يعيش الشرق الأوسط هُدنة هشَّة، فبعد إنفاق أكثر من 25 مليار دولار ومقتل 13 جنديًا، لا تزال الولايات المتحدة بعيدة كل البُعد عن وضوح موقفها بشأن تدمير القُدرات النووية الإيرانية وتقويض قوَّتها المزعزعة للاستقرار، وفي الوقت الراهن برَزَ الحصار المزدوج لمضيق هرمز بوصفه «الخيار النووي» الإيراني، أي الأداة الردعية القصوى المتاحة لطهران قبل أن تمتلك وتكشف قوَّة الردع الحقيقية.
وقد أسهمت شكوك واشنطن في أنَّ الهجمات، التي استمرَّت 12 يومًا على منشأة نطنز وغيرها من المنشآت في إيران لم تدمِّر مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب بشكلٍ كامل، في دفعها إلى مواصلة حملتها المشتركة مع إسرائيل، وزادت طهران من هذا الغموض عبر منْع مفتِّشي الوكالة الدولية للطاقة الذرِّية من الدخول،. وبعد مرور أكثر من شهرين على حربه الثانية ضد إيران، لا يزال الرئيس ترامب ينتظر ما إذا كان «الغبار النووي» -كما يسمِّيه- سيتكشَّف، وفي 16 أبريل، ادّعى الأخير أنَّ إيران عرضت تسليم «الغبار النووي»، لكن طهران نفت تقديم أيّ عروض من هذا القبيل، ووفقًا لما ورَدَ في يونيو 2025م فإنَّ مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب بنسبة 60% (سداسي فلوريد اليورانيوم، UF6) موجود في الحالة الغازية وليس الصلبة، وهو مُخزَّن في أسطوانات معبَّأة داخل حاويات زرقاء ضخمة تُعرَف باسم «الحاويات الخارجية»، ويُعتقَد أنَّها دُفِنت في أنفاق عميقة تحت منشأة أصفهان النووية. وإذا صحَّ ذلك، فقد تكون الحاويات سليمة في أعماق الأرض، على الرغم من قصْف الموقع، وإذا كانت الحاويات مخزَّنة على عمق يتجاوز نطاق تأثير قنبلة «جي بي يو-57» الأمريكية الخارقة للتحصينات، فمن المُحتمَل أنَّها نجت دون ضرر. ومع تعاون إيران يمكن للوكالة الدولية للطاقة الذرِّية استعادتها بسهولة نسبية، وإن كان يتطلَّب جهدًا ميدانيًا كبيرًا، أمّا إذا قرَّرت الولايات المتحدة وإيران استعادة هذه المواد بالقوَّة، فقد تتطلَّب العملية جهدًا غير مسبوق وفترة زمنية غير محدَّدة وتسبِّب خسائر فادحة.
وعلى الرغم من أنَّ مخاطر التعرض للإشعاع الناتج عن سادس فلوريد اليورانيوم ضئيلة، فإنَّ تسرُّب الغاز المضغوط وتفاعله مع رطوبة الهواء أو العرق يسفر عن تكوّن حمض الهيدروفلوريك، وهو مادَّة ضارَّة، ويمكن أن يتسبَّب التلوُّث الإشعاعي الموضعي في وقوع حادث خطير إذا تسرَّب سادس فلوريد اليورانيوم بكمِّيات كبيرة؛ ما يؤدِّي إلى ما يُعرَف بحادثة الحرجية، وفي مثل هذه الحالة، لن تحتاج عمليات التطهير إلى وقت أطول فحسب، بل ستحتاج إلى فرق متخصِّصة أيضًا. لذا؛ فإنَّ أي عملية سرِّية تقوم بها القوّات الخاصَّة الأمريكية (مثل القبّعات الخضراء أو قوّات البحرية الخاصَّة أو قوّات دلتا)، ستكون محفوفة بدرجة عالية من المخاطر وعدم اليقين إلى جانب مخاطر غير معروفة.
وفي أسوأ السيناريوهات، أي في حال الانهيار الكامل للمسارات الدبلوماسية ونجاح إيران في إخفاء ونقْل مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب -الذي يبلغ وزنه 408.6 كيلوغرام من أصل 9247.6 كيلوغرام من مخزونها الصافي (بما في ذلك جميع مستويات التخصيب وجميع الأشكال الكيميائية)- فإنَّ بإمكانها تحويله إلى يورانيوم صالح لصُنع الأسلحة أي بنسبة تخصيب 90% في مجمع جوفي آخر تحت الأرض يقع على عُمق 150 متر تقريبًا تحت جبل بيك آكس (كوه كولانغ غاز لا). وكانت طهران قد أبلغت الوكالة الدولية للطاقة الذرِّية بوجود هذا المجمع، لكنَّها لم تُفصِح عن أيّ تفاصيل تصميمية في آخر اجتماع ومراسلات بينهما قبل حرب الأيّام الاثني عشر، ولا يزال حجم الأضرا،ر التي لحِقَت بالمنشآت النووية الإيرانية، بما في ذلك جبل بيك آكس، غير واضح، وحتى لو كان الموقع عميقًا جدًّا بحيث لا يمكن قصفه بأكثر القنابل الأمريكية فتكًا، فمن المُحتمَل أن تكون العمليات في الموقع قد توقَّفت لتجنُّب ترْك أيّ آثار كيميائية أو آثار بشرية يمكن أن تكشف طبيعة العمل القائم، ويزداد الغموض تعقيدًا مع الأسئلة المتصاعدة حول دور روسيا في تسهيل إنتاج البلوتونيوم في مفاعل بوشهر.
ووفقًا لشركة روساتوم الروسية، يُخزَّن حاليًا 210 أطنان من الوقود النووي المستهلك في بوشهر، وتُشير الوكالة الدولية للطاقة الذرِّية إلى أنَّه وباحتساب متوسِّط معدل إنتاج البلوتونيوم البالغ 0.25 غرام لكل ميغاواط‑يوم حراري يكون المفاعل قد أنتج 2000 كيلوغرام من البلوتونيوم، وتؤكِّد الوكالة، التي تأسَّست في تسعينيات القرن الماضي، أنَّ جميع أنواع البلوتونيوم المستخدمة في المفاعلات قابلة للاستخدام في الأسلحة.
وفي هذا السياق دعت مقالة نُشِرت مؤخَّرًا في مجلة «بوليتن أوف ذا أتوميك»، إلى فرْض رقابة شبه فورية في بوشهر، وأصرَّت على أن تقوم إيران بشحن الوقود النووي المُستهلَك من بوشهر إلى روسيا (أو جهة مسؤولة أخرى) كل 36 شهرًا، ووقف بناء المفاعل الثاني، وحظر إنتاج أكاسيد البلوتونيوم واليورانيوم، غير أنَّ المقترحات التي طرحها هنري سوكولسكي -المدير التنفيذي لمركز تعليم سياسات منع الانتشار النووي في أرلينغتون، فرجينيا- لم تُدرَج حتى الآن ضمن مطالب الوكالة الدولية للطاقة الذرِّية أو الولايات المتحدة أو الغرب من إيران حتى الآن.
وفي الوقت الذي تعتمد فيه الحكومة الأمريكية بشكلٍ كبير على صهْر الرئيس ترامب ومبعوثه الخاص لإدارة الملف، تُقدِّم إيران أفضل خبرائها النوويين، الذين يتمتَّعون بخبرة دبلوماسية نووية تمتد لعقدين من الزمن إلى طاولة التفاوض، وحتى إذا خفَّف ترامب من حدَّة خطابه العلني الانفعالي والمُبهَم، فلن تكون المفاوضات مع طهران سهلة، حتى بالنسبة لأبرع العقول في فريقه.
وإذا جرى ربْط إعادة فتح مضيق هرمز بالتوصُّل إلى تسوية ناجحة للخلافات النووية، فسيتعين على اقتصاد الخليج والاقتصاد العالمي الاستعداد لتأثيرات تستمرّ لأشهر إن لم تكُن لسنوات.