لواء فاطميون.. استغلال إيران فقر المهاجرين الأفغان

https://rasanah-iiis.org/?p=17041

«شاركتُ في 30 عملية صعبة ودموية ضدّ «داعش» وتَعرَّضت للإصابة ثلاث مرات، كما أن مسؤولي الحرس الثوري لم يوفوا بوعودهم التي قطعوها لنا، حتى إنهم رفضوا علاج مصابي «فاطميون». أنا الآن جريح ولا أستطيع العمل، وأحاول العودة إلى أفغانستان، لأنني توصلت إلى نتيجة مفادها أنه عقيدتنا وحاجتنا استُغِلّتا». كانت هذه كلمات محمد دانش عضو لواء «فاطميون» بعد 4 سنوات من الانضمام إلى هذه المجموعة العسكرية، والآن هو مشرَّد في إيران بسبب الإصابات التي لحقت به في المعارك في سوريا.
كان يجني قوت يومه في إيران كعامل، وانضمّ إلى لواء فاطميون في أوائل عام 2015 عندما اتسعت سيطرة داعش في سوريا والعراق، بينما كان الحرس الثوري ينظم جيشًا من المقاتلين من بين المهاجرين الأفغان في إيران.
ويقول محمد دانش إنه جُرح ثلاث مرات في الحرب مع «داعش» وأُرسِلَ عدة مرات للعلاج في المستشفيات التابعة للحرس الثوري ولكنهم لم يستقبلوه، مشيرًا إلى أنه يشعر بخيبة أمل وانزعاج بسبب الوعود التي لم ينفذها الحرس الثوري، ويبحث عن طريق للعودة إلى أفغانستان. لقد استُخدم دانش ومئات من المهاجرين الأفغان في إيران من أجل الحرب في سوريا، وفي الوقت الحالي إيران مضطرَّة أو راغبة في إخراج هذه القوات من هذا البلد، وأصبح أعضاء لواء «فاطميون» حائرين بين العودة إلى أفغانستان وتحمل الظروف والبقاء في إيران.

هل «فاطميون» مقاتلون مأجورون أم عَقَدِيّون؟
لواء «فاطميون» أنشأه في 12 مايو 2013 قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري اللواء قاسم سليماني بهدف محاربة «داعش». في البداية كانت قيادته بيد علي رضا توسلي المشهور بأبو حامد، وهو من المهاجرين الأفغان في إيران. وكان لهذه المجموعة دور كبير في الحرب في سوريا تحت العلم الإيراني، ووصلت قواتها قبل عام إلى 36480 شخصًا.
على الرغم من أن أنشطة هذه المجموعة تتم تحت شعارات من قبيل «الدفاع عن حرم أهل البيت»، ومحاربة الأفكار المعادية للشيعة وخدمة المذهب الشيعي، تُعتبر وعود مسؤولي الحرس الثوري الجذابة للمهاجرين الذين تركوا بلادهم بسبب الفقر والجوع، العامل الأساسي في حشد هذا الجيش في الحرب السورية. كانت بطاقة أحوال إيرانية، ومرتبات شهرية للمقاتلين وعائلاتهم، والدعم الدائم لعائلات قتلى الحرب، من الوعود التي أرسلت آلاف المهاجرين الأفغان طوال السنوات الخمس الماضية إلى جبهة الحرب السورية المحتدمة.
وانتقدت منظمات حقوق الإنسان الدولية والحكومة الأفغانية عدة مرات عملية التجنيد التي تنفّذها الحكومة الإيرانية للمهاجرين من أجل الحرب في سوريا والعراق، واعتبرت هذا التجنيد انتهاكًا واضحًا للمبادئ والممارسات الدولية المتعلقة بالمهاجرين، ولكن الحكومة الإيرانية شكّلَت جيشًا كبيرًا من 34 ألف شخص من المهاجرين دون اعتبار لهذه الانتقادات. وفي الوقت الحالي انتهت الحرب في سوريا وعاد آلاف المقاتلين من لواء «فاطميون» إلى إيران وأفغانستان، ويقول عدد منهم إن الحكومة الإيرانية استغلتهم واستخدمتهم فقط أداةً في الحرب السورية. وَفقًا لقول بعض أعضاء لواء «فاطميون»، فقد كان مرتب كل عضو من هذه المجموعة 3 ملايين تومان في الشهر، وهو ما يعادل الراتب الشهري لجندي في الجيش الأفغاني.

وعود واهية!
محمد دانش هو أحد المهاجرين الذين انضموا إلى لواء «فاطميون». تحدث لموقع «زمانه»، قائلًا إنه ذهب هو وكثيرون من أعضاء لواء «فاطميون» لما وصفه بـ «الدفاع عن الأماكن المقدسة والحرب ضدّ داعش» بدافع الحاجة المادية والاعتقاد الديني والثقة بوعود مسؤولي الحرس الثوري، ولكن لم يُنفَّذ أي وعد من هذه الوعود، وفقًا لما قاله دانش، بعد أن تَحدَّث قاسم سليماني إلى المرشد الإيراني عن «انتهاء سيطرة داعش في سوريا»، أُهمِلَ مصابو وعائلات ضحايا لواء فاطميون. فرهاد أميري المقيم في ولاية سربل في شمال أفغانستان أحد أعضاء لواء «فاطميون»، وقد شارك خلال السنتين الماضيتين في 15 عملية ضدّ «داعش» في أجزاء مختلفة من سوريا. يقول إنه كان قد سافر إلى إيران قبل خمس سنوات بسبب الفقر والبطالة في أفغانستان، وهناك «كان يحصل على أجر عامل» وجذبته دعاية ووعود الحرس الثوري من أجل الانضمام إلى لواء «فاطميون». ويقول فرهاد إن مسؤولي الحرس الثوري كانوا وعدوه هو ورفاقه بأنهم سيحصلون على «هوية إيرانية» إذا عادوا أحياء من الحرب. في الوقت الحالي فرهاد بالكاد قادر على العيش بجسده المصاب في مدينة سربل بشمال أفغانستان. يقول إنه منذ عام وبعد الإصابات الشديدة التي لحقت به في الحرب، عاد من سوريا إلى إيران ليعالَج بمساعدة الحرس الثوري. وعندما ذهب إلى الحرس الثوري في طهران من أجل الحصول على المساعدات المالية وعلاج جروحه، أُرسِلَ إلى الحدود الأفغانية. لم يعُد فرهاد مناسبًا لدخول ساحات القتال، لهذا أخرجوه من إيران بحقيبة ملابس رَثَّة وجسد مصاب.
يقول فرهاد: «كان الحرس الثوري يمنح وعودًا كثيرة لجذب اهتمام المهاجرين الأفغان إلى جبهة الحرب في سوريا، ولكن بعد ذلك فهمنا أن جميع هذه الوعود كانت وعودًا واهية. لو كانت هذه الوعود قد نُفّذَت لكنت بصحتي الآن، ولكن جسدي صار محطَّمًا من الحرب، وأسعى للعثور على لقمة خبز من أجل البقاء على قيد الحياة»، كما يعرب فرهاد عن ندمه بسبب «استغلال حاجة وعقيدة وثقة المهاجرين الأفغان في إيران».
لدى فرهاد قصص مروِّعة حول جبهة الحرب في سوريا ومقتل رفاقه، ففي عملية في دمشق ذهب مع 1700 شخص من لواء «فاطميون» إلى العمليات، وبعد 10 ساعات من المعركة عاد منهم على قيد الحياة 300 شخص فقط.

عائلات كثيرة صارت بلا عائل!
يقول محمود سادات، أحد قادة لواء فاطميون الذي شارك في العمليات العسكرية لهذه المجموعة من عام 2014م حتى أواخر عام 2018م: خلال السنوات الست الأخيرة قُتل 5500 شخص من أعضاء هذا اللواء، وفُقد 1200 شخص وأصيب نحو 7000 شخص. يقول محمود الذي كان يعمل في مستويات عسكرية مختلفة في هذه المجموعة إنه شارك في 90% من عمليات «فاطميون» في أماكن مختلفة من سوريا مثل دمشق وإدلب وجورين وحلب، وأصيب 4 مرات. وعلى الرغم من أن محمود يرى أنه حارب من أجل الدفاع عن الأماكن المقدسة، فإنه منزعج بسبب عدم اهتمام الحرس الثوري بالمصابين وعائلات القتلى في الحرب السورية. وهو يقول إنه شخصيًّا لا يتوقع الحصول على أموال أو بطاقة أحوال إيرانية من الحرس الثوري، ولكن «يجب تنفيذ الوعود الممنوحة لعائلات صارت بلا عائل، وقُتل رجالها في سوريا».
تتحدث وسائل الإعلام الإلكترونية وقناة «تليغرام» التابعة لـ «فاطميون» كل يوم عن إقامة مراسم مختلفة لاسترضاء نساء وأبناء المقتولين في الحرب السورية، لكن أعضاء هذا اللواء يقولون إن كل هذه البرامج هي محض نفاق وخداع. إن عملية زيارة مقابر قتلى الحرب والاحتفال بأعياد ميلاد أبناء القتلى ومواساة ممثلي المرشد الإيراني لأمهات القتلى ومراسم ذكرى القتلى هي من البرامج التي تُروَّج يوميًّا في الشبكات الإعلامية للواء فاطميون.
يقول محمد دانش إن آلافا من عائلات المهاجرين الأفغان في إيران صارت بلا عائل خلال 6 سنوات من الحرب في سوريا.
ووفقًا لما قاله دانش فقد كان الحرس الثوري وعد أعضاء «فاطميون» في البداية بأنهم لو قُتلوا في الحرب فسوف تحصل عائلاتهم على بطاقات أحوال إيرانية، وسوف يحظون بمساعدات حكومية دائمة. ولكن ما يبدو حاليًّا هو أن الشيء الوحيد الذي يحدث لعائلات القتلى هو إقامة احتفالات أعياد الميلاد لليتامى، وإقامة مراسم زيارة مقابر القتلى.

أطفالٌ جنودٌ في لواء فاطميون
لم يَسلَم أطفال المهاجرين الأفغان في إيران من نيران الحرب في سوريا؛ إذ أعلن مرصد حقوق الإنسان في أكتوبر 2016 أن الحرس الثوري أرسل أطفالًا تحت السن القانونية (18 سنة) من المهاجرين الأفغان في لواء «فاطميون» للحرب في سوريا. ويقول المرصد إنه قد حُدّد قبر 8 أطفال من المهاجرين الأفغان قُتلوا في سوريا، واعتبر المرصد عمل الحكومة الإيرانية هذا شاهدًا على جرائم الحرب. وفي حوار مع موقع «زمانه» يؤكّد أعضاء لواء «فاطميون» وجود أطفال تحت 18 سنة في الحرب السورية، يقول محمود سادات إن مئات الأطفال من بين المهاجرين الأفغان في إيران كانوا ينضمُّون إلى «فاطميون» طواعية أو تحت تأثير دعاية الحرس الثوري، وقُتل كثير منهم بسبب انعدام الخبرة العسكرية.
في اعتقاد محمود، كان للعوز الاقتصادي دور في انضمام جميع هؤلاء الأشخاص بخاصَّة الأطفال إلى لواء «فاطميون»، لأن أجور العمال الأفغان انخفضت خلال في السنوات الأخيرة بسبب انخفاض قيمة العملة الإيرانية في الأسواق العالمية.
نشرت قناة «تليغرام» التابعة للواء «فاطميون» مؤخرًا إعلانًا حول المراهقين القتلى في الحرب السورية، يعود إلى تاريخ 9 مارس، وبُثّت هذه الوثيقة في مواقع التواصل الاجتماعي تحت عنوان «ذكرى شهداء الشباب المدافعين عن الحرم»، مع صور لعدد من المراهقين من المهاجرين يرتدون الزي العسكري، كما نُشرت صور أخرى على وسائل الإعلام التابعة للواء «فاطميون» عن مقاتلي هذه الجماعة، يُشاهَد فيها حضور المراهقين بوضوح. يبيِّن هذا أن الحرس الثوري لم يتردد في استخدام أي وسيلة للوصول إلى أهدافه في سوريا.
تُقر المحكمة الجنائية الدولية بأن التجنيد الإجباري أو حتى التطوعي للأطفال تحت سن 15 سنة في القوات المسلحة واستخدامهم من أجل المشاركة في النزاعات المسلحة جريمة حرب.
تقول الناشطة الإعلامية في مزار شريف راضية موسوي، التي التحق أخواها بـ «فاطميون» دون إذن من العائلة إثر دعاية الحرس الثوري ووعوده، إن «إيران تستغلّ حاجة ومعتقَد الأفغان المهاجرين في مغامراتها دون رحمة».
تقول موسوي التي أعدت كثيرًا من التقارير الوثائقية عن وجود الأفغان في الحرب السورية، إنها تعرف كثيرًا من العائلات التي فقدت أبناءها المراهقين تحت 18 سنة في الحرب السورية. وأضافت أن «الحكومة الإيرانية رغم عدم وفائها بأي من وعودها للقتلى والجرحى خلال الحرب في سوريا، لم تكلف نفسها في كثير من الحالات عناء نقل الجثث من سوريا إلى أفغانستان لتدفنها عائلاتها». تعتقد راضية موسوي أن الهجرة ظاهرة طبيعية ومن حقوق الإنسان، ولكن الحكومة الإيرانية تستغلّ المهاجرين الأفغان أداةَ حرب ووسيلةً لفرض الضغط في دبلوماسياتها.

الحرب انتهت.. لكن ليس بالنسبة إلى فاطميون
الآن وبعد انتهاء الحرب، بقي جزء من لواء «فاطميون» في سوريا، وعاد جزء آخر إلى إيران وأفغانستان. لا يزال محمد دانش في إيران، وهو في أحد المعسكرات التابعة لـ «فاطميون»، ويقول نقلًا عن قائدين من قادة هذه الجماعة مرتضوي وسيد جواد: «من المقرَّر اختيار 7000 شخص من أفضل هذه العناصر مؤهَّلين من بين 34 ألف شخص من هذا اللواء، وأن يبقوا في قوة القدس التابعة للحرس الثوري». على الرغم من أنه ليس من المعروف ما هدف الحرس الثوري من الإبقاء على 7000 عنصر مسلَّح داخل إيران، فإن هذا الإجراء أثار مخاوف حول استخدام هذه القوات ضدّ الاعتراضات داخل إيران.

مادة مترجمة عن موقع «راديو زمانه»

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير