من الصدمة إلى التكيُّف والصمود.. التداعيات الاقتصادية العالمية لأزمة مضيق هرمز في 2026

https://rasanah-iiis.org/?p=38924

شكَّلت التداعيات الاقتصادية للصراع الإيراني-الأمريكي/ الإسرائيلي، الذي اندلع في 28 فبراير 2026 وانتهى إلى وقْفٍ هشّ لإطلاق النار في 8 أبريل، واحدة من أشدّ صدمات إمدادات الطاقة في التاريخ الحديث. فما بدأ بضرباتٍ أمريكية وإسرائيلية منسَّقة استهدفت المنشآت النووية الإيرانية والبِنية التحتية العسكرية وقيادات عُليا -على رأسهم مقتل المرشد علي خامنئي- سُرعان ما تصاعد إلى مواجهة أوسع شمِلَت البحر والصواريخ. وقد أدَّى إغلاق إيران الانتقامي لمضيق هرمز، الذي يمُرّ عبره نحو 20% إلى 25% من النفط المنقول بحرًا عالميًا، إلى جانب كمِّيات كبيرة من الغاز الطبيعي المُسال، إلى إشعال اضطراب فوري في أسواق السِلَع العالمية.

وخلال أيام، قفزت أسعار خام برنت من نحو 71 إلى 72 دولارًا للبرميل، إلى ما يزيد على 100 دولار، وتجاوزت في بعض الأحيان 120 دولارًا، وسط مخاوف من تعطُّلٍ طويل الأمد. وعلى مدى الأسابيع الخمسة للصراع، تصدَّعت سلاسل الإمداد العالمية، وتصاعدت الضغوط التضخم، وتراجعت توقُّعات النمو في الاقتصادات الكُبرى. وحتى بعد انحسار الأعمال العدائية، استمرَّت الارتدادات الاقتصادية، كاشفةً عن الهشاشة البنيوية، التي يعانيها نظام الطاقة العالمي إزاء الاضطرابات، التي تُصيب المضائق البحرية. وقد تحمَّلت أسواق الطاقة العبء الأكبر من الأزمة؛ ففي ذروة التعطيل، كان من الممكن أن يؤدِّي الحصار الفعلي لمضيق هرمز إلى احتجاز ما يصِل إلى 20 مليون برميل يوميًا من صادرات النفط القادمة من المنتجين العرب في الخليج، أي ما يعادل نحو خُمس الإمدادات العالمية.

وأعلنت قطر، المسؤولة عن نحو 20% من صادرات الغاز الطبيعي المُسال عالميًا، حالة «القوة القاهرة |  Force Majeure»؛ ما أدَّى إلى ارتفاع أسعار الغاز بأكثر من 50% في آسيا، وأكثر من 60% في أوروبا، خلال الأسبوع الأول. وسارت المنتجات المكرَّرة، بما في ذلك وقود الطائرات والديزل ووقود السُفُن، في الاتّجاه نفسه؛ ما رَفَع تكاليف النقل عالميًا بصورة كبيرة. وعلى خلاف أزمات سابقة كانت مدفوعة أساسًا بعلاوة المخاطر، عكست هذه الصدمة نقصًا حقيقيًا وملموسًا في الإمدادات. ولم تتمكَّن الإمدادات البديلة من الولايات المتحدة وكندا وغرب أفريقيا من تعويض النقص؛ الأمر الذي أبقى الأسعار عند مستويات مرتفعة طوال مارس وأبريل 2026.

وزاد البُعد البحري من حدَّة الاضطراب؛  فقد تراجعت حركة الشحن عبر مضيق هرمز إلى مستويات تكاد تبلغ الصفر في ظل الهجمات الإيرانية، وعمليات زرْع الألغام، والتهديدات المستمرَّة بالطائرات المسيَّرة. وارتفعت أقساط التأمين على الناقلات العابرة للخليج بصورة حادَّة، في حين تضاعفت، بل وتضاعفت ثلاث مرّات، أجور الشحن على المسارات البديلة عبر رأس الرجاء الصالح، أو عبر خطوط الأنابيب المحدودة، التي تتجاوز المضيق. ولم تقتصر التداعيات على المحروقات وحدها، فمع مرور ما يصِل إلى ُثلث تجارة الأسمدة العالمية المنقولة بحرًا عبر المضيق، أثار تعثُّر هذه التدفُّقات مخاوف فورية بشأن إنتاجية المحاصيل وارتفاع أسعار الغذاء عالميًا. وبذلك، أكَّدت الأزمة مدى الترابط بين الطاقة والأمن الغذائي وأنظمة التجارة العالمية.

وتفاوت الأثر الاقتصادي تفاوتًا كبيرًا بين المناطق، تبعًا لاختلاف مستويات الانكشاف والصمود البِنيوي. فقد واجهت الاقتصادات الآسيوية، ومنها الصين واليابان والهند وكوريا الجنوبية، أشدّ التحدِّيات  في أمنها الطاقي. واعتمدت اليابان اعتمادًا كبيرًا على احتياطياتها الإستراتيجية، بينما جمعت الصين بين تنويع الأسواق والدبلوماسية البراغماتية، فتفاوضت للحصول على وصول انتقائي إلى طُرُق الشحن. أمّا أوروبا، التي كانت قد أُنهِكت أصلًا بفعل أزمات الطاقة السابقة، فقد شهِدَت موجة جديدة من ارتفاع تكاليف الطاقة؛ ما أعاد إلى الواجهة شبح الركود التضخمي، وفرْض ضغوطًا إضافية على الإنتاج الصناعي.

وفي الولايات المتحدة، بدا الأثر أكثر تباينًا؛ فقد وفَّر إنتاج النفط الصخري المحلِّي هامش حماية جزئيًا، كما عزَّزت أسعار النفط المرتفعة مؤقَّتًا عائدات قطاع الطاقة. إلّا أنَّ ارتفاع أسعار البنزين، التي تجاوزت 4 دولارات للجالون في مناطق كثيرة، أسهم في تفاقُم ضغوط التضخم وتقليص القُدرة الشرائية للأُسَر. وعلى الصعيد العالمي، عكست الأسواق المالية حالة عدم اليقين، إذ تراجعت مؤشِّرات الأسهم بحِدَّة في مطلع مارس، بينما ارتفعت قيمة أُصول الملاذ الآمن، مثل الذهب والين الياباني. وواجهت الاقتصادات الناشئة ضغوطًا مركَّبة، شمِلَت تراجُع العملات، وتشديد الأوضاع المالية.

وبعيدًا عن الصدمة الفورية، حفَّزت الأزمة الدول المتضرِّرة لإطلاق حزمة من إستراتيجيات التكيُف؛ ما كشَفَ عن تحوُّلْ ناشئ نحو قدْر أكبر من الصمود في مواجهة المخاطر الجيوسياسية. فقد سارعت الدول المستورِدة للطاقة إلى تكثيف جهودها لتنويع مصادر الإمداد، وزادت مشترياتها من الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية وأفريقيا. كما استُخدِمت احتياطيات النفط الإستراتيجية على نطاقٍ أوسع ممّا حدَثَ في أزمات سابقة، بما أكَّد استمرار أهمِّيتها بوصفها أداة لتحقيق الاستقرار. وفي الوقت نفسه، بدأت الحكومات في إعادة تقييم مدى كفاية المخزونات الحالية، وأعلنت عدَّة دول خِطَطًا لتوسيع قُدرات الاحتياطي.

كما أصبح التكيُّف في مجالي النقل والبِنية التحتية أكثر إلحاحًا من أيّ وقتٍ مضى؛ فقد كثَّفت دول الخليج استثماراتها في خطوط الأنابيب الالتفافية المصمَّمة لتجاوز هرمز، بما في ذلك المسارات المؤدِّية إلى البحر الأحمر وبحر العرب. ولجأت دول من آسيا وأوروبا إلى استخدام ممرّات شحْن وشبكات لوجستية بديلة، على الرغم من كُلفتها الأعلى. وبالتوازي مع ذلك، عزَّزت الأزمة الأهمِّية الإستراتيجية لمرونة الحصول على الغاز الطبيعي المُسال، إذ سعت الدول المستورِدة إلى تنويع العقود، وتقليل الاعتماد على مسارات عبور منفردة.

ورُبَّما الأهّم من ذلك كلّه، أنَّ الصراع سرَّع تحوُّلات بِنيوية أطول أمدًا؛ فقد عزَّزت الهشاشة، التي كشفت عنها اضطرابات مضيق هرمز، الدعم السياسي لسياسات التحوُّل في مجال الطاقة، بما في ذلك تطوير مصادر الطاقة المتجدِّدة، والتوسُّع في الطاقة المتجدِّدة و«الكهربة»[1]، والحد من الاعتماد على واردات المحروقات المنقولة بحرًا. وعلى الرغم من أنَّ هذه التحوُّلات تبقى تدريجية، فإنَّ الأزمة أدَّت دور المحفِّز لإعادة ضبْط السياسات، عبر ربْط أمن الطاقة على نحو أوضح بأهداف الاستدامة.

وعلى المستوى الاقتصادي الكُلِّي، اعتمدت الحكومات مزيجًا من إجراءات التخفيف قصيرة الأجل والتكيُّفات الأطول أمدًا. فقد لجأت حكومات إلى دعْم الوقود والغذاء في عدَّة دول؛ لامتصاص الأثر الاجتماعي، في حين أشارت بنوك مركزية إلى تشديد السياسة النقدية؛ للحد من التضخم. لكن هذه الاستجابات لم تستطِع سوى التخفيف الجزئي من التباطؤ الاقتصادي الأوسع، وأشارت بعض التقديرات أنَّ نمو الناتج المحلِّي الإجمالي العالمي قد يتراجع بما يصِل إلى 0.3 نقطة مئوية، في حال استمرَّت أزمة المضيق لفترة قصيرة، وأن يكون التراجع أكبر بكثير في حال استمر لفترة أطول.

شهِدَت هذه الأزمة انفراجةً جزئية بوقف إطلاق النار في 8 أبريل، حيث هبطت أسعار النفط بحِدَّة، بما تراوح بين 14% و16% خلال ليلة واحدة، كما انتعشت أسواق الأسهم العالمية، لكن جاءت عودة تدفُّقات التجارة إلى طبيعتها جاءت بطيئة وغير متساوية. فقد أعاقت تراكمات الشحن، وعمليات إزالة الألغام، واستمرار ارتفاع تكاليف التأمين، تحقيق تعافٍ كامل وسريع. وإضافة إلى ذلك، فإنَّ استمرار إيران في استخدام تصاريح العبور الانتقائية وآليات فرْض الرسوم، أبقى الضبابية قائمةً جزئيًا، ومنَعَ عودة سريعة إلى أوضاع ما قبل الأزمة.

وفي المحصلة، فإنَّ التبِعات الاقتصادية لأزمة هرمز عام 2026م، تتجاوز بكثير حدود التقلُّب المؤقَّت في الأسعار؛ فقد كشفت الأزمة هشاشة سلاسل الإمداد العالمية، وأعادت إحياء المخاوف من الركود التضخمي، وأظهرت كيف يمكن لصراع إقليمي أن ينتج تداعيات اقتصادية ذات طابع بِنيوي وشامل. وفي الوقت نفسه، سلَّطت الضوء على قُدرة الدول على التكيُّف، وعلى ضرورة هذا التكيُّف. فقد برَزَ تنويع مصادر الطاقة، والاستثمار في البُنى التحتية البديلة، وتسريع سياسات التحوُّل الطاقوي، بوصفها ركائز أساسية لنظام اقتصادي عالمي أكثر صمودًا في وجه الأزمات. أّما الدرس الواضح لصُنّاع السياسات، فهو أنَّ الاضطرابات، التي تصيب المضائق لم تعُد أحداثًا استثنائية، بل أصبحت مخاطر بِنيوية. ولم يعُد التحدِّي مقتصرًا على الاستجابة للأزمات، بل بات يتمثَّل في استباقها والتخفيف من آثارها. وتُشير مسارات التكيُّف الجارية في أعقاب أزمة 2026م إلى تحوُّلٍ تدريجي في هذا الاتّجاه، لكن يبقى السؤال المفتوح قائمًا حول ما إذا كانت هذه الجهود ستكون كافية لمواجهة صدمات مستقبلية، سواءً في مضيق هرمز، أو باب المندب، أو غيرهما.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير