أهمية زيارة عراقجي الأخيرة إلى الصين

https://rasanah-iiis.org/?p=39037

زار وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الصين مؤخرًا؛ حيث التقى نظيره الصيني وانغ يي. وتكتسب هذه الزيارة أهمية خاصة من حيث توقيتها؛ إذ جاءت في ظل استمرار هجماتٍ متفرقةٍ، رغم وقف إطلاق النار الهش بين الولايات المتحدة وإيران، وقُبيل أيام من القمة بين ترامب وشي في الصين. وكانت الأوضاع الراهنة في الشرق الأوسط أحد الملفات الرئيسة المطروحة على جدول أعمال القمة، كما تعكس زيارة عراقجي إلى بكين محاولات لتنسيق المواقف والحسابات بين إيران والصين. فقد توسعت أزمة مضيق هرمز والحرب الإيرانية، وأصبحت ساحة من ساحات التنافس بين القوى الكبرى. وفي هذا السياق، تجد القوى المتوسطة مثل إيران، نفسها مدفوعة دفعًا نحو تعزيز التنسيق مع الصين، بما يجعل زيارة عراقجي إلى الصين جزءًا من جهودٍ أوسع، لتأمين دعم دبلوماسي وهامش مناورة إستراتيجي، في ظل وضع إقليمي لا يمكن التنبؤ بمآلاته.

ولا تزال إيران ترزح تحت ضغوط متزايدة، بفعل تحديات اقتصادية وسياسية وأمنية متنامية. وعلى الرغم من استمرار المفاوضات مع الولايات المتحدة، فإن البلدين لم يتمكنا حتى الآن من التوصل إلى صيغة مقبولة لوقف إطلاق نار مستدام؛ إذ تواصل واشنطن المطالبة بفرض قيود واسعة على سلوك إيران في المنطقة وأنشطتها النووية، فيما لا يزال الجانبان غارقين في شكوك عميقة إزاء نوايا كل منهما، الأمر الذي يجعل آفاق التوصل إلى اتفاق شامل غير مؤكدة. وفي ظل هذه الخلفية، هدفت زيارة عراقجي إلى بكين إلى انتزاع تطمينات من الصين، قبل أن يتبلور أي تفاهم محتمل بين واشنطن وبكين خلال قمة بين ترامب وشي. كما يتنامى القلق لدى إيران من أن تتحول مصالحها إلى جزء من مساومةٍ جيوسياسية أوسع بين القوتين العالميتين، لا سيما أن الصين وسعت علاقاتها مع دول المنطقة على نحو متنوع، وأن الأولوية الأولى لبكين تتمثل في حساباتها الاقتصادية المرتبطة بالاستقرار العام في المنطقة. ويظل الدعم الصيني بالغ الأهمية بالنسبة إلى إيران، ولا سيما في الأمم المتحدة وفي المفاوضات مع واشنطن. وتعكس الاجتماعات الأخيرة بين المسؤولين الإيرانيين والصينيين، قلق طهران من أن أولوية الصين المتمثلة في الاستقرار الإقليمي واستمرار تدفقات الطاقة دون انقطاع، قد تتقدم في نهاية المطاف على شراكتها الإستراتيجية مع إيران.

وتسلط الزيارة الضوءَ أيضًا على تنامي اعتماد إيران على الصين، بوصفها شريانها الاقتصادي والدبلوماسي؛ فقد دفعت تداعيات العقوبات والعزلة طهران إلى التوغل أكثر في الفلك الإستراتيجي لبكين. ومن جانبها، تشتري الصين معظم صادرات النفط الإيرانية، رغم العقوبات الأمريكية المفروضة عليها، بينما يتنامى اعتماد إيران على التكنولوجيا الصينية والسلع الصناعية والاستثمارات الأجنبية والآليات المالية، التي تلتف على النظام الدولي، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة. وتتقاطع مصالح البلدين في تحدي الهيمنة الأمريكية، وكذلك في توسيع نطاق التجارة بعملات غير الدولار الأمريكي، وهو ما يتضح من ترتيبات التسوية بالعملات المحلية بين الجانبين. وقد اتخذت الصين مؤخرًا إجراءات لمواجهة العقوبات الأمريكية التي تستهدف شركات صينية تشتري النفط الإيراني. ومن خلال تفعيل قانونها لمكافحة العقوبات الأجنبية للمرة الأولى ضد كيانات تمتثل للقيود الأمريكية، بعثت بكين برسالة تفيد بأنها باتت أكثر استعدادًا لمواجهة الضغوط الأمريكية مباشرةً. وقد أكدت الصين باستمرار دعمها لسيادة إيران، وانتقدت أيضًا الهجمات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران ووصفتها بأنها «غير قانونية»، كما أدانت الهجمات الإيرانية على دول الخليج. ويعكس هذا النهج الصيني، إلى حدٍ كبير، أولويتها الإستراتيجية المتمثلة في إبقاء إيران قويةً بما يكفي للصمود أمام الضغوط الغربية، والاضطلاع بدور قوة وازنة إقليميًا في مواجهة الولايات المتحدة، مع ضمان ألّا تصبح طهران عامل اضطراب إلى درجة تهدد المصالح الاقتصادية الصينية، أو تزعزع استقرار أسواق الطاقة العالمية.

وقد برز مضيق هرمز بوصفه بؤرة التوتر الجيوسياسي الرئيسة، التي تشكل الحسابات الإستراتيجية للصين؛ فاستقرار المضيق يبقى ذا أهمية كبيرة للاقتصاد العالمي، وكذلك للقوى الاقتصادية الكبرى مثل الصين، التي تُعد أكبر مستورد للنفط الخام في العالم. وبينما تواصل بكين الاستفادة من النفط الإيراني المخفض، فإن استقرار الممرات البحرية الحيوية يبقى عنصرًا حاسمًا للاقتصاد الصيني. وفي هذا الصدد، دعا وزير الخارجية الصيني وانغ يي مرارًا إلى وقفٍ شاملٍ لإطلاق النار، واستعادة فتح مسارات الملاحة البحرية. وتعكس دعوة بكين إلى إعادة فتح المضيق في أقرب وقت ممكن، رغبتها الملحة في منع مزيد من التصعيد؛ فهي تدرك أن استمرار الاضطراب في المضيق لن يؤدي فقط إلى ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم، بل سيقوّض أيضًا التصنيع والصادرات والنمو الاقتصادي، في وقت تواجه فيه بكين أصلًا تباطؤًا في النمو واحتدامًا في المنافسة الإستراتيجية مع الولايات المتحدة. ومن ثم، يتضح أن مقاربة الصين تجاه إيران باتت أكثر اعتمادًا على النفعية المتبادلة؛ نعم قدمت الصين لإيران دعمًا سياسيًا واقتصاديًا ودبلوماسيًا خلال الحرب، لكنها دفعتها في الوقت نفسه إلى ضبط النفس. وتواصل الصين إعطاء الأولوية لمصالحها الإستراتيجية الأوسع في المنطقة، ولا سيما شراكاتها المتنامية مع دول الخليج، ولا تزال مترددة في الدخول مباشرةً في معترك الصراع الدائر.  

وعند النظر إلى هذه الزيارة في سياق التطورات الأمنية والإقليمية الجارية، فإن الأهمية الجيوسياسية الأكبر لزيارة وزير الخارجية الإيراني الأخيرة، تبرز اتساع النفوذ الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط. فقد توسطت بكين، في السنوات الأخيرة، في توترات وتصعيدات عدة، وتتيح لها الأزمة الراهنة إبراز قوتها الدبلوماسية الإقليمية، فضلًا عن تقديم نفسها بوصفها وسيطًا عالميًا بديلًا. ومنذ اندلاع الحرب الإيرانية، انخرطت بكين في دبلوماسية مكوكية مكثفة، وأجرت مشاورات مع إيران ودول الخليج وباكستان. ويبرز التنسيق الصيني مع باكستان خلال الأزمة طبيعةَ الدور الإقليمي المتطور لبكين؛ فقد برزت إسلام آباد وسيطًا مهمًا في تسهيل التواصل بين واشنطن وطهران، مع دعم صيني هادئ لهذه الجهود. كما تكشف مكالمة عراقجي الهاتفية مع وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار بعد زيارته إلى بكين، عن نهج منسق يشمل الصين في البحث عن حلول دبلوماسية. وتدرك الصين الأهمية الإستراتيجية لباكستان في المنطقة، وتنظر إلى إسلام آباد بوصفها شريكًا قيمًا في تحقيق الاستقرار، وقادرًا على تسهيل الحوار وإدارة التوترات الإقليمية في السياق الراهن.

وقد أشاد المسؤولون الإيرانيون بالمقترح ذي النقاط الخمس، الذي قدمته باكستان والصين من أجل السلام والاستقرار الإقليميين، معربين عن ثقتهم بدورهما الدبلوماسي. كما رحبت طهران بدعم الصين لحق إيران في الطاقة النووية السلمية، وبدعوتها الأوسع إلى إنشاء إطار أمني إقليمي تقوده القوى الإقليمية. ومع ذلك، تجنبت إيران بعناية الالتزام العلني بإعادة فتح مضيق هرمز فورًا، وهو ما يكشف عن رغبة طهران في الاحتفاظ بالمضيق كورقة ضغط إستراتيجية خلال المفاوضات. فبالنسبة إلى إيران، يظل المضيق أحد الأدوات القليلة القادرة على فرض كلفة عالمية على خصومها، وزيادة الضغط على الولايات المتحدة. ومن الواضح أن الصين لا تسعى إلى هيمنة عسكرية في الشرق الأوسط؛ بل تفضل بكين نظامًا إقليميًا مستقرًا متعدد الأقطاب، لا ينفرد فيه فاعل واحد بالهيمنة، وتكون فيه التدخلات الخارجية في حدها الأدنى. ويتقاطع ذلك على نحو وثيق مع تفضيل إيران نفسها لإطار إقليمي أقل اعتمادًا على القوة العسكرية الغربية.

