نمو متصاعد للقدرات الإيرانية في مجال الحرب الإلكترونية

بواسطةباسم راشد

ساهم تعرُّض إيران للعديد من التهديدات الإلكترونية الداخلية والخارجية إلى تحولها نحو تدعيم قدراتها الإلكترونية الدفاعية والهجومية بقوة وكثافة غير مسبوقة للحفاظ على استقرار النظام الداخلي وتأمين البنية التحتية الحيوية للدولة.
ونتيجة للنمو الإيراني المتسارع في هذا المجال؛ أصبحت إيران، بحلول عام 2013، واحدة من أهم اللاعبين الأساسيين على ساحة الحرب الإلكترونية الدولية، وأصبحت تمثل مصدر تهديد للدول الكبرى وخصوصًا الولايات المتحدة، والتي وجَّهت إيران معظم هجماتها الإلكترونية ضدها، ومن أهمها الهجوم الشهير على سد نيوريورك في 2013، وكذلك الهجمات الأخيرة التي شنَّها الإيرانيون على بعض المسؤولين في إدارة الرئيس أوباما في أواخر نوفمبر 2015، والتي استهدفت حواسيبهم الشخصية وحساباتهم على شبكات التواصل الاجتماعي وكذلك بريدهم الإلكتروني.
وقد استغلت إيران انشغال الدول الكبرى ببرنامجها النووي وطوَّرت من قدراتها الإلكترونية الدفاعية والهجومية، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول طبيعة القدرات الإلكترونية الإيرانية الحالية والمستقبلية، وهل يجب على العالم أن يخشى هذا النمو الإيراني المتصاعد؟

الهيكل التنظيمي للقدرات الإلكترونية الإيرانية

لا ينكر أحد أن إيران حققت تقدمًا نوعيًا واضحًا في الإمكانات التكنولوجية والقدرات التشغيلية للإنترنت سواء في الداخل، أوفي القدرات الهجومية الموجهة للخارج. وقد جعلتها تلك الإمكانات تدخل ضمن أقوى 5 دول إلكترونيًا في العالم، بعد كل من الولايات المتحدة، والصين، وقد أثبتت الشواهد خلال السنوات الممتدة من 2009 حتى 2015 أن إيران أصبحت قادرة على الوصول لأهداف بعيدة المدى في أنظمة الدول الغربية وتدميرها، وذلك لا ينفي كونها مازالت لا تمتلك المعرفة أو الوسائل التي تُمكِّنها من تنفيذ هجمات استراتيجية إلكترونية متكاملة.
وقد أسست إيران عدد من الهيئات الداخلية لتعزيز قدراتها الإلكترونية، سواء الهجومية أو الدفاعية. وكان من أيرز تلك الهيئات؛ “المجلس الأعلى للفضاء الإلكتروني” والتي تعد الجهة الأعلى في هذا الإطار، لأنها تضم مسؤولين رفيعي المستوى بدايةً من رئيس الدولة مرورًا بوزراء الاتصالات والثقافة والعلوم ومسؤولين من أجهزة الأمن والمخابرات والقضاء والبرلمان وغيرهم. ويهتم المجلس أساسًا بتنسيق الجهود للدفاع والهجوم الإلكتروني، وإعداد السياسات العامة التي يتوجب على جميع المؤسسات المعنية بالفضاء الإلكتروني تنفيذها. (1)
كذلك أسست منظمة “قيادة الدفاع الإلكتروني” لحماية البنية التحتية للدولة من التهديدات الإلكترونية، وتدعيم الدفاعات الإلكترونية والعمل على حماية أنظمة مؤسسات الدولة.
بالإضافة إلى ذلك تم تأسيس “الجيش الإلكتروني الإيراني”، والمُوجه بالأساس لتنفيذ الهجمات الإلكترونية الخارجية، كونه جهة غير رسمية، ويضم مجموعة كبيرة من القراصنة المحترفين، يُشاع أن أغلبهم من الروس لدعم الهاكرز الإيرانيين بالتعاون مع الحرس الثوري. (2) وقد شنَّ الجيش الإلكتروني الإيراني سلسلة هجمات عالية المستوى على مواقع مشهورة ليضع نفسه تحت الأضواء على المستوى العالمي، ويرسل رسائل ذات طابع سياسي أكثر منها حربي، خاصة عندما هاجم ونجح في قرصنة كل من موقع “تويتر” العالمي عام 2009، وموقع “بايدو” الذي يعد محرك البحث الأشهر في الصين عام 2010 وموقع صوت أمريكا الشهير.
أما “كتائب الباسيج الإلكترونية” فهدفها داخلي بالأساس ويتركز بالدرجة الأولى على خلق دعاية موالية لإيران في المجال الإلكتروني وتطوير قدرات إلكترونية متقدمة، والدفاع عن رموز الدولة ضد المعارضين سواء في شبكات التواصل الاجتماعي أو المدونات الإلكترونية.
جدير بالذكر أن القائمين على إدارة معظم تلك الهيئات غير معروفين للرأي العام، خاصة في ظل إنكار إيران الدائم للاتهامات التي تُوجه لها بعد أي هجمات تقوم بها. وأن أغلب ما يُثار يرتبط بدور ما للحرس الثوري الإيراني في هذا الصدد.
وقد مكَّنت تلك الهيئات إيران من تأسيس أنظمتها الدفاعية التي بدأت فيها من أواخر عام 2009 بعد التظاهرات الداخلية في إيران التي تم تنظيمها من جانب عدد من النشطاء والمعارضين والتي عُرفت بـ”الثورة الخضراء”. ومنذ ذلك الوقت تمكنت إيران من تأسيس نظام دفاعي متعدد المستويات؛ يشمل تكنولوجيات أمنية ورقابية وإشرافية بجانب آليات تمكين مادية لمواجهة التهديدات المختلفة للعملاء الذي يعملون ضد النظام الإيراني في الفضاء الإلكتروني، في الدول الكبرى والإقليمية على السواء.

الأنشطة والقدرات الدفاعية الإلكترونية لإيران

وبنظرة أكثر تعمقًا في النظام الدفاعي الإيراني نجده يتكون من ثلاثة مستويات رئيسة؛ يتمثل المستوى الأول في إنشاء “مغلف وقائي” ضد الهجمات التي تُشَّن على بنيتها التحتية ومعلوماتها الداخلية الحساسة كما حدث في هجمات “ستكس نت “Stuxnetوالتي ألحقت أضرار كبيرة في برنامج تخصيب اليورانيوم، ومثَّلت تطورًا محوريًا في الاستراتيجية الإيرانية في مجال الفضاء الإلكتروني. (3)
أما المستوى الثاني؛ فارتبط بسعي إيران لتحييد ومراقبة الجماعات المعارضة للنظام بأفضل السبل الممكنة من خلال أنشطتها الإلكترونية. والمستوى الثالث استهدف الوقوف كحائط صدَّ منيع ضد الأفكار والمحتويات الغربية الضارة من التسلل إلى الفضاء الإلكتروني الداخلي لإيران، كتلك الأفكار التي تساهم في قيام “ثورة ناعمة” تُقوِّض استقرار النظام السياسي. (4)
وقد خصَّصت الحكومة الإيرانية ما يقرب من 76 مليون دولار سنويًا من أجل تطوير قدراتها الإلكترونية. بل إنها في أواخر 2011 قد استثمرت حوالي مليار دولار في قوتها التكنولوجية وبنيتها التحتية واستقدام خبراء من الخارج لتطوير قدراتها في هذا المجال، بما لا يدع مجالا للشكل أن إيران لن تتوانى عن المُضي قدما في طريقها نحو التقدم مجال الحرب الإلكترونية من حيث القدرات الدفاعية والهجومية على السواء. (5)
ومع وصول الرئيس روحاني للحكم وقد ازدادت الميزانية السنوية المخصصة للحرس الثوري فيما يتعلق بتطوير القدرات الإلكترونية الإيرانية، والتي تصل إلى ما يقرب من 20 مليون دولار.(6) ومن أبرز مظاهر تطوير البنية التكنولوجية والتنظيمية للفضاء الإلكترونية الإيراني ما يلي:
– تدشين “برنامج الانترنت المنعزل” أو ما عُرف بـ”الانترنت الحلال” وهو أحد المشروعات الإلكترونية الإيرانية الإستراتيجية التي بدأت أوائل عام 2009 بهدف تحويل النشاط الإلكتروني بالدولة إلى شبكة اتصالات داخلية منعزلة عن الشبكة العالمية للإنترنت، بما يُمكِّن الحكومة، من جهة، من إحكام رقابتها وتعزيز إشرافها على محتوى الشبكة والبيانات المتاحة بها وكذلك بيانات المستخدمين، ومن جهة أخرى تقوية نظامها الدفاعي الإلكتروني من خلال منع الاختراق الغربي له، ناهيك عن تحييد المعارضة الداخلية. (7)
وتجدر الإشارة إلى أنه كان من المتوقع إنجاز مراحل مشروع الإنترنت الحلال الإيراني بنهاية عام 2015، بيد أن تدشينه بشكل كامل وراسخ تجاوز ذلك التاريخ. ومع الميزاينة الجديدة التي خصصتها الحكومة الإيرانية لهذا الأمر، فمن المُرجح أن لن يتم الإنتهاء منه وإطلاقه بشكل كامل قبل عام 2019. إلا أن هذا لا يمنع أنه حدثت بعض التطورات في عملية التنفيذ وقد احتفلت السلطات الإيرانية مؤخرًا بأن 40% من المستخدمين الإيرانية يعتمدون على الشبكة الداخلية المنعزلة وتنوي الحكومة مضاعفة تلك النسبة إلى 80% على الأقل في السنوات القادمة. (8)
– تأسيس خدمة البريد الإلكتروني الداخلي في يوليو 2013، والذي صُمم بالأساس ليُشكِّل القناة الرئيسية للاتصال بين المواطنين وبين مختلف الجهات الحكومية الإيرانية. وقد وفَّرت تلك الخدمة البريد الإلكتروني لما يقرب من 100 مليون مشترك حتى الآن، فضلا عن كونها متاحة في لغاتٍ أربع؛ الفارسية والانجليزية والفرنسية والعربية. (8) ولا يمكن القول أن هذه الخدمة ستكون محمية من الاختراق الخارجي بيد أن الاهتمام الإيراني الكبير بهذه الشبكة قد يجعلها مُحصَّنة بدرجة كبيرة خاصة في ظل اعتماد الحكومة الإيرانية على مجتمع الهاكرز الإيراني المتميز بالتعاون مع المصممين الروس المعروفين بمهاراتهم الإلكترونية المعقدة عالميًا.
– تقويض استخدام شبكة الإنترنت العالمية، بهدف زيادة عدد مستخدمي الإنترنت الداخلي؛ فقام النظام الإيراني بإغلاق بعض البرمجيات مثل “سكايب Skypeوغوغل توك Google Talk”، بالإضافة إلى تقليل سرعة المواقع الخارجية وخصوصًا موقع “غوغل”، الأكثر انتشارًا في إيران، إلى حد أن وصل لـ6% من سرعته العادية، بما أجبر المواطنين على استخدام الإنترنت الداخلي وبالتالي تسهيل عملية المراقبة والإشراف عليهم. (9)
– تطوير عدد من التكنولوجيات الجديدة؛ من بينها: تأسيس نظام تشغيل آمن مُصمم خصيصًا لإنهاء الاعتماد الإيراني على نظم التشغيل الأمريكية مثل “جي بي إس”. وإعداد نظام يمكنه التعرف على الهجمات الإلكترونية سواء قبل وقوعها أو بعده بما يسهل من قدرتها على التصدي لها. تصميم هاتف خلوي آمن يزود المستخدمين بخط اتصالات غير قابل للاختراق من الرقابة الإلكترونية. بالإضافة إلى تفعيل نظام حماية إلكتروني وطني؛ يساهم في التعرف على الهجمات الإلكترونية بشكل سريع من خلال دمج بيانات المستخدمين ويُخبر بها مراكز المعلومات الأمنية بالدولة بما يُمكِّنها من الاستجابة السريعة والتصدي للهجوم. (10)
وفي ضوء اهتمام إيران بتعزيز إجراءاتها الدفاعية داخل أجهزتها الحكومية، فقد اعتمدت على الحرس الثوري الإيراني في إجراء عدد من التدريبات المُكثَّفة للمدنيين والعسكريين على السواء لمواجهة مثل تلك الهجمات في حال حدوثها، كان آخرها في في نهايات عام 2015.

القدرات الهجومية الإلكترونية لإيران

تتمتع إيران بقدرات إلكترونية هجومية كبيرة، جعلتها ضمن أكبر خمس دول على مستوى العالم قدرة على شنَّ هجمات إلكترونية عالية الجودة ضد الأهداف التي تحددها. إذ تتعاطى إيران مع الحرب الإلكترونية بصفتها منصة ووسيلة فعَّالة لإلحاق الضرر بأعدائها المتفوقين عليها عسكريًا، بيد إنها في الوقت نفسها تُمكِّنها من إنكار ذلك تجنبًا للإدانة الدولية أو حتى العقوبات والهجمات المضادة. وقد استخدمت إيران تلك الحرب الإلكترونية كوسيلة لردع أي تصعيد عقابي من جانب الدول الغربية ضدها.
ويرجع تقدم إيران في برامج الحرب الإلكترونية إلى عدة عوامل أساسية، لعلَّ أبرزها:
– نجاح إيران في دمج قدراتها وتدريبها لبعض الأفراد من كليات علوم الحاسب مع مجتمع “الهاكرز” الذي يتمتع بخبرة مكثفة وقدرات عالية. وجدير بالذكر أن مجتمع الهاكرز الإيراني يعد أحد أكثر المجتمعات سيطرة وفاعلية على مستوى العالم، ويُشار دومًا إلى وجود روابط بين جماعات ذلك المجتمع وبين الحرس الثوري الإيراني. وتكمن أهمية استخدام الهاكرز في قدرته على مساعدة النظام الإيراني في إخفاء الأدلة أو تشويهها وما إلى ذلك عند مواجهة اتهامات بالتورط في أنشطة إلكترونية غير شرعية، كما يساعدها في تنظيم شن الهجمات على الأهداف التي تحددها وبكفاءة عالية.
– العلاقات القوية التي تربط النظام الإيراني بخبراء الأمن المعلوماتي الروس والذين يوظفون قدراتهم مقابل المال، والذين يحتلون المرتبة الأولى مع الولايات المتحدة في مجال الفضاء الإلكترونية
– القدرة الشرائية الإيرانية للأسلحة الإلكترونية القوية والمعقدة تكنولوجيًا والمتاحة في السوق السوداء؛ والتي تُمكِّنها من تطوير وتعزيز إمكاناتها الدفاعية بل وتهديد أعداءها في الخارج من الناحية الهجومية أيضًا.
ونتيجة لتلك القدرات الهجومية المتقدمة لدى إيران، شنَّت الأخيرة سلسلة هجمات في السنوات الأخيرة أثبتت من خلالها مدى التطور والتعقيد الذي لحق بتلك القدرات، ومدى الكفاءة التي تستطيع من خلالها تحقيق أهدافها بكفاءة عالية. وقد برز ذلك جليًا في بعض لهجمات التي قامت بها المجموعات الإيرانية خلال السنوات الأخيرة، ومن أهمها:
1) الهجوم على البنوك الرئيسية والمؤسسات المالية في الولايات المتحدة، والتي وُصفت حينها من جانب خبراء الأمن المعلوماتي بأنها “غير مسبوقة من حيث النطاق والفاعلية”، إذ لم يهاجم الإيرانيون حواسب الأفراد فحسب، بل شنَّوا هجومهم على شبكات مراكز المعلومات الرئيسية والتي مكَّنتهم من الدخول إلى المواقع الإلكترونية للبنوك والمؤسسات المالية في الولايات المتحدة. (11)
2) تسلُل المجموعات الإيرانية داخل شركة هولندية في عام 2011 وسرقة الشهادات الرقمية لجميع اتصالاتها المؤمنة والتي استخدمتها فيما بعد لاختراق الاتصالات والبريد الإلكترونية للمواطنين الإيرانيين أنفسهم.
3) الهجوم الإيراني السيبراني المشهور على شركة أرامكو السعودية والذي حطَّم 30 ألف كمبيوتر سعودي (أرامكو) في 2012، وكذلك الحادث المشابة الذي ضرب لشركة الطاقة القطرية (راسجاز) في نفس السنة. (12)
4) القرصنة الإيرانية الإلكترونية على الشبكة الداخلية لسلاح مشاة البحرية الأمريكية في عام 2012.
5) الهجوم الإيراني على البنية الأساسية الأمريكية وشركات الطاقة؛ والتي تتمثل في خطوط الغاز والبترول والأنظمة الكهربائية في عام 2013. وبرغم عدم إعلان الإدارة الأمريكية رسميًا عن تورط إيران في تلك الهجمات إلا أن الخبراء وبعض المسؤولين الرسميين أشاروا إلى وجود أدلة تؤشر على أن هذا الهجوم بدأ في الأراضي الإيرانية وتم توجيهه للخارج بمساعدة الوكالات الإيرانية المسؤولة عن الفضاء الإلكترونية. (13)
6) الهجمات الإيرانية الإلكترونية ضد أجهزة الاتصالات الإسرائيلية خلال الصراع مع حماس في صيف 2014.
7) استخدام البرمجيات الخبيثة wiper malware ضد الشبكات المنتشرة في كازينو لاس فيجاس في 2014، والتي حققت خسائر أمريكية اقتربت من 14 مليار دولار. (14)

وتعضيدًا لهذا النمو الهجومي الإيراني، فقد أشار تقرير شبكة الاستخبارات “نورس”Norse Intelligence Network  إلى أن عدد ومستوى تعقيد الهجمات الإلكترونية الإيرانية قد نما بشكل ملحوظ خلال الـ13 شهر الأخيرة؛ ففي الفترة من يناير 2014 وحتى منتصف مارس 2015 ازدادت الهجمات الإيرانية المنطلقة من أنظمة التحكم الإيرانية بنسبة 128%، كما ارتفع عدد أجهزة الاستشعار المتضررة من الهجمات الإيرانية بنسبة 229%، في حين ازداد عدد البرامج المتكاملة المستخدمة لتنفيذ مثل تلك الهجمات بنسبة 508%. (15)

تقييم القدرات الإلكترونية الإيرانية

يتضح مما سبق مدى اهتمام وتركيز إيران في تطوير قدراتها الإلكترونية سواء الدفاعية أو الهجومية، لمواجهة التهديدات التي تتعرض لها من ناحية، وشنَّ هجمات على أهدافها الدولية أو الإقليمية من جهة أخرى. وبرغم أن المؤشرات الدولية تُصنِّف إيران في المرتبة التالية للصين “ثالث أكبر قوة إلكترونية” إلا إنه يمكن القول أن هذا التقدم الإيراني الملحوظ سيجعلها في سنوات قليلة تتوازى مع دول الدرجة الثانية وربما الأوْلى مستقبلا من حيث تلك القدرات الإلكترونية إذا لم يتم الاستجابة الدولية لهذا النمو المطرد في إمكانياتها.
يؤكد ذلك الأمر تطور القدرة الإيرانية ليس من حيث تدمير الأهداف فقط، بل أيضًا بالقدرة على البقاء فيها لعدة أشهر دون أن يتم كشفها، إلا إنه تجدر الإشارة إلى أن إيران تدرك جيدًا أنها، حتى الآن، ليست قادرة على مجابهة أو بالأحرى موازنة القدرات الأمريكية أو الأوروبية الإلكترونية لذا تسعى إلى تضييق تلك الفجوة من خلال تنمية قدراتها بشكل تدريجي.
من ناحية أخرى يمكن القول أن طبيعة إدراك إيران لقدرتها على تهديد أعدائها في الفضاء الإلكتروني قد يساهم في تحقيق نوع من التعاون بينها وبين الدول المُهددَّة بنفس تلك الإمكانيات كمسار موازي لمسار المواجهة بما يتيح لها الفرصة لتوسيع دائرة نفوذها. وفي الوقت نفسه يتيح الفرصة لدول أخرى مثل إسرائيل أن تُعمِّق تعاونها مع دول الخليج على سبيل المثال بهدف مواجهة التمدد الإيراني الخطِر في الفضاء الإلكتروني.
وثمة مؤشرات توضح أن القدرات الإيرانية الحالية لم ترقَ لأن توازي القدرات الإلكترونية الصينية مثلا؛ وهو ما ظهر في مؤشرات التقرير السنوي لشركة Mandiant (16)، والذي أوضح أن القدرات الإيرانية الحالية مازالت تستهدف قطاعات محددة وهي قطاعات الطاقة والمؤسسات الحكومية، في حين تستهدف القدرات الصينية أكثر من 33 قطاع مختلف. بالإضافة إلى أن نسبة الكشف عن الاختراق من جانب الجهة المستهدفة تصل إلى 75%، في حين تمثل نسبة 33% بالنسبة للصين. وأخيرا يصل متوسط اكتشاف الاختراق الإيراني 28 يوم، في حين يصل إلى 243 يوم بالنسبة للقدرات الصينية.
ويوضح هذا التفاوت في القدرات إلى أن إمكانيات إيران مازالت محدودة مقارنةً بالصين، لكنها متقاربة وربما تعلو دول أخرى إقليمية، بما يمثل خطرًا واضحًا على استقرار المنطقة، ويعطي ميزة تنافسية لإيران في منطقة الشرق الأوسط بل ويجعلها اليد العليا فيما يتعلق بأنشطة الفضاء الإلكتروني.
ومن جهة أخرى فإن الأمر لا يرتبط فقط بعدد الهجمات بل بمدى تعقيدها وقوتها، وقدرتها على تحطيم الأهداف والبقاء فيها دون كشف فترة أكبر، ولعل هذا الأمر يتطور بشكل ملحوظ من الجانب الإيراني نظرًا للأهمية الخاصة وغير المسبوقة التي توليها الحكومة الإيرانية لهذا المجال وتوِّفر له التمويل اللازم والبنية التحتية التي يتطلبها. ويساعدها في تحقيق ذلك انشغال العالم حولها ببرنامجها النووي وعدم تركيزه بشكل أكبر على قدراتها الإلكترونية التي تزداد وراء الباب الخلفي للبرنامج النووي.
وخلاصة القول فإنه من المُرجح أن تشهد السنوات القادمة مزيدًا من التطورات سواء على مستوى الهجمات التي تشنها المجموعات الإيرانية، أو على مستوى القدرات الدفاعية على صدَّ الهجمات الخارجية، خاصة في ظل استمرار الاتهامات الأمريكية لإيران بمسؤوليتها عن تلك الهجمات وفي ضوء نفي الجانب الإيراني الأمر برمته. بل بالأحرى يمكن الإشارة إلى أن النظام الإلكتروني العالمي قيْد التشكُّل لن يُقصي إيران منه أو حتى يقدر على تحييد أو تقويض طموحها الإلكتروني بل إنه سيضع قدراتها في الحسبان قبل اتخاذ أي قرارات أو شنَّ أي هجمات على بنيتها الأساسية لما يتوقعه من رد فعل؛ قد يكون أكبر من الفعل سواء في المقدار أو الاتجاه.

الهوامش:
(1) إيهاب عبدالحميد خليفة، تطوير متسارع: قدرات إيران الإلكترونية بين التهوين والتهويل، (مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، الإمارات، أغسطس 2014).
(2) المرجع السابق.
(3) Sibon Gabi and Kronenfeld Sami, Developments in Iranian Cyber Warfare 2013-2014, (Israel: ISNN, Military and Strategic Affairs. Volume 6, No.2, 2014).
(4) Ibid.
)5) Harris. Shane, Forget China: Iran’s Hackers Are America’s Newest Cyber Threat, (Foreign Policy, FEBRUARY 18, 2014), available at: http://goo.gl/3GM0Pa
(6) Natasha Bertrand, Iran is building a non-nuclear threat faster than experts ‘would have ever imagined’, (Business Insider, March 27. 2015), at: http://goo.gl/WpdO6Z
(7) Paganini. Pierluigi, The cyber capabilities of Iran can hit US, (Security Affairs, August 14th, 2013), available at: http://goo.gl/IDWqeO
(8) Report titled: “Tightening the Net: Internet Security and Censorship in Iran”, (Published by freedom of expression campaign group Article 19. March 29. 2016). P1.
(9) Paganini. Pierluigi, Op cit.
(10) K. Shafa Eric, Iran’s Emergence as a Cyber Power, (Strategic Studies Institute, August 20, 2014), Available at: http://goo.gl/Ft8M5b
(11) Ibid.
(12) Dave Aitel, Iran is emerging as one of the most dangerous cyber threats to the US, (Business Insider, Dec. 2, 2015).
(13) Clayton. Mark, Cyber-war: In deed and desire, Iran emerging as a major power, (The Christian Science Monitor, March 16, 2014), available at: http://goo.gl/YWRbz6
(14) Sibon Gabi and Kronenfeld Sami, Op cit.
(15) A Report by: Bill Gertz, titled: Iran Rapidly Building Cyber Warfare Capabilities, Cyber attacks on banks, casino highlight growing threat, published at The Washington Free Beacon, May 12. 2015, available at: http://goo.gl/whCwR2
(16) FREDERICK W. KAGAN AND TOMMY STIANSEN, THE GROWING CYBERTHREAT FROM IRAN THE INITIAL REPORT OF PROJECT PISTACHIO HARVEST, (AMERICAN ENTERPRISE INSTITUTE CRITICAL HREATS PROJECT AND NORSE CORPORATION, April 2015). P2.
(17) Mandiant Threat Report, Trends Beyond the Breach, December 2014. P10.

باسم راشد
باسم راشد
باحث متخصص في الشؤون الإقليمية