العلاقة بين النمو الاقتصادي والمستوى المعيشي للأسر الإيرانية

بواسطةداود سوري

يأتي هذا المقال في إطار مقالاتي السابقة التي نشرتها جريدة “دنياي اقتصاد” والتي تحمل عنوان “المحددون للمستوى المعيشي للأسر الإيرانية “. ويمكن القول إن هذا المقال يراجع مسار النمو الاقتصادي للبلاد ورفع المستوي المعيشي للأسرة الإيرانية خلال العقد الماضي. إن النمو الاقتصادي يتم تعريفه على أنه “حجم التغير في الناتج المحلي الإجمالي أو التغير في معدل نمو الدخل للفرد ” وتقوم الدولة بإعلان معدل النمو الاقتصادي سنوياً وفق هذا التعريف. ويمكن احتساب هذا المعدل (معدل النمو) للقطاعات الاقتصادية كل على حدى مثل قطاع الزراعة والصناعة وكذلك معدل الانفاق والاستهلاك والاستثمار، كل على حدى.

ولكن هذه الأرقام التي تهدف لمراجعة مستوى رفاهية الأسر تبدو شاملة أكثر من المستوى المطلوب وبالتالي فهي لا تمثل أداة كافية للباحثين للقيام بدراسة الفقر وانعدام المساواة. لذلك، يتم الاستعانة بالمعلومات الجزئية التي تتضمن مستوى الدخل والإنفاق للأسر وتفاصيل أخرى بهذا الشأن.
يوفر استخدام المعلومات الجزئية معيارا آخر للنمو الاقتصادي وذلك عبر تعریفها ل “معدل التغيير في متوسط دخل (إنفاق) الأسرة”. على الرغم من أن هذين المعيارين مختلفان عن بعضهما البعض ولكنهما مرتبطان حيث يقدم كلا المعيارين معا صورة مناسبة عن الصلة بين السياسات الاقتصادية الكلية ورفاهية للأسرة.
يظهر الرسم البياني (الرقم 1) حجم نمو الناتج المحلي الإجمالي أمام حجم نمو متوسط الإنفاق السنوي للأسرة من 2006 إلى 2014. في الوقت الذي يتخذ هذان المؤشران مسارا مشابها إلا أننا نشاهد اختلافا في مستواهما. وهذا الاختلاف هو أكثر في عامي 2008 و2011 لأن مستوى تضخم أسعار المستهلكين خلالهما سجل ارتفاعا مفاجئا بشكل أكبر قياسا مع العام الذي سبقهما. وبلغ معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي للفرد في الفترة الزمنية بين (2006 و2014) بالتحديد 1.40 % ووصل معدل نمو إنفاق الفرد سنويا 1.75 بالمائة. بالأحرى، في الوقت الذي تشير المعلومات الشاملة إلى ارتفاع حجم الإنتاج والدخل في الاقتصاد تظهر المعلومات الجزئية أن متوسط مستوى حياة الأسرة المادية انخفض أكثر فأكثر.
وإذا تابعنا دراسة معدل الإنفاق الحقيقي لدى الراشدين في فترتين (2005-2009) و(2009-2013) في المدن والقرى كل على حدى فنجد أن القوة الشرائية للأسر كانت دائماً في حالة تناقص حيث كان معدل هذا التراجع خلال الفترة الزمنية الأولى أكثر بكثير.
انخفضت القوة الشرائية للأسر الإيرانية خلال الفترة ما بين عام 2005م إلى عالم 2008م على الرغم من أن هذه الفترة هي فترة أسعار النفط المرتفعة، نتيجة لأن القوة الشرائية للأسر قد انخفضت نتيجة لتصاعد مستويات البطالة وتناقص فرص العمل.
السياسات الاقتصادية التي اعتمدتها الحكومة آنذاك تسببت في كل هذه المشاكل الاقتصادية. تشير المعلومات الواردة في الرسم البياني الظاهر في أدنى الصفحة إلى انخفاض متوسط الإنفاق السنوي للأسر خلال أعوام 2005-2013؛ ولكن يجدر بنا أن نتطرق أيضا إلى كيفية توزيع الأرباح الناتجة عن النمو الاقتصادي على شرائح الدخل وذلك بغض النظر عن المؤشرات الإجمالية التي تركز على إظهار معدلات النمو. الرسوم البيانية التي تظهر توزيع عوائد النمو هي أحدي الأشكال التوضيحية الأكثر رواجا لمقارنة حصص شرائح الدخل المختلفة من النمو الاقتصادي. ويعبر المحور الأفقي عن شرائح الدخل، وهذه الشرائح تتضمن مائة شريحة، وعدد الفراد في كل شريحة متساوي. وتم تنظيمها من الأقل دخلا إلى الأكثر دخلا. ويمثل المحور العمودي حجم نمو الإيرادات (الإنفاق) لكل مجموعة. أما الرسم البياني (2) فهو يقارن بين أسلوب توزيع الدخل في العام 2009 والعام 2005 في الأسر القاطنة في المدن. ونجد من خلال هذه الرسومات ببساطة أن حجم الإنفاق السنوي لكل شرائح الدخل في 2009 أقل من 2005. وقد سبق أن لاحظنا أن معدل الإنفاق السنوي الحقيقي قد سجل نموا سلبيا. ويدل هذا الرسم البياني بوضوح على أن كل فئات ذوي الدخل عاشوا هذه التجربة أي النمو السلبي وإن اختلفت مستويات انخفاض الإنفاق السنوي من فئة عن أخرى.
ويتبين لنا أن 10 بالمائة من الفئات الأقل دخلا في المدن كانت أكبر الخاسرين من التحول الاقتصادي في (2005 -2009) يليه الأسر الأكثر دخلا لأنها خسرت في هذه الفترة جزء أكبر من قدرتها الاقتصادية. ویجب الانتباه إلى أن العقوبات الاقتصادية لم تفرض خلال هذه الفترة. وبالرغم من الموارد المرتفعة من العملة الصعبة إلا أن متوسط النمو الاقتصادي (السنوي) بلغ نحو 2.5 بالمائة في الإجمال، كما أن نمو الإنفاق الحقيقي السنوي للأسر في كل شرائح الدخل كان سلبيا. وقام الرسم البياني (3) بعمل نفس المقارنة ولكن خلال أعوام (2009-2013). كما يظهر معدل النمو المتوسط للإنفاق السنوي الحقيقي ويتوقع أن تواجه الأسر الإيرانية انخفاضاً أقل في انفاقها السنوي مقارنة بالفترة السابقة عليها. ويؤكد الرسم البياني (3) هذه التوقعات ويظهر أن 45 بالمائة من الأسر الأقل دخلا في المدن شهدت ارتفاعا في حجم نفقاتها السنوية وذلك بفضل الدعم الحكومي الذي تم تقديمه في إطار التحكم في الأسعار عن طريق التسعير الإجباري للسلع والتي بدأت في 2009. وكانت الشرائح الأقل دخلا من أكثر المجموعات إنفاقا. وتعتبر العلاقة بين ارتفاع الفقر وحصول تغيير في النمو الاقتصادي وعدم المساواة في توزيع الدخل مؤشرا آخر يتم الاستعانة به في تحليل العلاقة بين النمو الاقتصادي والفقر.
سجل معدل الإنفاق السنوي الحقيقي زيادة بنسبة 1.876 للأسر الأكثر فقراً في المدن في عام 2014م وبالأحرى، فإن ارتفاع معدل الإنفاق السنوي للأسر سيترافق مع انخفاض حجم الفقر بنسبة 1.876%. ويؤدي انخفاض عدم المساواة بنسبة 1 بالمائة إلى انخفاض مستوى الفقر بنسبة 0.98% بالمائة. تدل هذه المؤشرات على أن الفقر يتفاعل بشكل أكبر ازاء النمو الاقتصادي من تفاعله مع ارتفاع درجة عدم المساواة. إن تأثير السياسات المعتمدة بشأن ارتفاع حجم النمو الاقتصادي أكبر من تأثير السياسات المعتمدة بشأن انخفاض عدم المساواة على انخفاض نسبة الفقر. في الوقت الذي تتمحور شعارات الأطياف السياسية الشعبوية (Populist) حول مكافحة عدم المساواة وتحسين توزيع الدخل ولكن سياسات تنمية وتعميق فرص العمل والنمو الاقتصادي هي التي في النهاية تساعد الفقراء. وهذه الحقيقة تنطبق أيضا في الفترة التي كانت محط نقاشنا. ونشاهد في الرسم البياني (4) حجم النمو الاقتصادي في البلاد أمام حجم الفقر بفاصل زمني حيث يظهر بوضوح العلاقة العكسية بين النمو الاقتصادي والفقر.

0 00 000 0000

مادة مترجمة عن: جريدة دنياى اقتصاد


الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة رأي المركز

داود سوري
داود سوري
كاتب اقتصادي ايراني