هذه المزايا، تواجه روسيا تحدِّيًا يتمثَّل في تحقيق التوازن الإستراتيجي، ومن أجل الحفاظ على مكانتها كقوَّة إقليمية، ينبغي على موسكو إظهار الدعم لطهران دون الانخراط المباشر في العمليات القتالية. أفادت تقارير استخباراتية أمريكية وأوكرانية إلى أنَّ روسيا قد أوفت بالتزاماتها من خلال تزويد إيران بصور الأقمار الصناعية وبيانات استهداف تتعلق بالمواقع العسكرية الأمريكية والإسرائيلية. وعلى الرغم من أنَّ هذا التعاون الاستخباراتي يخدم أهدافًا دبلوماسية وتكتيكية آنية، فإنَّه يعكس أيضًا سعي روسيا إلى احتواء مخاطر التصعيد الإقليمي الشامل. قد تؤدِّي حرب أوسع نطاقًا وبشكل حتمي إلى تدمير أو تضرُّر الأُصول الروسية في إيران، مثل محطَّة بوشهر للطاقة النووية، أو المراكز الأساسية لممرّ النقل الدولي بين الشمال والجنوب، وهي المسارات التجارية الحيوية، التي أمضت روسيا سنوات في بنائها لتأمين أهدافها المرتبطة بالسيادية الاقتصادية طويلة الأمد.
ويشكِّل احتمال التوصُّل إلى وقْف إطلاق النار مجموعة مختلفة من المخاطر للكرملين، ومن شأن وقْف الأعمال العدائية أن يؤدِّي على الأرجح إلى استقرار أسواق الطاقة، وما يترتَّب على ذلك من انخفاض في أسعار النفط. بالنسبة للاقتصاد الروسي، الذي يستخدم هذه الأسعار المرتفعة لسد الفجوة بين عائدات النفط والإنفاق في زمن الحرب، فإنَّ مثل هذا الانخفاض سيؤدِّي إلى فُقدان ميزة مالية كبيرة. وينطبق هذا الأمر بشكلٍ خاص على الوضع الحالي لجبهات القتال في أوكرانيا، والتي تحوَّلت إلى مرحلة مرهقة من الاستنزاف الشديد، لكن هذه النتيجة قد تكون السيناريو الوحيد، الذي يمكن لروسيا من خلاله الحفاظ على نفوذها في الشرق الأوسط.
في الختام، مثَّلت الحرب في إيران عامل تمكين قوي وحاسم لتحقيق الأهداف الإستراتيجية الروسية؛ فقد دفَعَ الارتفاع الكبير في أسعار النفط الخام واستنزاف مخزونات الذخيرة الأمريكية إلى ترجيح الكفة لصالح موسكو. وفي حين يتعيَّن على الكرملين مواصلة إدارة علاقاته مع طهرا،ن من خلال تقديم الدعم الاستخباراتي والدبلوماسي، فإنَّ مصلحته الأساسية تكمُن في الحفاظ على بيئة دولية في حالة توتُّر مستمرّ. كما أنَّ وقْف إطلاق النار الذي قد يؤدِّي إلى انهيار أسعار النفط، أو يمنح الفرصة للولايات المتحدة بإعادة تركيز قُدرتها الصناعية الكاملة على أوكرانيا من شأنه أن يقوِّض جهود روسيا في أوكرانيا.