هل تُلبّي مرونة إيران طموحات ترامب؟

https://rasanah-iiis.org/?p=38710

تنخرطُ الولايات المتحدة وإيران في مفاوضاتٍ تفتقر إلى الثقة، وتجري تحت ضغط وإكراه أمريكي غير مسبوق، وتتطلَّع واشنطن من خلال هذه الدبلوماسية القسرية إلى الحصول على تنازلات جوهرية، تتخطى حرمان إيران من تخصيب اليورانيوم على أراضيها، وتصل حدَّ تفكيك قدراتها الصاروخية، والمطالبة بالتراجع عن نهجها وتطلعاتها الإقليمية. تُعزّز واشنطن قوتها التفاوضية بتحركاتٍ عسكريةٍ متواصلة في المنطقة، حتى تُبقي خيار الحرب قائمًا في أي لحظة، وحتى تُبقي إيران تحت الضغط، وتُحفزها على الاستجابة، ويرى البعض أن ترامب يرغب من خلال استعراض القوة والتهديد بها، في الوصول إلى اتفاق مع إيران يحقق أقصى مصلحة ممكنة لواشنطن ولشخص ترامب، الذي يطمح إلى صناعة الصورة، وإظهار مدى صحة مبدئه في صناعة السلام من خلال القوة.

يبدو النظام الإيراني في مأزقٍ فعلي وهامش المناورة لديه محدود للغاية، فترامب يُهدد بالحرب ولديه الاستعداد لمفاجأة الجميع بل والمخاطرة بها، وقد يكون هدف الهجوم هذه المرة هو إسقاط النظام، وربما ينتظر العديد من الإيرانيين هذا التدخل من أجل الثورة والتغيير، كما تُشجع إسرائيل العمل العسكري بقوة، ولديها استعداد لتحمل جزء من التكلفة بل والمشاركة بها.

وبالنسبة لإيران، فقد انتهت صلاحية النمط التقليدي في إدارة الصراع مع واشنطن وإسرائيل، بعدما تكسَّرت كافة قواعد الاشتباك، وأصبح هناك أمر واقع جديد، من مؤشراته نفاذ فاعلية إستراتيجية التصعيد المحدود دون تحمُّل عواقب، والخلل في ميزان القوة وغياب التوازن في الردع، فضلًا عن خسارة النظام الإيراني العديد من أوراقه، وبعض مصادر قوته الإقليمية بانهيار محوره وخط دفاعه الأول، بالإضافة إلى تحطُّم سياسة الغموض النووي كأداة للضغط بعد الضربة الأمريكية للمنشآت النووية في يونيو 2025م، وكذلك تضاؤل درجة استعداد كل من الصين وروسيا على تقديم الدعم لإيران، وإظهار التحدي للولايات المتحدة، ناهيك عن الانهيار الاقتصادي الداخلي، وارتفاع مؤشرات تراجع الشرعية مثلما أظهرت موجة الاحتجاجات الأخيرة.

مع ذلك، فإن قبول الشروط الأمريكية كاملة، تمثل كارثة بالنسبة للنظام؛ لأنها ستكون بمثابة هزيمة إستراتيجية، وقد يكون وقعها على النظام أكبر أثرًا من التعرض للهجوم العسكري؛ إذ إن الهجوم قد لا يُهدد بقاء النظام حتمًا، كما تهدده الاستجابة لشروط واشنطن، حيث إن الرضوخ لهذه المطالب تجرّد إيران من بقية مصادر قوتها وقدرتها على الردع، وتجعلها ساحة مكشوفة ومباحة أمام إسرائيل والولايات المتحدة، كما أنه يحرمها من استقلالها وسيادتها الوطنية، والأهم انكسار أيديولوجيتها الراسخة، التي كانت المظلة التي ترعرعت في ظلِّها القدرات النووية والصاروخية والدور الإقليمي العابر للحدود، وهو ما يعني تفكيكًا لركائز مشروع أيديولوجيا ولاية الفقيه، وبمعنى آخر التمهيد لإيران أخرى التي تعرفها المنطقة.

ربما تمثل النافذة الدبلوماسية المفتوحة الآن لحظة فارقة للنظام الإيراني ومستقبله، وهي قناة تم إعادة فتحها بصعوبة، ومع أنها تأتي في ظلِّ أقصى ضغط ممكن وأقل هامش مناورة متاح، لكن النظام يحاول أن يحولها من دبلوماسية قسرية إلى حوار بنّاء، يمكن فيه تقديم تنازلات نسبية مغرية، لكنها تنازلات «غير مفرطة» بحسب ما قال الرئيس الإيراني بزشكيان، أو وفق ما يحاول أن يبيعه خامنئي لجمهوره تحت مسمى المرونة البطولية، أو ما يسميه الرئيس بزشكيان بتراجع تكتيكي أو تعامل بنّاء.

إذن ذهبت إيران إلى مسقط وخاضت المفاوضات، وهي تُدرك أن هناك شيئًا ما عليها أن تُقدمه لترامب، وللولايات المتحدة، وبما أن البرنامج النووي الإيراني هو هم ترامب الأول، فإن إيران أبدت الاستعداد لأن تُقدم تنازلات جوهرية ربما تفوق ما قدمته في اتفاق 2015م، وقد تصل حدود هذه التنازلات خفض نسبة تخصيب اليورانيوم، والتخلص من كميات اليورانيوم المخزنة لديها، وربما أبعد من ذلك بالالتزام بسياسة صفر تخصيب لفترة زمنية أو بلا حدود، وفرض رقابة أكثر صرامة على منشآتها النووية، وذلك رهانًا على إرضاء غرور ترامب ومنحه مكسبًا استثنائيًّا.

لكن جنوح ترامب إلى التشدُّد، وقبول إيران المفاوضات تحت وطأة هذا الضغط، فرض استفسارًا حول ما إن كانت إيران لديها استعداد لتوسيع نطاق المفاوضات لتشمل قضايا أخرى والاستعداد لتقديم تنازلات إضافية. في الواقع حاول النظام الإيراني على مدار الشهور الستة الماضية التي أعقبت حرب الأيام الـ 12 وحتى الآن، على أن يرسم خطوطه الحمراء، لكن وفق نهج مرن يسمح بتنازلات جزئية، يستهدف تغيير المعادلة الصفرية التي يحاول ترامب أن يفرضها على إيران.

في سياق ذلك، أكد النظام على عدم الاستعداد للتفريط في حق التخصيب كخط أحمر أول، لكن الظاهر أنه مستعد لتقديم تنازلات جوهرية في هذا الملف كما سبقت الإشارة، وبالنسبة للخط الأحمر الثاني وهو عدم الاستعداد لتفكيك محوره الإقليمي، فإن النظام قد يرفض تفكيك هذا المحور، لكنه قد يُبدى مرونة في تنظيم هذا الدور، يبقى الخط الأحمر الثالث، وهو البرنامج الصاروخي، فالمرجَّح أن تستمر إيران في رفض أي نقاش بشأنه باعتباره أداة الردع الوحيدة لحماية أمنها القومي، مع اختبار إمكانية إقناع ترامب عبر تقديم تنازلات في ملفات أخرى، بل ومنحه فرصًا استثمارية في الداخل لأجل التخلي عن مطلبه بتفكيكك البرنامج الصاروخي، وبالفعل أكَّد مسؤول إيراني بحسب رويترز أن بنود المفاوضات مع أميركا تضمّنت مجالات النفط والغاز، وعلى ما يبدو أنه عرض تقدمه إيران لتفادي خطأ حرمان واشنطن من مزايا اتفاق 2015م، الذي استفادت منه الصين وروسيا، ومن ثم ضمان استدامة أيّ اتفاق محتمل.

إضافة إلى ذلك، يحاول النظام الإيراني أن يحفّز مسار الدبلوماسية بالتأكيد على استعداده للمواجهة العسكرية، وقدرته على الرد، ورفع التكلفة على واشنطن، ربما يمتلك النظام الإيراني القدرة على الإيذاء، وعلى إرباك المشهد الإقليمي، وتوسيع نطاق الفوضى، وربما إغراق الولايات المتحدة في حرب ممتدة في المنطقة، على غرار حرب العراق، لكن في الحقيقة غاية النظام هي محاولة تفادي الهزيمة على طاولة المفاوضات، وتعزيز أوراقه للحدِّ من الخسائر المتوقعة.

في ظلِّ هذا الخلل الواضح، يبقى العامل الأكثر تأثيرًا هو حدود قبول واشنطن لتنازلات إيران، وعلى هذا الأساس قد يكون تفكيك برنامج إيران النووي وإزالته من قائمة التهديدات غير التقليدية لواشنطن، نجاحًا لإستراتيجية السلام من خلال القوة التي يتبناها ترامب، بل إنجازًا شخصيًا يتفوق به على أسلافه، وربما هناك فرصة متاحة للرئيس الأمريكي لتحقيق مزيد من المكاسب، بتضمين الاتفاق الجديد أو أي اتفاقيات جانبية تفاهمات بشأن تنظيم علاقة إيران بمحورها الإقليمي، وربما الحصول على مصالح اقتصادية في السوق الإيراني، بما في ذلك مكتسبات في مجالي النفط والغاز، وذلك دون تحمل تكلفة الحرب، أو المخاطرة بالعودة للانخراط العسكري في المنطقة، ولا ننسى أن أقرب حلفائه في المنطقة لا يؤيدون العمل العسكري.

لكن ترامب قد يعتبر هذا التنازل النووي أقل من المأمول، لاسيَّما أنه رفع سقف مطالبه إلى حدِّ طلب تغييرات تخص البرنامج الصاروخي، وقد تغريه الأوضاع في إيران والمرونة التي تُبديها إيران تجاه بعض الملفات، ناهيك عن الحضور العسكري الأمريكي القوي بالإصرار على تنفيذ كامل أجندته، وعن الخضوع لضغوط إسرائيل التي باتت تنظر إلى البرنامج الصاروخي الإيراني كتهديد لا يقل خطورة عن البرنامج النووي، وتحاول أن تضغط على ترامب ليكون البرنامج الصاروخي ضمن أولوياته كما هو حال البرنامج النووي، وقد تخاطر ببداية معركة تفرض من خلالها الخيار العسكري كحل وحيد.

في الأخير، يمكن القول إن الولايات المتحدة وإيران تخوضان معركة عضّ أنامل، ومهما كانت حدود الضغط الأمريكي على إيران، فمن الصعب أن تستسلم إيران لكامل شروط واشنطن، لكنها ربما تُقدم تنازلات جوهرية في الملف النووي وتطرح مقاربات مرنة لقضايا خلافية أخرى، قد تنجح في إقناع ترامب بالتراجع عن العمل العسكري لصالح اتفاق استثنائي، وفي سياق ذلك من المتوقّع أن تقبل إيران بتنازلات غير مسبوقة في الملف النووي، تصل حدّ قبول تصفير تخصيب اليورانيوم بصورة دائمة أو لفترة زمنية محدودة، مع تنازلات جزئية بشأن علاقة إيران بمحورها الإقليمي، سقف هذا التنازل لن يصل عمليًا إلى تفكيكه، بل قبول إعادة تنظيمه. مكسب إيران مقابل هذه التنازلات هو تخلي واشنطن عن مطالبها بشأن تفكيك البرنامج الصاروخي، وفي حال كانت إيران أمام خيارين هما قبول بالنقاش حول برنامجها الصاروخي أو اللجوء للحرب، وذلك تحت وطأة الضغط الإسرائيلي، فلن تقبل إيران بأكثر من تجميد البرنامج وليس التخلص من القدرات الفعلية، أما إذا تمادى ترامب وطلب استسلامًا تامًا من إيران على طاولة المفاوضات، فإن على ترامب وخامنئي أن يختبرا قدرتهما على تحقيق أهدافهما من خلال الحرب.

د. محمود حمدي أبو القاسم
د. محمود حمدي أبو القاسم
مدير تحرير مجلة الدراسات الإيرانية