«طالبان».. القنبلة الموقوتة

https://rasanah-iiis.org/?p=32370

في 15 أغسطس 2021م، سيطرت حركة طالبان على كابول، ثمّ بعد ذلك أحكمت سيطرتها على مقاطعة بنجشير في 07 سبتمبر من نفس العام. وبعد أن واجهت مقاومةً طفيفة، حكمت «طالبان» البلاد بمجموعة من رجال الدين المحافظين، الذين يفرضون سيطرتهم على سياساتها، خاصَّةً تجاه النساء وحقوقهن وأدوارهن واختلاطهن بالجنس الآخر. وعلى الرغم من هذه السياسات المثيرة للقلق، لا تُبدي القوى العظمى والمنظَّمات متعدِّدة الأطراف اهتمامًا لما يجري في أفغانستان، التي تسيطر عليها «طالبان»؛ بسبب انشغال تلك الدول بالحرب الروسية-الأوكرانية. يناقش هذا التحليل حركة طالبان بعد عامين من استيلائها على كابول، مسلِّطًا الضوء بصورة خاصَّة على الجوانب الرئيسية لديناميات الحركة، وكذلك على سياساتها الداخلية والخارجية.

خَلَف الملا عمر؛ مؤسِّس «طالبان»، الملا أختر محمد منصور، وبعد اغتياله، خَلَفه الملا هيبة الله آخوند زاده أميرًا لـ«طالبان». وشَغَل الملا يعقوب، نجل الملا عمر، منصب وزير الدفاع الأفغاني، بينما يشغل سراج الدين حقاني حقيبة وزارة الداخلية، وكان والده جلال الدين حقاني، أحد القادة المؤسِّسين لـ«طالبان». ويُهيمن مجلس رجال الدين، صاحب الكلمة الأخيرة في المسائل الأيديولوجية والسياسية للحركة، على مجلس قُدامى المحاربين من عهد حُكم طالبان السابق، الذي انتهى في أواخر عام 2001م. وتمكَّنت «طالبان» من حلّ الخلافات الداخلية بشكل ملحوظ، وكان ذلك جليًّا، من خلال إيجاد بديل كُفء لوزير التعليم بالإنابة نور الله منير، ولم يُقدَّم أيّ سبب لهذا التغيير وغيره من التعديلات الوزارية. وعلى الرغم من الاختلافات والضغوط العِرقية والفقهية والسياسية داخل الحركة، قضى الانضباط داخل الحركة على احتمالية الانقسام والاقتتال الداخلي بصورة نهائية.

على الجبهة الداخلية، لم تُواجه «طالبان» أيّ مقاومة من التحالف الشمالي، حيث عَلَّق الغرب آماله على هذا التحالف بعد سقوط كابول، ونكثت «طالبان» بتعهُّدها بالعفو، وقتلت أكثر من 200 جندي ومسؤول أفغاني سابق. وأفادت بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان، بأنَّ فترة سيطرة «طالبان» على السلطة حتى 30 يونيو 2023م، تقدِّم صورةً واقعية لمعاملة الأفراد المرتبطين بالحكومة السابقة وقوات الأمن الأفغانية. وقال مفوَّض الأُمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك: «بل وأكثر من ذلك، وعلى الرغم من أنَّ هؤلاء تلقُّوا  تطمينات بعدم استهدافهم، فإنَّ ذلك يُعَدُّ خيانةً لثقة الشعب». وقد وضَعَ تنظيم «داعش خراسان» نفسه كمنافس للنظام الحاكم، الذي وُصفت هجماته «الإرهابية» المتفرِّقة بأنَّها «مُروِّعة»، إلا أنَّها لم تُحدِث ضررًا كبيرًا على سيطرة «طالبان». وتمكَّنت حكومة «طالبان» من اقتفاء أثر الملاذات الآمنة لتنظيم «داعش خراسان»، وإضعاف قوّتها البشرية وقُدراتها؛ حتى لا تُشكِّل تحدِّيًا لها. ومنذ أغسطس 2021م، سيطرت «طالبان» على الموارد وعلى الترسانة العسكرية لأفغانستان؛ لكيلا يتمكَّن «داعش خرسان» من الاستحواذ عليها. وتفتقر قوّة التنظيم الداعشي، البالغ عددها بضعة آلاف من المقاتلين، إلى الدعم الشعبي، الذي تتمتَّع به «طالبان» في معظم أنحاء البلاد، ولا تُعَدُّ غارات الطائرات المسيَّرة والاشتباكات المسلَّحة والتفجيرات الانتحارية ظاهرةً شائعة في أفغانستان، فعلى الرغم من انتشار الخوف والفقر، تتمتَّع البلاد ببعض مظاهر السلام.

ويواجه نظام «طالبان» تحدٍ جدير بالملاحظة من باكستان، التي أبدت حذرها من سياسات «طالبان» منذ استيلائها على كابول، وتتّهِمها بإيواء إرهابيين يستخدمون الأراضي الأفغانية لشنّ هجماتٍ على الأراضي الباكستانية. وحصلت اشتباكات دامية بين باكستان وأفغانستان على الحدود بينهما، أسفرت عن خسائر كبيرة في الأرواح، ولجأت إسلام أباد إلى القيام بضربات دقيقة داخل الأراضي الأفغانية. وبسبب تردُّد حكومة «طالبان» في قطع علاقاتها مع إخوانهم «المتشدِّدين» في المناطق الحدودية الباكستانية، ستستمِرّ التوترُّات في التصاعد مع إسلام أباد، وقد تُصبِح أكثر دموية. ومع ذلك، لم تُعرقِل إسلام أباد توريدَ السلع الأساسية والخدمات الطبِّية والآلات إلى أفغانستان، وتواجه باكستان مهمَّةً شاقَّة، تتمثَّل في السيطرة على التهريب عبر حدودها الغربية مع أفغانستان وإيران.

وعلى عكس الفترة الأولى، يمكن وصف علاقات «طالبان» مع إيران بأنها سَلِسة وعملية، إذ تمكَّنت من السيطرة إلى حدٍّ كبير على تهريب الدولارات إلى إيران، وكذلك عمليات التهريب الأخرى، وظلَّت التجارة الثنائية مستقِرَّةً بين البلدين. ووُصِفت الاشتباكات الحدودية مع إيران بأنَّها دموية، لكنها ليست متكِّررة وشديدة، كما هو الحال مع باكستان. ومن المُحتمَل أن يتكرَّر النزاع الأخير حول تقاسُم المياه، الذي أدَّى إلى أخطر الاشتباكات الحدودية بين الجارتين؛ ففي مايو الماضي، استُخدِمت في الاشتباكات المسلَّحة على طول الحدود بين هلمند بلوشستان رشاشات آلية ومدفعية وقذائف صاروخية بينما لجأت إيران إلى استخدام طائرات هليكوبتر حربية وطائراتها المسيَّرة. ويعود سبب النزاع على المياه، إلى قيام أفغانستان ببناء سدود على نهر هلمند في السنوات الأخيرة. وتصِرُّ إيران على الامتثال الصارم لمعاهدة نهر هلمند لعام 1973م، التي أبرمها الشاه الإيراني. وفي الواقع، لم تقُم إيران بتركيب محطات هيدرومترية كافية لقياس تدفُّق المياه من أفغانستان، ويتطابق موقف «طالبان» من هذه المسألة مع موقف الرئيس الأفغاني المخلوع أشرف غني.

ولا تزال علاقات «طالبان» مع الجماعات المسلَّحة الأجنبية، خاصَّةً تنظيم القاعدة، محطّ الأنظار؛ فقد آوت سابقًا «طالبان» آخر زعيم لـ«القاعدة»؛ أيمن الظواهري، في قلب كابول، إلى أن اكتشفت الولايات المتحدة وجوده وقضت عليه عبر غارة بطائرة مسيَّرة في 31 يوليو 2022م. ولا تزال «طالبان» تنفي وجود الظواهري في كابول، وتُنكِر علاقاتها بتنظيم القاعدة. وبغضّ النظر عن رغبة جارات أفغانستان والقوى الكبرى للعمل مع حكومة «طالبان»، إلّا أنَّها اضمحلت بسرعة، بعدما ثبت بالدليل القاطع ارتباطها بعلاقاتها عميقة مع «القاعدة»؛ هذه المنظَّمة الإرهابية العابرة للحدود سيِّئة الصيت. وتُساوِر بعض الدول، مثل الصين التي تواصل الاستثمار في أفغانستان، شكوكٌ في إيواء «طالبان» جماعات متشدِّدة أجنبية.

تخطَّت حكومة «طالبان» حتى الآن التوقُّعات على الجبهة الاقتصادية، وثمَّة تغيير جرى في تعاملها مع الاقتصاد، خلال فترة ولايتها الأولى. ومع ذلك، لا يمكن للتوازن الاقتصادي المنخفض المستوى، الذي عمِلَت حكومة «طالبان» على الحفاظ عليه، أن يجعل الأفغان في حالة من الازدهار، ولا يمكنه حقًّا بدء عملية إعادة الإعمار، التي يبدو أنَّ البلاد في أمسّ الحاجة إليها، لا سيّما مع ارتفاع معدل التضخم إلى 20%. وفي الوقت ذاته، تشهد قيمة العُملة الأفغانية ثباتًا نسبيًا؛ إذ تُجمَع الضرائب بالقوّة، ويُحارَب الفساد على نطاق واسع، كما حدث لتهريب الدولار الأمريكي وزراعة الأفيون. وساعدت كفاءة «طالبان» في تحصيل الإيرادات وإصدار تراخيص التعدين وكذلك الواردات والصادرات، على دفع رواتب الموظَّفين وإدارة مشاريع تنموية شحيحة. ولم تُنفِّذ الحركة بحكمة عمليات تطهير في وزارة المالية وفي بنك الدولة. وعقِب سيطرة «طالبان» على البلاد، لم تفقد كابول السيطرة على احتياطات البلاد البالغة 9 مليارات دولار فحسب، بل فقدت أيضًا 8 مليارات دولار من المساعدات الخارجية. كما حُرِمت «طالبان»؛ بسبب عُزلتها الدولية وسياساتها التي تنتهك معايير حقوق الإنسان، من الوصول إلى الشبكات والنُظُم المالية العالمية، فضلًا عن مساعدة المنظَّمات غير الحكومية.

لا يمكن ترْك «طالبان» لإدارة شؤونها الخاصَّة؛ فمنذ المرَّة الأخيرة، التي حاول فيها العالَم عزْل أفغانستان قبل وبعد هجوم خُوست الصاروخي على أسامة بن لادن في عام 1998م، تلقَّى العالَم صدمةً في 11 سبتمبر 2001م. وتحكُم «طالبان» الدولة الآن بأريحية، دون مساعدات خارجية ولا ضغوط. واستضافت «المتشدِّدين الدينيين»، الذين كانوا على رأس السلطة، مثل زعيم القاعدة منذ وقت ليس ببعيد. وقد يتجسَّد أحد السيناريوهات بتقديم إحدى الدول مساعدةً مالية وتكنولوجية سرِّية لواحدة أو أكثر من الهجمات الإرهابية الشبيهة بـ 11/9 في أوروبا و/أو الولايات المتحدة، وحتى لو لم يحدُث هذا، فثمَّة إمكانية حقيقية لخطر انهيار أفغانستان واندلاع حرب أهلية بين فصائل «طالبان»، أو الصراع على أُسُس طائفية أو عِرقية؛ لذا تُعَدُّ المشاركة البراغماتية مع «طالبان» الخيار الوحيد لجيران أفغانستان الجغرافيين، ودول الخليج العربي، وكذلك لدول الغرب.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير