سوريا على مفترق طُرُق..الهجمات الأخيرة وتعقيدات اندماج قوات سوريا الديمقراطية

https://rasanah-iiis.org/?p=38683

دخلت الحكومة السورية وقوّات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي يقودها الأكراد، في نزاع استمرَّ عاملًا كاملًا حول شروط دمْج قوّات «قسد» ضمن مؤسسات الدولة السورية، وقد فات الموعد النهائي في أواخر  2025م دون إحراز تقدُّم يُذكَر. وبعد انقضاء الموعد النهائي، سيطرت القوّات السورية بسرعة على الأراضي كانت تحت سيطرة قوّات «قسد»، وبعد ذلك وقَّع الجانبان اتفاقية شاملة للاندماج في 18 يناير، ومن المقرَّر الآن استئناف المحادثات المدعومة من الولايات المتحدة؛ لوضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل. وفي هذا الصدد، يسلِّط التصعيد الأخير بين الجيش السوري وقوّات «قسد» الضوء على التحدِّيات المستعصية المتعلِّقة بالاستقرار الداخلي في سوريا. وإلى جانب البُعد العسكري، يعكس الوضع الحالي في سوريا الترابط بين الديناميكيات الإقليمية وتداعياتها على الاستقرار الداخلي في سوريا، بينما يكشف في الوقت نفسه عن تصدُّعات هيكلية أعمق في بيئة أمنية إقليمية متحوِّلة.

بعد سقوط نظام الأسد، تمكَّنت الحكومة المؤقَّتة من توطيد سُلطتها، على الرغم من أنَّ نحوَ ربع سوريا تقريبًا ظلَّ تحت سيطرة قوّات سوريا الديمقراطية. وكجزء من اتفاقية مارس 2025م، وقَّع الرئيس أحمد الشرع وقائد قوّات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي اتفاقًا لنقل المؤسسات، التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية والمعابر الحدودية وحقول النفط لسيطرة الدولة. وعلى الرغم من محاولات الاندماج، استمرَّت التوتُّرات بين قوّات «قسد» والحكومة السورية على مدى الأشهر العديدة الماضية. وفي الآونة الأخيرة، احتدمت هذه التوتُّرات في حلب، حيث استخدم المقاتلون المرتبطون بقوّات «قسد» الأسلحة الثقيلة، متجاهلين الاتفاقات السابقة؛ ما دفَعَ الجيش السوري للرد. وتطوَّرت الاشتباكات اللاحقة، لتشمل هجمات الطائرات المسيَّرة وتبادُل القصف المدفعي، ومن ثمَّ تصعيد الصراع؛ ما دفَعَ دمشق في النهاية لشنِّ عمليات عسكرية. ثمَّ توصَّل الطرفان إلى اتفاق هُدنة لمدَّة أربعة أيام، مُدِّدت لاحًقا حتى 8 فبراير، على الرغم من أنَّ كل طرف يتّهِم الآخر بانتهاك الاتفاق. وتأتي الهُدنة في ظل استمرار تقدُّم الحكومة السورية، الذي أسفر عن استعادة أراضٍ كانت تحت سيطرة قوّات «قسد». وقد أضعفت النكسات، التي واجهتها قوّات سوريا الديمقراطية، قُدرتها بشكلٍ كبير على إجراء مفاوضات.

