إدارة الفوضى في هرمز عبر غموض توافقي

https://rasanah-iiis.org/?p=39140

في دهاليز الدبلوماسية المعتمر مطلع عام 2026 توصل الأطراف إلى وقفٍ إطلاقٍ نارٍ هشٍ بوساطة باكستانية، ومع أنه لم يقدّم حلاً للصدع الممتد نصف قرن بين الولايات المتحدة وإيران لكنه فتح نافذة لبناء آلية أكثر تطورًا لإدارة هذا الصراع، فبعد أسابيع من الوساطات المكثفة والانتهاكات المتكررة للتهدئة، ظهر مشروع اتفاق لم يصادق عليه لوقت كتابة هذه التحليل، يمثل هدنة استراتيجية فرضتها حالة الإنهاك المتبادل أكثر مما يعكس مصالحة حقيقية.  فالمذكرة المقترحة تجسّد هذا التعليق المؤقت للصراع: مقايضة محسوبة تمنح الطرفين متنفسًا اقتصاديًا فوريًا مقابل تأجيل النقاط الساخنة التي تغذي الصراع، والتعامل مع هذا المشروع بوصفه مقدمة لاتفاق فعلي يعني القبول بفكرة أنَّ السلام لم يعد غياب الحرب، بل إدارة متوازنة لحالة الاستنزاف المتبادل.

وتعود جذور الاتفاق إلى تقاطع ضرورات ملحّة تواجه القوى الكبرى والدول الإقليمية، إذ أدى إغلاق مضيق هرمز مع حلول ربيع 2026م إلى أزمة طاقةٍ عالميةٍ هددت استقرار الأسواق الأمريكية في وقتٍ كانت فيه إدارة الرئيس ترامب تسعى إلى ترسيخ موقعها السياسي. وفي المقابل كانت طهران المثقلة بالعقوبات والضغوط الاقتصادية ومرحلة انتقال القيادة بحاجةٍ ماسةٍ إلى متنفسٍ اقتصادي لا يتحقق إلا بإعادة فتح طرق التجارة البحرية، وهكذا، جاء مشروع المذكرة أقرب إلى «هدنة  من أجل البقاء» منه إلى مخطط صداقة، إذ يقترح المشروع تبادلاً واضحًا: إزالة الألغام وفتح المضيق دون رسوم مقابل الإفراج المشروط عن 24 مليار دولار من الأصول المجمّدة وفتح مسار لاستئناف المفاوضات النووية، ويكشف هذا الطابع التبادلي عن واقعية سياسية صارمة، حيث يقدّم الطرفان أولوية بقاء النظام واستقرار الأسواق على أيّ اعتباراتٍ أيديولوجيةٍ أو انتصار استراتيجي.

وتكمن مكامن النجاح ومواطن الخطر للاتفاق في إدارة المفاوضات مع إبقاء بعض الملفات دون حسم واضح، فنص الاتفاق  وفق ما تسرّب يتعمّد ترك تفاصيل حاسمة غامضة، خصوصًا ما يتعلق بجدول تخفيف العقوبات وآليات التحقق، وهذا ليس إغفالاً، بل خيارًا مقصودًا يتيح للطرفين الادعاء بتحقيق مكاسب داخلية دون تجاوز خطوطهما الحمراء، فالولايات المتحدة تعرض الاتفاق كاستثمار في ضعف إيران، بينما تقدّمه طهران كإنجاز في مواجهة الضغوط الغربية، غير أن هذا السرد المزدوج يبني أساسًا هشًا، ففجوة الثقة عميقة إلى درجة تجعل الأطر المؤسسية -بما فيها الوكالة الدولية للطاقة الذرية وآلية الوساطة الرباعية (المملكة العربية السعودية،  باكستان، قطر، تركيا) – عاجزة عن توفير ضمانات كافية، فهذه الأطراف تمتلك القدرة على إدارة الأزمات الآنية (مثل إغلاق الممرات البحرية أو احتواء العنف) ولكنها تفتقر إلى النفوذ اللازم لفرض سلام شامل أو معالجة جذور الخلاف النووي وشبكات الوكلاء.

ومن منظور مجلس التعاون الخليجي  ولا سيما المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات  ينبغي النظر إلى مشروع المذكرة من زاوية براغماتية تركز على حماية الذات بدلًا من اختزالها في منظور أمني ضيق، إذ يكمن الخطر الأكبر بالنسبة للرياض والدوحة ليس في البرنامج النووي الإيراني فحسب، بل في احتمال اندلاع مواجهة إقليمية شاملة تهدد الاقتصادات والمجتمعات، وقد شاركت بعض دول الخليج في هندسة الوساطة لا انسجامًا مع خطاب طهران الثوري بل انطلاقًا من عقيدة أمنية تهدف إلى تثبيت أركان الاستقرار في شبه الجزيرة وحماية البنية التحتية النفطية والاستثمارات من تقلبات السياسة الأمريكية أو مغامرات القوى الإقليمية. ولهذا، فإن التركيز على إعادة فتح مضيق هرمز يعكس استجابة مباشرة لهواجس أمن الطاقة الخليجية أكثر مما يعكس اهتمامًا بتفاصيل العقائد الأمنية للدول الكبرى، وتحرص دول الخليج على ضمان ألا يؤدي أي اتفاق أمريكي‑إيراني إلى تمكين فاعلين غير دوليين قد يهددون تدفق الطاقة.

ومن منظور نظريات العلاقات الدولية، يشكّل مشروع الاتفاق حالة نموذجية تكشف حدود القوة الصلبة، فأنصار المؤسساتية الليبرالية قد يرون في آليات التحقق والاعتماد الاقتصادي المتبادل فرصة لبناء استقرار طويل الأمد، ولكن واقع العقوبات المتجددة بعد 2025 وعمق انعدام الثقة منذ ثورة 1979 يجعل هذا التفاؤل أقرب إلى الوهم، فالمؤسسات، بضعفها البنيوي، عاجزة عن تجاوز الهواجس الوجودية التي تحرّك الطرفين. وفي المقابل، يقدّم المنظور الواقعي الكلاسيكي تشخيصا أمر لكنه أدق، إذ يرى أن وقف إطلاق النار ليس سوى إعادة ضبط تكتيكية واستراحة مؤقتة في ميزان القوى، فتمديد التهدئة لستين يومًا لا يُعدّ خطوة نحو مصالحة بل نافذة يلتقط خلالها الطرفان أنفاسهما لإعادة التموضع والتسلّح وإعادة التقييم، ويزيد المشهد تعقيدًا الدعم الصيني والروسي الهادئ لإيران، ما يشير إلى أنّ الخصمين يتحركان على رقعة شطرنج كبرى تتجاوز حدود الصراع المحلي، حيث تصبح النزاعات الإقليمية مجرد تفصيل ثانوي في معركة الهيمنة العالمية.

وتكشف تفاصيل المفاوضات أن المذكرة المقترحة لا تعالج جوهر الصراع أي بعبارة أخرى لا يعالج الاتفاق تناقض الهويات السياسية وتباين أولويات القوى الإقليمية، فالولايات المتحدة تتحرك من هيمنتة عالمية تسعى إلى احتواء الآخر، بينما تستمد إيران هويتها من سردية ثورية مناهضة للغرب، أما دول الخليج فتعمل وفق منطق البقاء والاستقرار، محافظة على توازن علاقاتها مع واشنطن وطهران في آن واحد، وطالما بقيت هذه السرديات على حالها، ستظل الاتفاقات سطحية تُقرأ بريبة أكثر مما تُقرأ كتعاون.

وتشير مسارات التوقيع المحتملة إلى مستقبل من «الفوضى المُدارة»؛ فسلّم التصعيد لا يزال قائمًا، وانهيار التهدئة قد يطلق موجة من الهجمات غير المتكافئة عبر وكلاء إيران -مثل حزب الله والميليشيات العراقية والحوثيين- تستهدف بها البنية التحتية البحرية، أما الانزلاق إلى مواجهة مباشرة واسعة النطاق تشمل ضربات دقيقة على منشآت نووية ومراكز قيادة فيبقى احتمالاً قائمًا وإن كان الغزو البري غير مرجّح.  وفي أسوأ السيناريوهات، قد تنجذب قوى دولية إلى صراع إقليمي شامل ما يضع الشرق الأوسط تحت تهديد دائم، أما السيناريو الأكثر ترجيحًا فهو عودة «حرب الظل» القائمة على دورات متكررة من التصعيد والتهدئة، حيث تصبح المبادرات الدبلوماسية مجرد فواصل زمنية تعيد ضبط ساعة الصراع دون حل معضلته الأساسية.

ويبقى دور المخرّبين الخارجيين عاملًا معقدًا أمام دول الخليج التي باتت أكثر استعدادًا لاستخدام قنواتها الدبلوماسية لاحتواء هذه المخاطر، فبعض الفاعلين الإقليميين يتصرفون وفق منطق الحرب الوقائية بما يتعارض مع التدرج المطلوب لإنجاح الدبلوماسية تدرك دول الخليج أن أي ضربات غير محسوبة على المنشآت النووية الإيرانية قد تقوّض التهدئة الهشة وتضع الولايات المتحدة أمام معضلة مزدوجة.  ومن منظور خليجي، لا يكمن الحل في الاعتماد على الضغط الأمريكي وحده، بل في تعزيز البنى الأمنية الإقليمية وتوسيع التكامل الاقتصادي مع إيران، وهذا ما يعكسه مشروع المذكرة؛ إذ يتبين من خلالها أن دول الخليج مجرد متلقٍّ للنتائج، بل طرفًا فاعلاً في هندسة السلام يقدّم أولوياته الوجودية على حساب الإملاءات الأيديولوجية لواشنطن أو غيرها من الشركاء.

كما يفاقم نهج الرئيس ترامب حالة عدم اليقين في هذا المشهد الهش، فآليات اتخاذ القرار لديه تُدار وفق دوائر ارتدادية سريعة مرتبطة بالأوضاع الاقتصادية الآنية وباعتبارات الصورة الشخصية أكثر مما تستند إلى اتساق أيديولوجي أو رؤية استراتيجية مستقرة، وقد تدفع الاضطرابات في أسعار النفط الناتجة عن إغلاق المضيق إلى جانب التراجع الحاد في شعبيته الداخلية الرئيس الأمريكي إلى التحول سريعًا نحو صفقات متعجلة تُبنى على حسابات ظرفية لا على أُسس استراتيجية راسخة.

وفي نهاية المطاف يكشف مشروع مذكرة التفاهم حدود الدبلوماسية عندما تواجه منظومات أمنية متصادمة يستحيل التوفيق بينها، فهو يكتفي بمعالجة مظاهر الأزمة (كإغلاق المضيق والاشتباكات المباشرة) من دون الاقتراب من جوهرها العميق المتمثل في الهويات المتعارضة والشعور الوجودي بانعدام الأمن، والنتيجة حالة من التذبذب الحاد، حيث يبقى شبح الانفجار الشامل يتربص بالمنطقة، وهنا يصبح السلام مجرد توازن مُدار أشبه بهدنةٍ هشةٍ تتسم بالتوتر والخطرة.  ولا يكمن الاختبار الحقيقي في التوقيع النهائي على هذا الاتفاق بل في قدرة الوسطاء على بناء قنوات اتصال متينة تمنع خطأ واحدًا من إشعال حرب إقليمية جديدة، فالمسودة تذكّر بأنَّ مثل هذه الاتفاقات غالبًا ما تؤدي إلى إيقاف مؤقت لصراع محتوم، بينما تبقى الديناميات الأساسية كامنة تحت وقف إطلاق نار هش. وهكذا يبقى الشرق الأوسط الأوسع عالقًا الداعم الأمريكي والجار الإيراني محاولاً التكيّف مع واقع البقاء بينما تبقى العلل العميقة بلا معالجة.

ومنذ الإعلان عن الإطار الأولي للمذكرة تحوّل الاهتمام من مضمون الاتفاق إلى التحديات المرتبطة بتنفيذه، فرغم ترحيب كل من واشنطن وطهران علنًا بخفض التوتر، إلا أن الخلافات حول ترتيب خطوات تخفيف العقوبات والالتزامات النووية ما تزال قائمة، فالمسؤولون الأمريكيون يشددون على ضرورة فرض قيود قابلة للتحقق على الأنشطة النووية الإيرانية قبل تقديم أي تنازلات اقتصادية واسعة، وفي المقابل، يصرّ القادة الإيرانيون على أن تخفيف العقوبات بشكل ملموس يجب أن يسبق أي التزامات نووية طويلة الأمد، وتكشف هذه التباينات عن استمرار فجوة الثقة التي طبعت العلاقات الثنائية لعقود، وتبرز صعوبة تحويل ترتيبات إدارة الأزمة إلى تسوية سياسية مستدامة.

وفي الوقت ذاته، كثّفت الأطراف الإقليمية جهودها الدبلوماسية للحفاظ على الزخم الذي ولّده وقف إطلاق النار، فقد وسّعت دول الخليج – ولا سيما المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات – دورها من وسطاء في لحظة الأزمة إلى أطراف معنية مباشرة بعملية التنفيذ إدراكاً منها أن أي تجدد للمواجهة سيهدد صادرات الطاقة وتدفقات الاستثمار والاستقرار الإقليمي الأوسع، ويشير هذا الانخراط المتزايد إلى أن الدبلوماسية الأمريكية‑الإيرانية في المستقبل لن تبقى شأنًا ثنائيًا محضًا، بل ستصبح جزءًا من إطار إقليمي أوسع تسعى فيه دول الخليج إلى إرساء قنوات اتصال مؤسسية تمنع انزلاق الخلافات المقبلة إلى مواجهة عسكرية مباشرة.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير