لطالما شكّل الشرق الأوسط ساحة اختبارٍ للعلاقات عبر الأطلسي، كاشفًا في آنٍ واحد عن تقارُبٍ عميق وتباعُدٍ مستمرّ بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي؛ فكلا الطرفين يتقاسمان مصالح إستراتيجية أساسية تتمثَّل في استقرار المنطقة، وأمن تدفُّقات الطاقة، ومكافحة الإرهاب، ومنْع انتشار الأسلحة. بيْد أنَّ أدواتهما السياسية وثقافتيهما الإستراتيجيتين وأنماط انخراطهما تختلف اختلافًا ملحوظًا؛ إذ اعتادت واشنطن على الاعتماد بدجة أكبر على القوَّة العسكرية، وفضَّلت شراكات أمنية وثيقة مع إسرائيل ودول خليجية رئيسية، وأبدت استعدادًا أوسع للتحرُّك بشكلٍ أُحادي حين ترى ذلك ضروريًا. إلّا أنَّ هذا النهج الأمريكي يواجه اليوم تحدِّيات متزايدة، في ظل صعود قُوى متوسِّطة وإعادة صياغة أوسع للنظام الدولي.
وقد ازدادت هذه الفوارق البنيوية وضوحًا في عهد إدارة الرئيس دونالد ترامب، ومن السِمات اللافتة تصاعُد أهمِّية الشبكات الشخصية والقنوات غير الرسمية، لا سيّما عبر دور مبعوثين خاصِّين مثل توم باراك، الذي أتاح له وصوله إلى أعلى المستويات السياسية، تجاوُز الهياكل البيروقراطية والدبلوماسية التقليدية في بعض الأحيان. ففي الحالة الفرنسية مثلًا، جرى التواصل أحيانًا مباشرةً على مستوى الرئاسة أو وزير الخارجية، بدلًا من المرور عبر القنوات الإدارية المعهودة؛ كالمستشارين الوزاريين المعنيين بملف الشرق الأوسط. وخلافًا للإدارات السابقة، لم يكُن للمبعوثين الخاصين دورٌ محوري مماثل في صياغة قرارات الرئيس. ومن ثمَّ، فإنَّ توظيف العلاقات الشخصية في الدبلوماسية في عهد ترامب، عقَّد آليات التنسيق والمتابعة بين الدول الأوروبية وواشنطن في ملفات إقليمية متعدِّدة.
وفي الوقت ذاته، عزَّز الطابع المتقلِّب وغير المتوقَّع في كثير من الأحيان للسياسة الأمريكية في المنطقة انطباعًا أوروبيًا بأنَّ دورها غير محدَّد بوضوح، بل وليس محَلْ تقدير بوصفها شريكًا داعمًا أصغر. ويبدو هذا التهميش النسبي أكثر وضوحًا في ظل الإدارة الثانية لترامب، حيث ازداد التركيز على دبلوماسية الصفقات، وصلاحيات السُلطة التنفيذية، وتراجُع الاهتمام بالتنسيق المنظَّم عبر الأطلسي في شؤون الشرق الأوسط. وفي المقابل، دأب الاتحاد الأوروبي على تفضيل الدبلوماسية متعدِّدة الأطراف، وأدوات النفوذ الاقتصادي، والانخراط الإنساني، وتعزيز القانون الدولي وحقوق الإنسان، وقد تجلَّى هذا التبايُن البنيوي أكثر خلال فترات الأزمات الإقليمية الحادَّة.
ومع ذلك، يظَلّ التوافق عبر الأطلسي قويًا في مجال مكافحة الإرهاب، واحتواء الشبكات الجهادية؛ فقد كان الطرفان في صُلب الحملة ضدّ ما يُعرَف بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في العراق وسوريا. وقادت الولايات المتحدة الحملة العسكرية للتحالف الدولي، في إطار عملية العزم الصلب في العراق وسوريا، بينما قدَّم الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء تمويلًا لبرامج الاستقرار، ومساعدات إنسانية، ودعمًا لإصلاح الحوكمة في المناطق المحرَّرة. واستمرّ التعاون في العراق، حيث ركَّزت البرامج الأوروبية على إعادة دمْج المجتمعات المحلِّية، وإصلاح سيادة القانون، وإعادة الإعمار، مكمِّلةً المساعدات الأمنية الأمريكية والمهام الاستشارية الجارية. أمّا في سوريا، فعلى الرغم من التزام الجانبين بمنع عودة تنظيم داعش، فإنَّ مواقفهما لم تتطابق دائمًا؛ فبعد إضعاف قوّات سوريا الديمقراطية عسكريًا، أصبحت حكومات أوروبية، لا سيّما فرنسا، أكثر تردُّدًا في تقديم دعْم غير مشروط للحكومة المركزية السورية. ويعود هذا الحذر جزئيًا إلى اعتبارات سياسية داخلية، إذ حظِيَت القوّات الكُردية بتعاطفٍ شعبي واسع في أوروبا؛ لدورها الحاسم في محاربة «داعش». وفي فرنسا تحديدًا، لا تزال قطاعات من الرأي العام وأوساط سياسية متمسِّكة بالقضية الكُردية؛ ما يجعل التطبيع الكامل مع الحكومة السورية مسألة حسّاسة سياسيًا. وفي المقابل، عدَّلت الولايات المتحدة موقفها تجاه الأكراد بمرور الوقت، فانتقلت من دعْمٍ عسكري قوي إلى انكفاء جزئي، خاصَّة في عهد ترامب، غير أنَّ هذه التحوُّلات تعكس إعادة تموضُعٍ تكتيكية أكثر منها افتراقًا إستراتيجيا جوهريًا، إذ يظَلّ الهدف الأمريكي الرئيسي هو منْع عودة «داعش»، وتثبيت أركان الاستقرار في المناطق الحيوية. ويتجلَّى هذا التقارُب في التوافق الواسع على نقْل نحو سبعة آلاف من معتقلي «داعش» من شمال شرق سوريا إلى العراق، عقِبَ تراجُع السيطرة الكُردية. وعلى الرغم من بروز خلافات حول الأُطُر القانونية وآليات التنفيذ، فإنَّ التبايُن يتعلَّق بالوسائل لا بالغايات. ويمكن رصْد دينامية مشابهة في العراق، حيث عارضت الولايات المتحدة ترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزراء، وضغطت للحدِّ من نفوذ الميليشيات الموالية لإيران. وتتقاسم الحكومات الأوروبية عمومًا أهداف الاستقرار ومكافحة الإرهاب وتعزيز سُلطة الدولة، لكنَّها لا تمتلك النفوذ ذاته الذي تتمتَّع به واشنطن؛ ما يدفعها إلى تفضيل الانخراط ودعْم المؤسسات بدلًا من توجيه الإنذارات، والفارق هُنا يكمن أساسًا في القُدرات وأدوات النفوذ، لا في الأهداف الإستراتيجية.
وتُعَدُّ إيران مجالًا للتعاون على الرغم من الفوارق التكتيكية؛ فقد أدانت كلٌّ من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تطوير إيران لبرامجها الصاروخية ودعمها فاعلين مسلَّحين من غير الدول، وفرْض الجانبان عقوبات على كيانات إيرانية مرتبطة بأنشطة الانتشار، لكن واشنطن مالت إلى تعزيز سياسة «الضغوط القصوى» والردع العسكري، في حين أكَّدت بروكسل ضرورة الإبقاء على قنوات دبلوماسية لتفادي التصعيد. وعلى الرغم من اختلاف المقاربات، لم يتخَلَّ أيٌّ من الطرفين رسميًا عن هدف منْع إيران من امتلاك سلاح نووي، كما عارض الجانبان على ضفتي الأطلسي احتمال التوصُّل إلى اتفاق نووي ضعيف، أو الانزلاق إلى حرب إقليمية في سياق الضغوط العسكرية الأمريكية على إيران في فبراير 2026م.
أمّا الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، فيبقى من أكثر مجالات التبايُن وضوحًا؛ فلا تزال الولايات المتحدة الشريك الأمني الرئيسي لإسرائيل، مقدِّمةً مساعدات عسكرية واسعة، وغالبًا ما وفَّرت لها غطاءً دبلوماسيًا في المحافل الدولية. ويدعم الاتحاد الأوروبي حقّ إسرائيل في الأمن، لكنَّه كان أكثر صراحةً في انتقاد توسيع إسرائيل المستوطنات في الأراضي المحتلَّة، ويؤكِّد باستمرار دعمه لحل تفاوضي قائم على دولتين وفق القانون الدولي. وقد اعترفت عدَّة دول أعضاء في الاتحاد، منها فرنسا والمملكة المتحدة وإسبانيا وأيرلندا، بدولة فلسطين، بما يعكس توجُّهات سياسية داخلية أكثر تعاطفًا عمومًا مع المطالب الفلسطينية مقارنةً بالسائد في السياسة الفيدرالية الأمريكية. وخلال فترات احتدام الصراع في غزة، أو على الجبهة الشمالية لإسرائيل، أعطت واشنطن الأولوية عادةً للتماهي الإستراتيجي مع إسرائيل وتعزيز الردع الإقليمي، بينما شدَّدت المؤسسات الأوروبية بصورة أقوى على القانون الإنساني الدولي، وحماية المدنيين، وآليات المساءلة. ومع ذلك، يواصل الطرفان من حيث المبدأ تأييد تسوية تفاوضية للصراع، وإن اختلفا حول تسلسُل الخطوات وأدوات الضغط.
وقد عزَّز أمن الطاقة تاريخيًا أوجه التقارب، وإن تبدَّلت أهمِّيته النسبية؛ فاعتماد أوروبا على هيدروكربونات الشرق الأوسط، على الرغم من أهمِّيته، خفَّ جزئيًا بفعل جهود التنويع، لا سيّما بعد الاضطرابات المرتبطة بالنزاعات الإقليمية، وإعادة تشكيل أسواق الطاقة العالمية عقب الحرب الروسية-الأوكرانية. أمّا الولايات المتحدة، وقد أصبحت منتجًا رئيسيًا للطاقة، فتنظُر إلى الخليج أقلّ من زاوية الاعتماد المباشر على الإمدادات، وأكثر من منظور استقرار السوق العالمية والشراكات الإستراتيجية. وقد انخرط الطرفان مع دول الخليج في ملفّات الاستثمار، والتحوُّل الطاقي، وخفْض التصعيد الإقليمي، لكن اعتمدت الدبلوماسية الأمريكية في كثيرٍ من الأحيان على عقْد الصفقات، حيث تجمع بين صفقات السلاح، والضمانات الأمنية، واتفاقات الاستثمار. وفي المقابل، سعى الاتحاد الأوروبي عمومًا إلى ربْط التعاون الاقتصادي بإصلاحات الحوكمة، والحوار حول حقوق الإنسان، والالتزامات المناخية.
وعلى الرغم من التوتُّرات المستمرَّة، تبقى الحوافز البنيوية للتعاون قوية؛ فكلا الجانبين يسعى إلى منْع اندلاع حرب إقليمية واسعة، واحتواء الانتشار النووي، والحدّ من نفوذ التنظيمات المتطرِّفة العنيفة، وتفادي موجات هجرة مزعزعة للاستقرار. كما يتوجَّس الطرفان من اتّساع نفوذ روسيا والصين في المنطقة، لا سيّما في قطاعات إستراتيجية، مثل الموانئ والاتصالات ومبيعات السلاح. وإذا كانت الولايات المتحدة تحتفظ غالبًا بالتفوُّق العسكري الحاسم وقُدرة إدارة الأزمات، فإنَّ الاتحاد الأوروبي يقدِّم قوَّة تنظيمية، ومساعدات مالية، وشبكات دبلوماسية قادرة على دعْم جهود الاستقرار طويلة الأمد.
وسيتوقَّف مستقبل الانخراط عبر الأطلسي في الشرق الأوسط على مدى القُدرة على تنسيق هذه الأُصول المتكاملة بفعالية؛ فالاختلاف في التكتيكات، وشدَّة العقوبات، والوضع العسكري، وتسلسُل المبادرات الدبلوماسية، لا يقتضي بالضرورة قطيعة إستراتيجية، لكن قد يعمِّق تكرار المبادرات الأُحادية متجاوزةً التشاور انعدام الثقة. وفي منطقة ذات دولٍ هشَّة تتنافس عليها شبكات تعمل بالوكالة الوكلاء، وتعاني من صراعات بلا نهاية، سيبقى التماسك عبر الأطلسي عاملًا مؤثِّرًا وبالغ الأهمِّية. والتحدِّي لا يكمُن في التوفيق بين الأهداف النهائية، التي تظَلّ متقاربة على نحو عام، بقدر ما يحقِّق في مواءمة الأدوات بما يحقِّق توازنًا بين الردع والدبلوماسية، وبين إدارة الأزمات على المدى القصير والإصلاح السياسي طويل الأمد.