وتعكس زيارة وزير الخارجية الإيراني أيضًا، مدى التشابك العميق بين الحرب والعلاقات الأمريكية-الصينية؛ فواشنطن من جانبها تتوقع أن تستخدم بكين نفوذها لدى طهران للمساعدة في تهدئة الوضع، لا سيما فيما يتعلق بمضيق هرمز. وقد دعا بالفعل مسؤولون أمريكيون، بينهم وزير الخارجية ماركو روبيو، الصين إلى الضغط على إيران لإعادة فتح طرق الملاحة البحرية، كما حثَّ وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت الصين مؤخرًا على تكثيف جهودها الدبلوماسية لإقناع إيران بإبقاء مضيق هرمز مفتوحًا أمام الملاحة الدولية. وتعكس هذه الدعوات إدراكًا داخل واشنطن بأن الصين تتمتع بنفوذٍ كبيرٍ على طهران. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة، لأنها تعكس نمطًا أوسع، حيث يدرك البلدان ضرورة خفض التصعيد واستعادة حرية المرور البحري، مع وجود تباينات بينهما بشأن النهج والشروط اللازمة لتحقيق ذلك. وستكون الصين حريصة على ألّا تبدو ضعيفة أمام المطالب الأمريكية، مع سعيها في الوقت نفسه إلى منع فرص التصعيد أو زعزعة الاستقرار. وفي هذا الصدد، ستواصل الصين الامتناع عن انتقاد إيران علنًا، لكنها ستضغط على الأرجح على طهران لإعطاء الأولوية للحلول الدبلوماسية. وقد هدفت زيارة عراقجي، إلى حدٍ كبير، إلى ضمان ألا تضحي الصين بالمصالح الإيرانية، وإلى الحصول على ضمانات في الأسابيع الحاسمة المقبلة، لكن تنامي الاعتماد الإستراتيجي الإيراني على بكين يخلق-لا محالة- مواطن ضعف، ولا سيما إذا تباينت الأولويات الصينية مع الحسابات الإيرانية في المنطقة.

ولا يعكس تركيز إيران على علاقتها بالصين مجرد بحث عن دعمٍ دبلوماسي، بل يمثل محاولةً أوسع لمواجهة سرديات العزلة وتعزيز شرعيتها عالميًا وداخليًا؛ فمن خلال تصوير الدعم الصيني بوصفه دليلًا على أهمية إيران داخل نظام دولي متعدد الأقطاب في طور التشكل، تسعى طهران إلى تقديم نفسها فاعلًا جيوسياسيًا لا غنى عنه، مندمجًا في اصطفافات أوسع تتحدى الهيمنة الغربية. وتؤدي هذه الصياغة السردية أيضًا وظيفة داخلية مهمة، إذ تصرف الانتباه عن التحديات الاقتصادية المتزايدة في إيران، وعن السخط الداخلي، وعن القيود التي تحد من وضعها الإقليمي.

ومن الواضح أن الأزمة المتنامية والصراع الإقليمي الأوسع، يحملان تداعيات تتجاوز بكثير الحسابات العسكرية المباشرة؛ فنتيجة هذا التصعيد. وستُرسّخ نتائج هذا التصعيد سوابق مهمة تتعلق بالردع وعتبات التصعيد ومدى قدرة القوى المتوسطة على تعزيز استقلاليتها الإستراتيجية. وتدرك دول المنطقة أن اللحظة الراهنة قد تعيد تعريف قواعد اللعبة في الشرق الأوسط، ولا سيما فيما يتصل بالتدخلات الخارجية. وفي هذا السياق تحديدًا ينبغي فهم التحركات الدبلوماسية الأخيرة، بما في ذلك زيارة عراقجي إلى بكين. أما المسار المستقبلي للشراكة الإيرانية-الصينية فلن يتوقف على معارضتهما المشتركة للولايات المتحدة فحسب، بل سيتوقف أيضًا على مدى قدرة البلدين على التوفيق بين اختلافاتهما وتبايناتهما بشأن الاستقرار الإقليمي.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير