مع استمرار تصاعُد التوتُّرات في الشرق الأوسط، لم تعُد هجمات الانتقامية الإيرانية مقتصرة على إسرائيل والأهداف العسكرية الأمريكية المباشرة، بل توسَّعت لتشمل دول الخليج بشكلٍ متزايد؛ ما أسفر عن سقوط ضحايا مدنيين، وإلحاق أضرار بالبنية التحتية للطاقة، وتعطيل حركة الملاحة الجوِّية. وردَّت دول الخليج حتى الآن على الهجمات الإيرانية بإدانات شديدة اللهجة، واتّخاذ تدابير عاجلة لحماية المدنيين وتقديم المساعدة لهم، وتبنِّي سياسة ضبْط النفس الإستراتيجي المدروسة؛ لتجنُّب اندلاع حرب إقليمية أوسع. وحرصت هذه الدول على عدم الانجرار إلى التصعيد العسكري المباشر مع إيران، مع إعطاء الأولوية للحفاظ على الاستقرار الإقليمي وتعزيز الحلول الدبلوماسية.
نفَّذت إيران ردّها عبر هجمات جوِّية واسعة النطاق، باستخدام صواريخ وطائرات مسيَّرة استهدفت دول الخليج. وكان حجم الهجمات كبيرًا، حيث قامت إيران، على عكس عمليات التصعيد السابقة، بتنويع الأهداف؛ بهدف الضغط على الدول الإقليمية الفاعلة. وأفادت التقارير بأنَّ إيران أطلقت أكثر من 260 صاروخًا و1440 طائرة مسيَّرة باتّجاه الإمارات العربية المتحدة منذ بدء التصعيد؛ ما تسبَّب في مقتل أربعة مدنيين وإصابة 117 شخصًا على الأقلّ. واعترضت المملكة العربية السعودية طائرات مسيَّرة إيرانية كانت متّجِهة نحو الحي الدبلوماسي في الرياض، وحقل الشيبة النفطي؛ أحد أهمّ الأُصول النفطية في المملكة، كما أفادت التقارير بأنَّ هجومًا على المنطقة السكنية في محافظة الخرج قد أسفر عن مقتل شخصين وإصابة 12 آخرين.
كما استهدفت إيران منشآت الطاقة والمناطق المدنية والأُصول العسكرية الأمريكية، في دول خليجية أخرى. ففي البحرين، استهدفت الضربات الإيرانية مجمع مصفاة «بابكو»؛ ما تسبَّب في اندلاع حريق، وأجبر شركة الطاقة المملوكة للدولة على إعلان حالة «القوَّة القاهرة»، وتعليق الشحنات مؤقَّتًا. كما أصاب هجوم بطائرة مسيَّرة في سترة 32 شخصًا، بينهم أطفال. بينما شهِدَت الكويت خسائر بشرية فادحة، من جرّاء عمليات التصعيد، حيث قُتِل ما لا يقِلّ عن 12 شخصًا؛ بسبب الهجمات الإيرانية، وفق مصادر رسمية. وتعرَّضت قطر لاضطرابات خطيرة بسبب الهجمات المتكرِّرة، التي اضطرَّت معها إلى تعليق أنشطة الطاقة مؤقَّتًا. وباعتبار أنَّ قطر أكبر مصدِّر للغاز الطبيعي المُسال، إذ تستحوذ على حوالي 20% من إمدادات الغاز الطبيعي المُسال العالمية، فإنَّ استهدافها ينطوي على تداعيات خطيرة على أمن الطاقة العالمي. وبالإضافة إلى الخسائر البشرية وتدمير البنية التحتية، تسبَّبت هذه الهجمات في تعطيل حركة الملاحة الجوِّية الإقليمية، والخدمات اللوجستية، والملاحة البحرية. كما انعكست الطبيعة التصعيدية على أسواق الطاقة، وسلاسل التوريد العالمية.
على الرغم من الهجمات المتكرِّرة وانتهاكات السيادة، فضَّلت دول الخليج حتى الآن عدم الدخول في الحرب. وأعلنت إيران مرارًا وتكرارًا بأن الأُصول العسكرية الأمريكية في جميع أنحاء المنطقة، تُعَدُّ «أهدافًا مشروعة» خلال فترات التصعيد. وعلى الرغم من أنَّ المملكة العربية السعودية لا تستضيف قواعد أمريكية قتالية كُبرى دائمة تستخدم في العمليات ضدّ إيران، إلّا أنَّ المملكة لا تزال مُستهدَفة. وتُثير هذه الهجمات تساؤلات جّدِّية حول حسابات ونوايا ومصداقية مزاعم إيران، بأنَّ هجماتها موجَّهة فقط ضدّ الأُصول العسكرية الأمريكية. وأدانت المملكة العربية السعودية ما وصفته بـ «العدوان الإيراني البغيض» ضدّ المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي الأخرى، ووصفت الهجمات المتكرِّرة من قبل إيران بأنَّها «انتهاك للقانون الدولي».
كما تبنَّت دولة الإمارات العربية المتحدة نهجًا مماثلًا، ووصفت الإمارات الهجمات الإيرانية بأنَّها «أعمال وحشية وغير مبرَّرة» استهدفت البنية التحتية المدنية، وانتهكت القانون الدولي وميثاق الأُمم المتحدة. ووصف رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني الهجمات، بأنَّها«”خيانة»، مشيرًا إلى أنَّ دول الخليج أكَّدت مرارًا لإيران أنَّها لن تسمح باستخدام أراضيها في عمليات عسكرية ضدّها. وعلى غرار ذلك، أصدرت الكويت والبحرين أيضًا إدانات شديدة اللهجة، وأكَّدتا على حقهما في الدفاع عن النفس، وكذلك التزامهما بالاستقرار الإقليمي.
وأكَّد مجلس التعاون لدول الخليج العربي، أنَّ الهجمات على البنية التحتية المدنية ومنشآت الطاقة تمثِّل تصعيدًا خطيرًا يحمل تداعيات اقتصادية عالمية، كما أكَّد المجلس على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي وحماية السيادة. وصرَّح الأمين العام لمجلس التعاون جاسم محمد البديوي بأنَّ أمن دول المجلس هو كلٌّ لا يتجزَّأ، مؤكِّدًا بأنَّ أيّ هجوم على دولة عضو أو قوّاتها المشتركة، سيُعتبَر اعتداء على المجلس بأكمله.
حتى في خِضَمْ الهجمات الشديدة، امتنعت دول مجلس التعاون عن شنْ ضربات انتقامية ضدّ إيران. وكان من أبرز سِمات الرد الخليجي، اتّباع نهْج «ضبْط النفس الإستراتيجي». وعلى الرغم من الهجمات الصاروخية وسقوط ضحايا مدنيين وتدمير البنية التحتية، فضَّلت دول الخليج عدم التصعيد عسكريًا، وهذا يعكس إدراكًا واضحًا بأنَّ إيران قد تسعى إلى توسيع رقعة الصراع، عبر جرّ دول المنطقة إلى دائرة المواجهة. ومن خلال تجنُّب الرد العسكري، نجحت دول الخليج حتى الآن في حرمان طهران من فرصة تغيير طبيعة الصراع، وتحويله إلى حرب إقليمية أوسع. وتكمن أهمِّية ذلك، في أنَّ توسيع نطاق الحرب يصُبّ في مصلحة إيران ضمن إستراتيجية «حرب الاستنزاف».
كما يعكس قرار إيران باستهداف دول الخليج مفارقة لافتة؛ ففي السنوات الأخيرة، لعِبَت دول الخليج، بما في ذلك سلطنة عُمان وقطر والمملكة العربية السعودية، أدوارًا محورية في التوسُّط لخفض التوتُّرات بين إيران والقُوى الغربية، وسهَّلت قنواتها الدبلوماسية ونفوذها الإقليمي الحوار في كثير من الأحيان أثناء الأزمات. وفي ظل هذه الحقائق، تبدو الهجمات الإيرانية على دول الخليج مثيرةً للاستغراب؛ نظرًا لكونها من بين الأطراف القليلة القادرة على مساعدة طهران في إدارة التوتُّرات مع واشنطن والحفاظ على قدر من الاستقرار. غير أنَّ هذه الخطوة قوَّضت إيران الدور الإيجابي، الذي تلعبه دول الخليج، وأعادت إحياء حالة الارتياب وعدم الثقة، التي الذي يُتوقَّع أن ترسم ملامح التفاعلات الإقليمية في المستقبل.
في خِضَمْ حالة التصعيد، قدَّم الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان اعتذارًا لدول الخليج، واصفا إيّاها بأنَّها «إخوة»، متعهِّدًا بوقف الهجمات، في حال لم تُستخدَم أراضي هذه الدول في عمليات ضدّ إيران، لكن إيران لا تزال تواصل مهاجمة دول الخليج. علاوةً على ذلك، جاءت تصريحات بيزشكيان متناقضة تمامًا مع ما أصدره الحرس الثوري الإيراني من تصريحات وإشارات. وقد حذَّر الحرس الثوري من أنَّ البنوك والمؤسسات المالية وشركات التكنولوجيا الغربية والبنية التحتية الرقمية، بما في ذلك شركات مثل «جوجل»، قد تصبح أهدافًا مشروعة. وتحمل هذه التهديدات تداعيات أوسع على دول الخليج، التي استثمرَّت بكثافة في قطاع التكنولوجيا كجزءٍ من تحولُّها الاقتصادي. وتُعَدُّ الشراكات العالمية مع شركات التكنولوجيا العالمية ركيزةً مهمَّة لإستراتيجية التنويع في دول الخليج، وبالتالي يبدو أنَّ التهديدات الموجَّهة ضدّ شركات التكنولوجيا العالمية والشبكات الرقمية تهدُف إلى استغلال نقاط الضغط هذه. فمن خلال استهداف القطاعات المرتبطة بالتكنولوجيا والابتكار، تحاول إيران زيادة الضغط على دول الخليج بشكلٍ أساسي، عن طريق تحويل أهدافها من الأُصول العسكرية إلى البنية التحتية المدنية.
لقد غيَّر الرد والتصعيد من قِبَل إيران النظرة الإقليمية اتجاها، فخلال السنوات الأخيرة، حقَّقت دول الخليج وإيران تقدُّمًا على صعيد التطبيع الدبلوماسي والتقارب الاقتصادي، لكن الهجمات الحالية قد تعقِّد هذا المسار، كما أنَّ العلاقات الشعبية بين إيران والمجتمعات الخليجية ستتعقَّد أيضاً. وعلاوةً على ذلك، فإنَّ أيّ نوع من مبادرات التعاون الاقتصادي والأمني والتكنولوجي قد يُعاد النظر فيها، ومن المرجَّح أن يصبح التكامل الإقليمي، الذي تشارك فيه إيران، أكثر صعوبة نتيجة للعدوان الإيراني الأخير.
وعلى الرغم من خطورة الأزمة، واصلت دول الخليج التأكيد على أنَّ الحل الدبلوماسي هو الخيار المفضَّل. ودعا قادة المنطقة إلى وقْف إطلاق النار، وتعزيز الحوار، واستئناف المفاوضات. ويعكس هذا النهج الحسابات الإستراتيجية، إلى جانب التزام دول الخليج بالقانون الدولي. ورحَّبت وزارة الخارجية السعودية باعتماد قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2817، الذي اقترحته دول الخليج والأردن، والذي يُدين هجمات إيران على دول الخليج والأردن، باعتبارها انتهاكات للقانون الدولي وتهديدًا للسلام الدولي. وأدان البيان استهداف المناطق المدنية، وطالَبَ إيران بـ «وقف هجماتها فورًا»، مؤكِّدًا في الوقت نفسه حق دول الخليج في الدفاع عن أمنها وسيادتها، وفقًا للمادَّة 51 من ميثاق الأُمم المتحدة.
باختصار، يقوم «ضبْط النفس الإستراتيجي»، الذي تنتهجه دول الخليج، على الإجراءات الدفاعية، والتنسيق الدبلوماسي، والاعتماد على الآليات القانونية الدولية. ويأخذ هذا النهج في الاعتبار، المصالح العامَّة الداخلية، والحاجة إلى الحفاظ على الاستقرار الإقليمي،ـ وضمان أمن طُرُق التجارة العالمية. ويُظهِر كل ذلك دور دول الخليج، بصفتها أطراف فاعلة في النظام الإقليمي أثناء الأزمات، إذ تعطي الأولوية للاستقرار والأمن، من خلال توفيقها بين مصالحها الوطنية ومصالح المجتمع الدولي.