زار وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي مؤخرًا طهران حيث التقى بوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ووزير الداخلية إسكندر مؤمني، ونقل نقوي رسالة إلى المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي من قائد الجيش الباكستاني عاصم منير ورئيس الوزراء شهباز شريف. وتعد هذه زيارة الثالثة له خلال الأسابيع الأخيرة، الأمر الذي يسلط الضوء على دور الذي تؤديه إسلام آباد في جهود الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران في خضم موجات الهجمات والتصعيد. وتعكس الزيارة جهود الوساطة المستمرة التي تبذلها الباكستان وتركيز إسلام أباد على تعزيز التنسيق مع إيران في مجالات الأمن والتجارة والقضايا الرئيسية في خضم حالة الاضطرابات الإقليمية.
وتأتي زيارة نقوي في مرحلةٍ بالغة الحساسية؛ فمنذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، سعت باكستان إلى توظيف نفوذها بشكل متزايد للقيام بدور الوسيط بين الولايات المتحدة وإيران. وقد أبرز وقف إطلاق النار المؤقت الذي تحقق في أبريل / نيسان بوساطة باكستانية وما أعقبه من محادثات مباشرة التي استضافتها إسلام أباد دور باكستان باعتبارها حلقة وصل قادر على الاضطلاع بجهود الوساطة البناءة والحفاظ على قنوات الاتصال مع جميع الأطراف. وعلى الرغم من استمرار التوترات في الشرق الأوسط، تواصل إسلام أباد انخراطها بنشاط في الجهود الرامية إلى الحيلولة دون تجدد الصراع الشامل. ولذلك، تعد وتيرة اللقاءات والزيارات التي يجريها كبار المسؤولين الباكستانيين ذات أهمية بالغة في فهم الدور الذي تلعبه إسلام أباد في الحفاظ على زخم ومناخ التفاؤل المحيط بالمفاوضات. وشملت زيارة نقوي السابقة في مايو اجتماعات مع الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان ووزير الخارجية عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الداخلية مؤمني. وتزامنت زياراته اللاحقة مع تجدد الجهود الدبلوماسية لإحياء المفاوضات ومنع انهيار وقف إطلاق النار الهش.
وينبغي فهم دور إسلام أباد ضمن السياق الأوسع لمساعي باكستان لتعزيز نفوذها الدبلوماسي في خضم الديناميكيات الجيوسياسية المتطورة؛ فقد واجهت باكستان. على مدى العقد الماضي مجموعة من التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي أسهمت في رسم ملامح صورتها. وفي هذا السياق، يعكس الانخراط الدبلوماسي النشط لإسلام أباد محاولة لتقديم نفسها باعتبارها طرف بناء قادر على تيسير الحوار والمساهمة في الاستقرار الإقليمي، كما تحتل باكستان موقعا فريدا بحكم علاقاتها مع الأطراف الرئيسية المنخرطة في الأزمة. وتكتسب شراكاتها أهمية خاصة بالنظر إلى المصالح الاقتصادية والأمنية المباشرة لتلك الدول في تهدئة التوترات واستعادة الاستقرار في المنطقة. كما تتيح علاقات باكستان مع الولايات المتحدة في عهد ترامب، وقنواتها الدبلوماسية القائمة مع إيران وشراكتها الاستراتيجية الوثيقة مع الصين لها إمكانية الوصول إلى مراكز نفوذ متعددة. وهذا يعزز دور باكستان كوسيط، وهو ما يمكنها من التواصل مع مختلف الأطراف الرئيسية القادرة على التأثير في مخرجات الصراع.
لقد خلفت تداعيات الحرب آثار وخيمة على باكستان. وقد ساهم اضطراب أسواق الطاقة بالفعل في تقلب أسعار النفط العالمية، الأمر الذي فرض ضغوطا إضافية على الاقتصاد الباكستاني الهش، الذي لا يزال يعتمد بشكل كبير على مصادر الطاقة المستوردة. لا تقتصر تداعيات ارتفاع أسعار الوقود على زيادة الضغوط التضخمية فحسب، بل أنها تعقد الجهود القائمة لتحقيق التعافي الاقتصادي والاستقرار المالي. علاوة على ذلك، فإن أي تعطيل مطول لمضيق هرمز من شأنه أن يهدد إمدادات الطاقة الحيوية ومسارات الشحن التجارية التي تعتمد عليها باكستان ودول المنطقة. وبعيدا عن أمن الطاقة، لدى باكستان دوافع استراتيجية أوسع نطاقا لدعم خفض التصعيد؛ إذ يقيم ويعمل الملايين من المغتربين الباكستانيين في دول الخليج، الأمر الذي جعل من تحويلاتهم المالية مصدرا حيويا للعملة الأجنبي. وقد يؤثر استمرار الصراع سلبا على هذه التدفقات الاقتصادية وخلق حالة أوسع من عدم الاستقرار الإقليمي. ونظرا لحدودها المشتركة مع إيران والتحديات الأمنية القائمة على طول حدودها الغربية، لا تستطيع إسلام أباد تحمل تبعات نزاع آخر مطول في جوارها المباشر. وعليه يعكس النهج الباكستاني اعترافا عمليا بأن مواجهة طويلة بين إيران والولايات المتحدة ستترتب عليها تكاليف اقتصادية وسياسية وأمنية باهظة على باكستان، ويدفع هذا التقاطع في المصالح المتعددة الأوجه إسلام أباد نحو مواصلة حوار بشكل فعال ودعم الجهود الرامية إلى التوصل إلى اتفاق مستدام.
وأفادت تقارير إلى أن نقوي تطرق خلال سلسة الاجتماعات الأخيرة إلى القضايا الحدودية والإقليمية إلى جانب فرص تعزيز التجارة الثنائي. وبالإضافة إلى التداعيات الأمنية المباشرة، فإن استمرار حالة عدم استقرار في إيران لفترة طويلة ستكون له تداعيات إقليمية كبيرة؛ لاسيما أن حجم التجارة بين باكستان وإيران يبلغ حوالي 3 مليارات دولار، ويعتمد جزء كبير منها على الأسواق الحدودية وصفقات المقايضة والتعاملات بالعملة المحلية، وأعلنت إيران مؤخرًا عن اتفاق لزيادة حجم التجارة الثنائية إلى 10مليارات دولار. وفي الآونة الأخيرة، أصدرت باكستان أمر تنظيمي قانوني SRO 961(I)/2026 «أمر عبور البضائع عبر أراضي باكستان 2026»، الذي ينص على أنشأ ستة ممرات عبور برية تربط بين كراتشي وميناء قاسم وجوادر بالمعابر الحدودية الإيرانية في جبد-رمدان و تفتا، وهو ما يسمح لبضائع من دول الثالثة بالعبور عبر باكستان إلى إيران. يكتسب ممر جوادر-جابد أهميةً خاصةً؛ لأنه يعزز مكانة جوادر كمركز إقليمي محتمل للعبور التجاري في خضم الاضطرابات التي يشهدها مضيق هرمز وحالة عدم الاستقرار الأوسع في المنطقة. وتأثرت علاقات باكستان مع أفغانستان خلال السنوات الأخيرة بشدة بفعل التوترات الأمنية المتكررة والخلافات السياسية، في حين لا تزال التجارة الرسمية مع الهند معلقة إلى حد كبير. في هذا السياق، أصبحت إيران البوابة الأكثر جدوى لباكستان لتعزيز الترابط الإقليمي. كما أن تعزيز التعاون الاقتصادي مع طهران قد يسهل أيضا الوصول إلى أسواق آسيا الوسطى دون الاعتماد حصرا على مسار العبور عبر أفغانستان، وهو ما يتيح لباكستان بدائل الترابط الإقليمي والحد من تعرضها للاضطرابات الجيوسياسية في مناطق أخرى على طول حدودها الغربية.
وتعكس هذه المبادرات أيضًا جهود إسلام أباد لتحويل باكستان إلى مركز اتصال إقليمي مع تقليل الاعتماد على مسارات العبور الهشة. علاوةً على ذلك، من خلال تسليط الضوء على هذه الجهود، تسعى باكستان إلى إظهار استعدادها للإقامة علاقات بناء مع إيران في خضم التحديات الاقتصادية و الأمنية المستمرة. ورغم إمكانية إثارة مخاوف تتعلق بالامتثال للعقوبات، فإن هذا الممر لا يشكل في حد ذاته انتهاكاً للعقوبات الأمريكية ما لم يتم استخدامه لتسهيل تعاملات مع كيانات إيرانية محددة أو أنشطة خاضعة للعقوبات، والتي قد يكون من الصعب مراقبتها عن كثب. وفي الوقت الذي تدعم فيه باكستان بنشاط المساعي الدبلوماسية من أجل خفض التوترات بين طهران وواشنطن، فإن فرض عقوبات أمريكية على إسلام أباد على خليفة تجارتها مع إيران من شأنها أن تقوض أهداف خفض التصعيد الإقليمي الأوسع. ومع ذلك، فإن استمرار حالة عدم الاستقرار في إيران سيظل يشكل تهديدًا لجدوى هذه المبادرات المرتبطة بالاتصال الإقليمي.
ولدى باكستان وإيران مصلحة مشتركة في الحفاظ على الاستقرار في إقليم بلوشستان، في وقت يواصل فيه البلدان مواجهة الأنشطة المسلحة للحركات الانفصالية البلوشية وغيرها من التهديدات الأمنية العابرة الحدود. وفي الوقت نفسه، أدت هذه التحديات إلى إثارة التوترات في بعض الأحيان، حيث يتهم كل طرف الآخر بالإخفاق في كبح الأنشطة المسلحة التي تنطلق من أراضيه. وهذا يخلق حوافز تدفع نحو التعاون في مجال إدارة الحدود. قد يسهم توسيع التجارة عبر المعابر الحدودية وتعزيز دور جوادر كمركز عبور إقليمي على المدى الطويل في توفير فرص اقتصادية أوسع، مما قد يساعد في معالجة بعض المشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي طالما استغلتها تاريخيا الجماعات المسلحة، على الرغم من أن ذلك وحده لن يعالج التحديات السياسية والأمنية المتجذرة. نظرًا لاعتماد المجتمعات الحدودية بشكل كبيرا على التجارة العابرة للحدود من أجل تأمين سبل عيشهم، يعد ضمان سير العمل بسلاسة في المسارات التجارية القانونية أمر أساسياً ليس فقط لتحقيق النمو الاقتصادي ولكن أيضا للحفاظ على الاستقرار وكبح جماح الاقتصادات غير المشروعة على طول الحدود الإيرانية الباكستانية، وهي مسألة لاتزال مصدر قلق مستمر لكلا البلدين.
وبناءً على ما أسردنا، تشير زيارات نقوي إلى أن انخراط باكستان مع إيران يتجاوز دور الوساطة بين طهران وواشنطن، وأصبح مدفوعًا باعتبارات براغماتية بشكل متزايد في خضم الاضطرابات الإقليمية. وتعتقد إسلام أباد أن استقرار إيران يعد أمرًا بالغ الأهمية لحماية طرق التجارة وإدارة أمن الحدود وتعزيز طموحاتها الأوسع بمجال الربط الإقليمي مع الاستفادة من دورها كوسيط.