وتعكس مقاومة قوّات «قسد» لعملية الاندماج المخاطر السياسية والاقتصادية الكبيرة المرتبطة بها، إذ تسيطر على مناطق في شمال شرق سوريا تضُمّ ما يصِل إلى 80% من موارد النفط والغاز في البلاد، وحصَّة كبيرة من القاعدة الزراعية، لكن قوَّتها تآكلت بسبب الانقسامات الداخلية وضعْف التماسك. قبل الحرب، كان قطاع الطاقة يُسهم بما يصِل إلى 25 % من الناتج المحلِّي الإجمالي ويولِّد نحو 3 مليارات دولار سنويًا، واليوم لا يتجاوز رُبع مستويات ما قبل الحرب، لذا فإنَّ استعادة السيادة على هذه الموارد أمرٌ بالغ الأهمِّية لتعافي سوريا، كما أنَّ التحكُّم في موارد الطاقة يُتيح لدمشق استقطاب المستثمرين الأجانب، واتّباع إستراتيجية وطنية متماسكة لإعادة الإعمار. وتُشير الاتفاقات الأخيرة مع شركاتٍ من الولايات المتحدة ودول الخليج وتركيا، إلى جانب مشاريع ضخمة لتوليد الطاقة، إلى محاولات دولية حذِرة ترمي إلى عودة الانخراط الدولي، ولا يمكن تحقيق ذلك في ظل استمرار الانقسام. وبالتالي، لم يعُد دمْج قوّات «قسد» بالنسبة لدمشق مجرَّد ضرورة أمنية؛ بل هو شرْط أساسي لتحسين الاقتصاد السوري، وترسيخ أركان السُلطة.

وقد برَزَ الأمن الداخلي، بوصفه الركيزة الأساسية في مساعي سوريا لإعادة بناء الثقة الإقليمية والدولية. وفي هذه المرحلة، لا يقتصر استعادة الاستقرار الداخلي على ترسيخ السُلطة فحسب، بل يُعَدُّ أيضًا عنصرًا أساسيًا لمنع تحوُّل الاضطرابات الداخلية إلى مدخل للاستغلال الخارجي، لا سيّما في ظل بيئة أمنية إقليمية انتهكت فيها إسرائيل مرارًا القانون الدولي لتوسيع مناطقها العازلة. ويُفسِّر ذلك تركيز الحكومة على الأمن الداخلي، وإدارة اتفاقات وقف إطلاق النار، وآليات إعادة دمْج العناصر السابقة في قوّات «قسد».

وبعيدًا عن العوامل الداخلية، تؤثِّر الديناميات الجيوسياسية الإقليمية وتحوُّلات الانخراط الغربي كذلك في الأمن والاستقرار الداخليين في سوريا. فقد أصبح الدور الأمريكي أكثر حسمًا في توجيه مسار المرحلة الانتقالية، وعلى مدى عقْد من الزمن، اعترفت الولايات المتحدة بقوّات «قسد»، ودعمتها بوصفها قوَّة لمكافحة الإرهاب في مواجهة تنظيم «داعش»، على الرغم من كونها كيانًا غير دولي، يسيطر على منطقة واسعة تضُمّ الجزء الأكبر من موارد سوريا النفطية والغازية.

غير أنَّ إدارة ترامب غيَّرت السياسة الأمريكية عبر الانخراط المباشر مع دمشق، والاضطلاع بدور الوسيط في مسار دمْج «قسد». وتُشير القرارات والإجراءات الأمريكية الأخيرة إلى تنامي الدعم للحكومة السورية، كما عكَسَ إدراج واشنطن لسوريا ضمن «التحالف الدولي ضدّ تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)»، تنامي قبولها بسُلطة الدولة المركزية في البلاد. وبعد أكثر من عقْد من التعاون في محاربة التنظيم، يبدو أنَّ الولايات المتحدة بدأت تدريجيًا في تقليص تحالفها مع «قسد». وقد صرَّح مسؤولون أمريكيون، من بينهم المبعوث توم باراك، بأنَّ المبرِّرات الأصيلة لهذه الشراكة فقَدَت إلى حدٍّ كبير صلاحيتها.

وبدلًا من ذلك، تُفضِّل واشنطن اليوم العمل مباشرةً مع الحكومة السورية برئاسة الشرع. ويعكس هذا التحوُّل إعادة تقييم براغماتية لنهج حقبة ترامب، فضلًا عن تفضيلٍ أمريكي طويل الأمد لدولة سورية موحَّدة ومركزية على حساب هياكل الحُكم الذاتي الكردية. وبالنسبة إلى «قسد»، أسهمت هذه التطوُّرات في تصاعُد الضغوط للاندماج ضمن الدولة السورية، في ظل تزايُد حالة عدم اليقين بشأن استمرارية وطبيعة الدعم الأمريكي مع تغيُّر الظروف الميدانية.

كما اقتربت الدبلوماسية الأوروبية أكثر من الموقف الأمريكي؛ إذ بات الاتحاد الأوروبي يؤكِّد على دمْج «قسد» ضمن دولة سورية موحَّدة، مقرونًا بضمانات دستورية للحقوق السياسية والثقافية للأكراد. وقد تعهَّد الشرع علنًا بحماية اللغة الكردية والحقوق الثقافية، وتأكيدها في الدستور السوري القادم.

وبالنسبة للدول المجاورة، لا سيّما العراق، يظَلّ استقرار سوريا مصدرَ قلقٍ رئيسي، نظرًا لطبيعة الحدود وقُربها بين البلدين. ووفقًا للتقارير، فـرَّ عشرات المُشتَبه بانتمائهم إلى جماعات مسلَّحة من سجن الشدّادي، قبل أن يُعاد اعتقال 81 منهم، عقِبَ سحْب «قسد» حرّاسها من مخيّم الهول ومرافق مجاورة. واتّهمت الحكومة السورية «قسد» بالتخلِّي عن مواقعها، في ظل تعثُّر المفاوضات بشأن نقل إدارة السجون.

وفي خِضَمْ التصعيد الأخير، نشَرَ العراق قوّات إضافية على حدوده، كما يعكس نقْل معتقلي «داعش» من مناطق سيطرة «قسد» إلى العراق مخاوف واشنطن بشأن هشاشة وقْف إطلاق النار في سوريا، في ظل استمرار الاشتباكات ومخاطر الهروب من السجون. وقد تُسهم هذه التطوُّرات أيضًا في تعزيز سردية تهديد «داعش»، التي تستخدمها الميليشيات الموالية لإيران في العراق، لتبرير استمرار عسكرة نفوذها وحضورها السياسي، لا سيّما في ظل التطوُّرات السياسية في بغداد وانسحاب الولايات المتحدة من المنطقة.

وفي السياق الراهن، كان دورُ تركيا ذا تأثير بالغ؛ فلطالما نظرت أنقرة إلى «قسد» من زاوية تهديد «حزب العُمّال الكردستاني»؛ ما دفعها إلى التنسيق الوثيق مع دمشق خلال العمليات العسكرية الأخيرة. ويتماشى تآكُل السيطرة الإقليمية لـ«قسد» مع الأهداف التركية المتغيِّرة، لا سيّما في إطار مبادرة السلام عقِبَ قرار الحزب نزْع سلاحه؛ الأمر الذي قلَّص تسامُح أنقرة مع التشكيلات الكردية المسلَّحة عبر حدودها. أمّا بالنسبة لدول الخليج، فإنَّ دمج «قسد» واستعادة الاستقرار في سوريا، يُعَدُّ أمرًا ضروريًا لتعزيز انخراطها السياسي والاقتصادي. وبالنسبة لدمشق، يشكِّل دعْم دول الخليج عنصرًا محوريًا في جهود التعافي وإعادة الإعمار بعد النزاع.

في المرحلة المقبلة، سيتطلَّب إعطاء الأولوية لتوحيد سوريا وتعزيز استقرارها الداخلي، ليس فقط تقوية قُدرات الدولة، بل أيضًا إيجاد مسارات موثوقة لتحقيق إدماج سياسي حقيقي. ويُعَدُّ تحقيق هذا التوازن أمرًا حاسمًا لمنع تجدُّد التفكُّك، وضمان آليات استقرار طويل الأمد، لا سيّما في ظل مخاطر استغلال فجوات الحوكمة غير المعالجة لتعميق الهواجس الإقليمية وفتْح المجال أمام التدخُّلات الخارجية.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير