د. محمود حمدي أبوالقاسم و د. محمد الصياد
باحثان في معهد «رصانة»
مقدِّمة
بعدما رفضت إيران تسوية خلافاتها مع واشنطن عبر الدبلوماسية، واستنفذت دول المنطقة جهودها من أجل تفادي الحرب، شنَّت الولايات المتحدة وإسرائيل هجومًا عسكريًا شاملًا على إيران في 28 فبراير 2026م، وهي الحملة الثانية في أقلّ من عام، والتي أصبح عنوانها الرئيسي هو إسقاط النظام، وذلك بعد أن وصلت العلاقة بين واشنطن وطهران إلى مفترق طُرُق بعد أكثر من 47 عامًا من العداء الأيديولوجي الراسخ، وبعد أن فشلت فرص احتوائه بالدبلوماسية، أو بأنماط مختلفة من الردع. وعلى ما يبدو أنَّ واشنطن قد تحرَّكت لتغيير النظام الإيراني، بعدما رفَضَ النظام الإيراني الاستجابة لشروط ترامب، وبعدما قرأ خطأً الواقع الإقليمي المتغيِّر بعد السابع من أكتوبر، وعدم إمكانية إعادة إنتاج نمط السلوك التقليدي لاستعادة النفوذ التقليدي.كما تحرَّكت واشنطن تحت تأثير نهْج ترامب وموقفه الشخصي الصارم من إيران، وميوله للتدخُّل بالقوَّة على الصعيد الخارجي لتغيير الواقع لصالح واشنطن، والثقة في التفوُّق العسكري الأمريكي، والأهم النزعة الأيديولوجية لبعض عناصر إدارته ومؤيِّديه، والتي تتوافق مع الميول الإسرائيلية وتطلُّعاتها لتشكيل الشرق الأوسط وتدشين عصر إسرائيل المهيمنة في الإقليم، ولإنجاح إستراتيجية تحقيق السلام باستخدام القوَّة، التي تنادي بها إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي.
ومع أنَّ الولايات المتحدة قد حقَّقت حتى الآن نجاحات مهمَّة، بما في ذلك ضرْب رأس النظام وترْك «ولاية الفقيه» في مأزق ديني وسياسي، فضلًا عن إضعاف النظام بصورة شاملة، غير أنَّ دفْع النظام نحو التآكُل والانهيار بالكلِّية لم يتحقَّق بعد، وهو ما قد يفرض على الولايات المتحدة اتّخاذ سياسات بديلة باعتبار عملية التغيير هدف لا حياد عنه. ستحاول هذه الورقة الإجابة عن استفسارها الرئيسي المتمحور حول فرص نجاح العملية العسكرية الأمريكية في تغيير النظام والبدائل الممكنة، وذلك في عدَّة نقاط أساسية، هي: البيئة الإيرانية التي حفَّزت الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي المشترك، والأدوات والرهانات الأمريكية في الصراع، والفرص والتحدِّيات التي نجمت عن المواجهة، والبدائل المطروحة في حال تمسُّك واشنطن بتغيير النظام في إيران.
أولًا: بيئة مواتية لدفع عملية التغيير
حفَّزت العملية العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية بيئة مواتية، إذ شهِدَت إيران ومحورها الإقليمي تراجعًا في فاعلية «الدفاع»، أي شبكة الردع الممتَدَّة عبر وكلاء وساحات (لبنان، العراق، اليمن…)، التي كانت تُستخدَم لإبعاد المعركة عن الداخل الإيراني، ورفْع كُلفة استهدافه. ومع ضربات متلاحقة طالت كوادر وشبكات وممرّات إمداد لوجستي، تراجَعَ مستوى الثقة بقُدرة المحور على منْع أو تعطيل ضربة إستراتيجية ضدّ إيران نفسها([1]). كما أنَّ نتائج ما يُسمَّى بـ «حرب الـ12 يومًا» أسهمت في حدوث انكشاف عسكري لإيران، من مظاهره تحجيم القُدرات الدفاعية، وتحقيق السيادة الجوِّية لواشنطن وإسرائيل، وإزالة المخاوف العاجلة من الاختراق النووي، ومنْح الولايات المتحدة وإسرائيل الوقت والفرصة والاستعداد والتخطيط لهذه المعركة.
من جهة ثانية، مثَّلت الاحتجاجات الشعبية الأخيرة، إشارة لدى واشنطن وتل أبيب إلى تراجُع شرعية النظام أو تآكُل تماسُكه الاجتماعي، ووجود بيئة داخلية يمكن الاستثمار فيها لإحداث «تغيير سياسي»، أو على الأقلّ دفْع البلاد نحو أزمة حُكم عميقة تعطِّل قُدرات الدولة الإستراتيجية (النووي/الصواريخ/الإسناد الإقليمي). فقد شهِدَت السنوات الأخيرة موجات متكرِّرة من الاحتجاجات الشعبية، قُوبِلت في كثيرٍ من الأحيان بإجراءات أمنية صارمة، شمِلَت اعتقال ناشطين سياسيين وصحافيين وبعض الشخصيات «الإصلاحية»، إضافة إلى القيود المفروضة على المجال العام وحرِّية التعبير.
يمكن النظر إلى أحد الدوافع، التي استُحضِرت لتبرير الحرب على إيران في الخطاب السياسي والإعلامي الغربي، من زاوية الداخل الإيراني نفسه، حيث جرى تقديم النظام باعتباره نموذجًا لسُلطة سياسية شديدة المركزية، تميل إلى توظيف أدوات القمع الأمني للحفاظ على استقرارها.
وتمَّ تقديم ذلك بوصفه دليلًا على ما يصِفه منتقدو النظام بطبيعة الحُكم السُلطوي، حيث تتداخل السُلطة الدينية والسياسية في بِنية واحدة تحِدُّ من إمكانات التعدُّدية السياسية. كما تُستحضَر مسألة الفساد المالي، وتغلغُل شبكات المصالح المرتبطة بالمؤسسات الأمنية والاقتصادية الكُبرى داخل الدولة الإيرانية، بوصفها عاملًا إضافيًا في هذا السرد السياسي؛ إذ تُشير بعض التحليلات إلى أنَّ تركُّز الموارد الاقتصادية في مؤسسات شبه حكومية أو مرتبطة بالحرس الثوري أدَّى إلى تكوين منظومة اقتصادية مغلقة نسبيًا، تتّهِمها بعض الأصوات الداخلية والخارجية بضعف الشفافية والمساءلة.
وفي هذا الإطار، يُطرَح ملف الحرِّيات والفساد، باعتباره جزءًا من المبرِّرات، التي يستخدمها خصوم إيران، ليس فقط باعتباره نزاعًا جيوسياسيًا حول النفوذ الإقليمي أو البرنامج النووي، بل أيضًا باعتباره مواجهة ذات بُعد سياسي وأخلاقي يتعلَّق بطبيعة النظام الحاكم نفسه ومشروعيته الداخلية.
الأهم من ذلك، أنَّ إسرائيل والولايات المتحدة تتشوَّقان إلى خلْق شرق أوسط جديد خالٍ من التحدِّيات أمام مصالحهما (عبر نتنياهو مرارًا عن هذا الهدف)، وذلك لا يتحقَّق إلا بإزالة أي قوَّة قائمة أو مُحتمَلة قد تمنع الهيمنة أو تقيِّدها. ومن ثمَّ يصبح الهدف ليس مجرَّد إضعاف النظام الإيراني أو احتوائه، بل تغيير النظام أو إعادة هندسته، حتى ينتج نظامًا أقلّ عداءً، ورُبَّما مواليًا، أو على الأقلّ دولة مُنهَكة لا تستطيع القيام بوظائف القوَّة الإقليمية. وبعبارة أدقّ، يبدو الهدف هو تغيير البيئة الإستراتيجية؛ حتى تُفتَح الطريق لسيادة إقليمية إسرائيلية أمريكية أوسع، وتمكين ترتيبات أمنية واقتصادية جديدة تُدار من أعلى.
حتى مع وجود مسار تفاوضي، فإنَّ الاعتقاد بأنَّ إيران تقترب من عتبة تكنولوجية أو زمنية (حقيقية أو مُتصوَّرة) يجعل خيار الحرب، في عقل صُنّاع القرار، أقلّ كُلفة من انتظار «اللحظة التي يصبح فيها المنع مستحيلًا». هذا العامل يضغط باتّجاه الضربة الاستباقية، خصوصًا إذا اقترن بقراءة ضعْف دفاعات إيران المتدرِّجة. بهذه الاعتبارات، تبدو الحرب قرارًا لإنتاج «مُخرَجات سياسية كُبرى»، وهندسة شبه كاملة، بوسيلة عسكرية، لا مجرَّد جولة قصف لتحسين شروط التفاوض، وهو ما يفسِّر اتّساعها وتعدُّد ساحاتها.
إذن يتّضِح أنَّ قرار الحرب لم يكُن مجرَّد استجابة ظرفية لتعثُّر التفاوض، أو لتطوُّرات تقنية في البرنامج النووي الإيراني، بل هو تعبير عن لحظةٍ إستراتيجية ترى فيها واشنطن وتل أبيب فرصة للتخلُّص من عدو طالما أرَّق واشنطن في المنطقة، وهدَّد حدود إسرائيل ولا يزال، كما هو فرصة لإعادة صياغة موازين القوَّة في الشرق الأوسط، قبل أن تتبلور معادلة ردْع جديدة أكثر تعقيدًا، فالصراع في جوهره يدور حول من يملك حق تعريف النظام الإقليمي: هل هو نظام تُحدِّد قواعده القوَّة الأمريكية ويُصان بتفوُّق عسكري إسرائيلي واضح، أم فضاء متعدِّد الأقطاب تتقدَّم فيه قُوى إقليمية قادرة على إنتاج استقلال إستراتيجي خاص بها؟
ومن ثمَّ فإنَّ الحرب تبدو محاولة لقطع الطريق على تحوُّل إيران إلى قوَّة يصعب احتواؤها، عبر ضرْب بِنيتها العسكرية والرمزية في آنٍ واحد، وإعادة إدماج الإقليم ضمن توازنات تضمن استمرار التفوُّق الإسرائيلي؛ إذ لا يتعلَّق الأمر فقط بتحييد قُدرات عسكرية أو تعطيل برنامج نووي، بل بصراعٍ على المعنى السياسي نفسه داخل الشرق الأوسط. فإيران تمثِّل، في نظر خصومها، نموذجًا لدولة تحاول الجمع بين السيادة السياسية والشرعية الدينية في إطار «مشروع ثوري عابر للحدود»، وهو نموذج ترى القُوى الغربية والإسرائيلية أنَّه يهدِّد بِنية النظام الإقليمي القائم. لذلك، فإنَّ ضرْب هذا النموذج أو إضعافه يصبح -في الحسابات الإستراتيجية- خطوة ضرورية للحفاظ على هندسة إقليمية، يكون فيها مركز الثِقَل العسكري والسياسي واضحًا وغير قابل للمنافسة.
وعليه، يمكن القول إنَّ الحرب لا تُفهَم باعتبارها مجرَّد مواجهة عسكرية محدودة، بل باعتبارها محاولة لإعادة ترتيب البِنية الإستراتيجية للمنطقة على المدى الطويل. فهي تسعى إلى إنتاج بيئة إقليمية جديدة تُعاد فيها صياغة توازنات الردع، وتُحدَّد فيها حدود القوَّة المسموح بها للقُوى الإقليمية، بما يفتح الطريق أمام نظام إقليمي أكثر انضباطًا لمنطق الهيمنة الأمريكية الإسرائيلية. وفي هذا السياق، يصبح قرار الحرب جزءًا من مشروع أوسع لإعادة هندسة الشرق الأوسط، لا مجرَّد حلقة عابرة في سلسلة الصراعات التقليدية، التي عرفتها المنطقة.
ثانيًا: رهانات الحملة العسكرية
لا تتحقَّق الرؤية الأمريكية-الإسرائيلية في ظل «ترامب ونتنياهو»، إلّا من خلال القضاء على النظام الإيراني، وليس السيطرة على مصادر قوَّته وتحييدها، لهذا قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنَّ هدف هذه الحرب «الواسعة النطاق والمستمرَّة» ليس أقلّ من تغيير النظام. ومن ثمَّ يمكن القول إنَّ الولايات المتحدة وإسرائيل راهنتا أولًا على إسقاط النظام عبر تشجيع الثورة الداخلية، وبالتالي مع بدء الطائرات والصواريخ الأمريكية والإسرائيلية ومهاجمة البِنية التحتية العسكرية والأمنية الإيرانية، واستهداف كبار قادتها في 28 فبراير 2026م، دعا كلٌّ من ترامب ونتنياهو الشعب الإيراني إلى اغتنام الفرصة للانتفاضة والإطاحة بالنظام([2])، حيث حثَّ ترامب المدنيين على «السيطرة» على الحكومة بعد انتهاء الغارات الجوِّية، قائلًا: «ستكون لكُم. رُبَّما تكون هذه فرصتكم الوحيدة لأجيالٍ قادمة». لقد أغرى ترامب ونتنياهو مئات الآلاف من الإيرانيين للتظاهر لأسابيع، منذ ديسمبر 2025م وحتى مطلع العام 2026م، والافتراض بأنَّ التدخُّل العسكري يفتح الطريق نحو عملية التغيير المرجوَّة، وذلك باعتبار أنَّ المحتجِّين افتقروا إلى القوَّة في مواجهة القمع المُفرِط، الذي راح ضحيته الآلاف من أولئك المحتجِّين([3]).
وعلى ما يبدو أنَّ مظاهر الضعف، التي بدت في حرب الـ12 يومًا وتدهوُر أوضاع «محور إيران»، قد ولَّدت قناعات إستراتيجية بأنَّ شنْ حملة جديدة بقوَّة هائلة سوف تفكِّك النظام الإيراني. في سياق ذلك، شنَّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربة عسكرية مشتركة واسعة النطاق تمَّ فيها توزيع الأدوار، وراهَنَ الجانبان على أنَّ إيران ستكون أكثر هشاشة أمام الضغط العسكري والتفوُّق التكنولوجي والقوَّة الساحقة والسيادة الجوِّية على سماء إيران، وكثافة الضربات، حيث شنَّت واشنطن في أول يومين أكثر من 1250 ضربة، وتمَّ الاعتماد على سلاح الجو المتطوِّر، وكثافة النيران، والمنظومات الدفاعية المتطوِّرة لشل ردّ الفعل الإيراني، وتطوُّر الهجوم فيما بعد؛ ليشمل تدمير الأُصول الإستراتيجية، والمواقع العسكرية والأمنية، فضلًا عن منشآت الطاقة، وغيرها من المنشآت الحيوية، التي تُضعِف من قُدرة النظام على أداء وظائفه ومهامه الأساسية، بما يقوِّض شرعيته أمام مواطنيه.
وظنَّت الولايات المتحدة ومعها إسرائيل، أنَّ عملية سريعة وخاطفة قد تقودها إلى تحقيق أهدافها، حتى إنَّ ترامب كتَبَ على منصَّة «تروث سوشيال» في 3 مارس 2026م: «لقد انتهت دفاعاتهم الجوِّية، وقوّاتهم الجوِّية، وبحريتهم، وقيادتهم. إنَّهم يريدون التحدُّث. قُلتُ لهم: فات الأوان».
ضمن رهانات الحرب، استهدفت الولايات المتحدة رأس النظام وقياداته العُليا، وبالفعل نجحت الولايات المتحدة في استهداف المرشد علي خامنئي وقتله مع 40 من قيادات الصف الأول، خلال اجتماع في بيت المرشد في اليوم الأول للحرب، حيث أعلن ترامب أنَّ خامنئي قُتِل في مجمعه السكني في طهران، وأنَّ الضربات ستستمرّ «طالما كان ذلك ضروريًا لتحقيق هدفنا». وبناءً على ذلك، دعا ترامب عناصر الأمن للاستسلام، قائلًا لهم: «سنمنحكم الحصانة والحق في الوقوف إلى الجانب الصحيح من التاريخ»، كما حثَّ الدبلوماسيين الإيرانيين حول العالم على طلب اللجوء، والمساعدة في تشكيل «إيران جديدة وأفضل»، في أحدث مساعيه لاقتلاع النظام الإيراني.
ومن الواضح أنَّ الولايات المتحدة وإسرائيل راهنتا على إحداث خلخلة في النظام، عبر استهداف المرشد وكبار القيادات في بداية الحرب، وراهنتا على أن يقود ذلك نحو تسريع عملية الانهيار، ظنًّا بأنَّ النظام يتمحور حول شخص المرشد، وأنَّ غيابه قد يقود النظام نحو الانهيار ورُبَّما الانقسام، أو رُبَّما راهنت واشنطن على لعِبَ دور في اختيار خليفته، كما جرى في فنزويلا.
لكن مع إظهار النظام بعض التماسك ومحاولة ملأ الفراغ، اتّجهت واشنطن إلى تطوير عملياتها العسكرية، وإبداء الاستعداد لمعركة أطول. وفي هذا السياق، بدأت هجمات من شأنها إضعاف قوَّة النظام العسكرية والحد من قُدرته على إدارة البلاد، وتمَّ تكثيف الضربات في حرب استنزاف من شانها في النهاية أن تقوِّض النظام وتعزله داخليًا وخارجيًا.
وقد تزايدت المؤشِّرات على أنَّ إسرائيل تضغط على إدارة دونالد ترامب، لأجل استخدام ملف الأقلِّيات وحشْد الجماعات المسلَّحة، وذلك كبديل عن التورُّط في حربٍ برِّية لا يرغب ترامب في المجازفة به، كما لا يبدو الجيش الأمريكي أو الإسرائيلي مستعدّان لها.
ويبدو أنَّ ثمَّة رهان على المعارضة الإيرانية الكردية المسلَّحة في العراق في شنِّ هجوم برِّي داخل إيران عبر الحدود الغربية. في سياق ذلك، قامت كلٌّ من الولايات المتحدة وإسرائيل بقصف البِنية التحتية الأمنية في المحافظات ذات الأغلبية الكُردية في غرب إيران، وكان الرهان أن تمهِّد هذه الضربات الطريق للجماعات الكردية المسلَّحة للتحرُّك من أجل مواجهة النظام. والحقيقة أنَّ هذا الأمر دفَعَ البعض إلى الظن بأنَّ ثمَّة رهان آخر رُبَّما أبعد من تغيير النظام، وهو الدفع نحو عملية تفكيك للدولة، باعتبار أَّن هذه الجماعات لديها مشروع قومي خاص يركِّز على الهويَّة الكردية([4]).
ثالثًا: فرص التغيير وإشكالاته
على الرغم من أنَّ النظام الإيراني يبدو متماسكًا، ويحاول أن يملأ الفراغ ويخلق مستوى من الردع مع الولايات المتحدة وإسرائيل، لكن الواضح أنَّ وضْع إيران بعد الحرب ليس ما قبله على كافَّة المستويات، فقد أدَّى مقتل خامنئي إلى أزمة أيديولوجية ترتبط بمستقبل «ولاية الفقيه»، وقد يقود اختيار ابنه خليفه له إلى اضطراب، حيث يتِم معه تهميش النظرية داخل الفكر السياسي الشيعي، ورُبَّما يتِم استهدافه؛ ما يضع «ولاية الفقيه» برُمَّتها في مأزقٍ وجودي، وهي النظرية التي كرَّست مبدأ العداء للولايات المتحدة.
من جهة ثانية، لا يعني قُدرة النظام على الصمود أنَّه قد يحتفظ بتلك الميزة على مدى أطول، إذ من الواضح أنَّ الهجمات العسكرية متواصلة، وقد تمَّ تدمير الكثير من المقوِّمات العسكرية، والأُصول الإستراتيجية، وحقَّقت واشنطن نتائج مهمَّة فيما يتعلَّق بتقويض قُدرة إيران البحرِّية وقُدراتها الصاروخية. وبطبيعة الحال، استنزفت الحرب مخزونها، ويبدو أنَّ التصعيد الإيراني وصَلَ ذروته وهو في مرحلة تراجُع، وهو هدف أمريكي أساسي ولا تزال الضربات تركِّز على حسْم هذا الملف، الذي لم ترغب إيران في حسمه عبر المفاوضات. ومن الصعب توقُّع حشْد الولايات المتحدة كل هذه القوَّة، وتحمُّل كل هذه التكلفة، دون أن تتابع هدفها الأسمى، وهو تغيير النظام في إيران.
بالإضافة إلى ذلك، فإنَّ مواصلة الاستهدافات الجوِّية الأمريكية والإسرائيلية، والتركيز على مستودعات الوقود ومصافي النفط، وضرْب الأُصول الإستراتيجية، والمراكز الصناعية والتجارية، والمؤسسات المدنية، قد تخلق مع الوقت أزمة شرعية داخلية، حيث يعجز النظام عن أداء وظائفه؛ ما يزيد من السخط الشعبي، ويفتح الاحتمالات أمام الاحتجاجات، التي لو انفجرت في المرحلة الراهنة قد لا تتوقَّف قبل أن تطيح بالنظام مستفيدةً من الدعم الأمريكي. وتُشير المؤشِّرات إلى بوادر أزمة وقود، وأزمة أخرى في توفير بعض المتطلَّبات الأساسية للمواطنين.
وقد ارتكبت إيران خطأً إستراتيجيًا بشنِّ هجوم على دول الخليج، حيث فرضت على نفسها عُزلة اختيارية، بعد أن كانت دول الخليج نافذة مهمَّة لها نحو العالم، فقد خسرت إيران دول الخليج كقوَّة فاعلة ومؤثِّرة على الصعيد الإقليمي والدولي، وقوَّضت هجمات طهران مسار العلاقات، الذي تطوَّر بعد اتفاق بكين، ومواصلة هذه الهجمات رُبَّما يُشير إلى اتّجاه إيراني نحو الانتحار السياسي.
كذلك، فإنَّ الهجمات على دول الخليج وإغلاق مضيق هرمز، قد حفَّز قُوى أوروبية كفرنسا وبريطانيا إلى تغيير موقفها من الصراع، ونشْر أُصول عسكرية من أجل الدفاع عن الحلفاء الخليجيين، فضلًا عن تأمين حرِّية الملاحة، لكن لمواجهة محاولة إيران إدخال الاقتصاد العالمي في أزمة ركود عبر تعطيل صادرات النفط الإستراتيجية من المنطقة.
وبالمجمل، تنتج الحرب داخل إيران ثلاث أزمات متزامنة: الأولى هي أزمة الدولة تحت الضغط، فكُلَّما اتّسعت الضربات على المرافق الحيوية، اضطرَّت السُلطة إلى مزيد من العسكرة والتعبئة وتوسيع مهام القوّات الأمنية والمؤسسات العسكرية، وهذا قد يمنحها تماسكًا قصير المدى، لكنَّه يضعف قُدرتها على إدارة المجتمع بوصفه مجتمعًا، لا بوصفه جبهة. والثانية هي أزمة الشرعية الداخلية؛ لأنَّ النظام الإيراني قام طويلًا على معادلة تقول إنَّ «الدولة العقائدية» تؤمِّن الاستقلال والحماية والردع؛ لكن حين تصِل الحرب إلى العُمق الإيراني، فإنَّ سؤال الداخل يصبح مختلفًا: هل لا تزال الأيديولوجيا/ العقيدة تحمي الدولة، أم أنَّها باتت أحد أسباب تعريض المجتمع لكُلفة عالية وتعرُّض الدولة نفسها لمخاطر التفكُّك؟ والثالثة هي أزمة المركز والأطراف داخل بِنية الحُكم؛ ففي زمن الحرب تميل الكفَّة إلى المؤسسات الصلْبة، أي الحرس والأمن والعسكر، على حساب السياسة المدنية والبيروقراطية العادية، وهذا يُعيد تشكيل النظام من الداخل فيصبح معياره الأول هو البقاء. ولا شكَّ أنَّ هذا المسار لا يعني الانهيار السريع بالضرورة، لكنَّه يعني أنَّ النظام يربح انضباطًا مؤقَّتًا، ويخسر على المدى البعيد.
كذلك، فإنَّ الحرب تخلق داخل إيران انقسامًا في معنى الدولة نفسها؛ ففي الحالة العادية تستطيع الدولة العقائدية أن تقدِّم نفسها بوصفها حاملة لمعاني الكرامة، والاستقلال، ومقاومة الهيمنة. أمّا في حالة الحرب الممتَدَّة، فإنَّ المعنى يتعرَّض لاختبار عنيف، حين يصبح المواطن مُطالَبًا بأن يدفع ثمنًا يوميًا في الأمن والاقتصاد والحياة المدنية مقابل سردية كُبرى لم يعُد الجميع يفسِّرها بالطريقة نفسها. وكُلَّما طال أمد الحرب، انتقل المجتمع من سؤال «من هو العدو؟»، إلى سؤال «ما الذي تفعله الدولة من أجل الحياة والعيش والكرامة».
مع ذلك، هناك تحدِّيات أمام واشنطن، إذ إنَّ مسألة تغيير النظام الإيراني بالقوَّة مسألة لم تحظَ بإجماع داخل الولايات المتحدة، وتُثير مخاوف في المنطقة والعالم. فالداخل الأمريكي يرفض الحرب، ولا تقدِّم إدارة ترامب مبرِّرات مقنعة لخوضها، بل ينظر طيف سياسي واسع إلى الحرب على أنَّها لا تخدم هدف «أمريكا أولًا». وقد جاءت أشدّ الانتقادات، التي واجهها ترامب، من أشدّ مناصريه في السابق، من أمثال الإعلاميين ذائعي الصيت تاكر كارلسون وميغان كيلي ومات والش، وقد لفَتَ هذا الأمر انتباه البيت الأبيض، الذي اتّخذ موقفًا دفاعيًا على وسائل التواصل الاجتماعي وفي المقابلات، بل من ترامب نفسه، الذي قال إنَّ كارلسون «ضلَّ طريقه»([5]).
من جهة ثانية، هناك شكوك في فاعلية الحملة الجوِّية في تغيير الأنظمة السياسية، وحتى الآن لا تبدو واشنطن مستعدَّة لحملة برِّية تكمل من خلالها مهمَّة إسقاط النظام وفرْض نظام بديل([6]). ويتّصِل بذلك تحدِّي آخر، وهو الاستعداد الأمريكي لحرب طويلة لحين تحقيق هدف إسقاط النظام، والاستعداد لتحمُّل شن إيران حرب استنزاف طويلة المدى، ترفع التكلفة الجماعية للحرب على الجميع ([7]).
إضافة إلى ذلك، فإنَّ نطاق الحرب يتّسِع مع الوقت، وقد تدخل جبهات أخرى كاليمن. وبقدر ما تخسر إيران بسرعة مخزونها وقُدرتها على شنْ الهجوم، فإنَّ الولايات المتحدة أيضًا فقدت المزيد من مخزونها من الأسلحة الاعتراضية واستنزفت الذخائر، وقد حذَّر رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية الجنرال دان كين، من أنَّ الولايات المتحدة لا تملك ما يكفي من ذخائر وأنظمة الدفاع الجوِّي والصاروخي.
والملاحظ أنَّ واشنطن اضطرَّت تحت وقْع الاستهدافات الإيرانية، إلى نقْل أُصولها خارج نطاق دوائر الاستهداف الإيراني، وتحمُّل تكلفة إضافية في المواجهة، كما جرى من تحريك حاملة الطائرات «إبراهام لنكولن» إلى مسافة 1000 كيلومتر بعيدًا عن مرمي الصواريخ والمسيَّرات الإيرانية، وهو ما يرفع تكلفة الصراع ويرهق القوّات([8]).
كما يعمِّق من تحدِّيات واشنطن وإسرائيل في هذه الحرب، غياب الدعم الإقليمي الكامل من الحلفاء، والذي على ما يبدو يُعيق العمليات، إذ ترفض دول الخليج استخدام أراضيها وأجوائها في الهجوم على إيران، وذلك على الرغم من تعرُّضها لهجمات إيرانية. وبعد أربع حروب شنَّتها الولايات المتحدة في الخليج، رُبَّما لثاني مرَّة خلال أقلّ من عام، تخوض الولايات المتحدة حربًا في ظل عدم تنسيق كامل مع دول الخليج، وفي غياب دعْم سياسي صريح لها، إذ تكتفي بالتنسيق العملياتي مع إسرائيل. وهذا التنسيق بالأساس يمثِّل مصدرًا رئيسيًا لمخاوف إقليمية واسعة النطاق، من أنَّ الحرب تستهدف ما هو أبعد من التخلُّص من النظام الإيراني، وأنَّها حرب من أجل شرق أوسط جديد يُضِرّ بمصالح الخليج.
كذلك، تخوض الولايات المتحدة الحرب دون أيّ تنسيق ومساندة من حلفائها الغربيين، بل احتاجت الولايات المتحدة إلى وقتٍ طويل لإقناع بريطانيا بالسماح باستخدام قواعدها بالمحيط الهندي في الحرب، في حين رفضت دول أوروبية أخرى استخدام قواعدها في الحرب، كإسبانيا، التي هدَّد ترامب بقطع التجارة معها، بعد أنَّ صرَّح وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس بأنَّ بلاده لن تسمح للولايات المتحدة باستخدام القواعد المشتركة في جنوب إسبانيا، في أيّ ضربات لا يشملها ميثاق الأُمم المتحدة. ولا شكَّ أنَّ هذا الموقف الأوربي يعكس امتعاضًا من نهْج ترامب المنفرد، وردّ فعل على حجبه الدعم لأوروبا في مواجهة روسيا، وهو ما يعقِّد الحملة الأمريكية على إيران، وبالعموم يُضعِف الإجماع عبر الأطلسي، الذي طالما كان مؤثِّرًا على احتواء إيران.
وعلى ما يبدو أنَّ هناك سوء تقدير إستراتيجي أمريكي وإسرائيلي في الرهان، على أنَّ تقديم الدعم العسكري سوف يحفِّز على الثورة الداخلية على النظام، أو يمهِّد الطريق نحو الانشقاقات الداخلية. وقد أظهرت تقييمات استخباراتية أنَّ النظام الإيراني تمكَّن من الحفاظ على قبضته على السُلطة، على الرغم من الحملة الجوِّية الأمريكية-الإسرائيلية، التي قضت على رأس الهرم السياسي والعسكري، ودمَّرت بُنى تحتية حيوية، ويرجع ذلك إلى أنَّ النظام الإيراني قبل الحرب أنشأ «نظام متعدِّد الطبقات» لتحمُّل الأزمات([9]).
كذلك، فإنَّ الرهان على دعْم جماعات مسلَّحة لم يكُن خيارًا مثاليًا؛ لأنَّه لا تُوجَد مؤشِّرات قوية على أنَّ فصائل المعارضة لديها الاستعداد للدخول في مواجهة مع النظام في المرحلة الراهنة، فضلًا عن أنَّها تسعى خلف مشروعات انفصالية خاصَّة، وهذا بدوره لا يمثِّل تحدِّيًا لإيران وحسب، لكن لدول المنطقة ككُلّ، بما في ذلك حلفاء الولايات المتحدة، كتركيا والعراق، اللذان لديهما حساسية خاصَّة تجاه التلاعب بملف الأقلِّيات، الذي قد يفجِّر المنطقة، والأهم أنَّ إيران كثَّفت هجماتها وضغوطها على حكومة كردستان لمواجهة هذا التحدِّي.
وعلى الرغم من أنَّ هناك سخطًا اجتماعيًا عميقًا داخل إيران، وهناك أيضًا أزمات شرعية متراكمة، لكن هذا لا يساوي وجود بديل سياسي منظَّم قادر على الاستيلاء على الدولة، أو إعادة تركيبها. التقارير الحديثة تصِف المعارضة الإيرانية بأنَّها مجزَّأة بين ملكيين، و«مجاهدي خلق»، وحركات قومية-إثنية، وناشطين شبكيين، واحتجاجات اجتماعية بلا مركز قيادي موحَّد؛ كما أنَّ كثيرًا من هذه الأطراف يفتقد شرعية داخلية واسعة، أو حضورًا تنظيميًا فعليًا داخل البلاد.
رابعًا: المردود والمسارات الأمريكية البديلة
إنَّ الإصرار الأمريكي على إحداث تغيير جذري في إيران والتمسُّك بتغيير النظام، بوصفه سُلطة لا يمكن التعايش معها، لا سيّما بعد هجماته على دول المنطقة ودول الخليج تحديدًا، واستعداده لغلق مضيق هرمز والتأثير على الاقتصاد العالمي ككُلّ، قد يقود واشنطن إلى تغيير إستراتيجيتها في إيران من أجل تحقيق الهدف، الذي حشدت قوّاتها من أجله، عبر عدَّة خيارات أخرى، من بينها التحوُّل نحو خوْض حرب طويلة، وتكثيف الضربات العسكرية حتى نزْع شرعية النظام ودفعه نحو الانهيار، ورُبًّما القيام بتدخُّل برِّي حتمي لتحقيق غاياتها، وذلك تحت تأثير نزعة ترامب الشخصية، التي ترفض أن يُصوَّر صمود النظام على أنَّه هزيمة. والواقع أنَّ الولايات المتحدة لديها المرونة والقُدرة على توفير الموارد، لتنفيذ هذا التحوُّل.
يدعم هذا التحوُّل في مسار الحرب أيضًا الموقف الإسرائيلي الصارم، والإصرار على إزالة ما يراه صُنّاع القرار في إسرائيل على أنَّه تهديدات وجودية في المنطقة تمثِّلها إيران وأذرعها الإقليمية، كما قد تتلقَّى واشنطن مزيد من الدعم من الأطراف الأوروبية للمشاركة في الحرب، وذلك في ظل التحدِّيات والمخاطر، التي يفرضها الصراع على مصالح أوروبا.
وفي ظل حسابات إيران الخاطئة تجاه دول الخليج، وعدم تقديرها لجهودها الدبلوماسية في مرحلة ما قبل الحرب، فقد تغيِّر هذه الدول موقفها؛ الأمر الذي سوف يزيد من عُزلة طهران، كم قد يرفع من التكلفة القانونية والسياسية على إيران، ويُعيد العلاقات إلى مربَّع التوتُّر، ويضع مسار اتفاق بكين للمصالحة أمام تحدِّيات خطيرة.
لكن تظل مسألة النجاح الحاسم غير محصورة في إرادة واشنطن وتحرُّكاتها، وهو ما قد يحوِّل الحرب إلى «ورطة كُبرى»، لا يقف تأثيرها على المنطقة، بل على المشهد العالمي ككُلّ. وهُنا قد تأخذ واشنطن مسافة بعيدة عن موقف إسرائيل، وتعتبر أنَّها قد حقَّقت أهدافًا إستراتيجية طالما سعت إليها، وهو إيقاف البرنامج النووي الإيراني، وتدمير القُدرات الصاروخية، وترْك النظام في وضْعٍ أضعف، وبالتالي الإعلان عن وْقف الحرب وإعلان تحقيق الأهداف المرجوَّة.
وقد بدأت مؤشِّرات ذلك في تصريحات الرئيس ترامب، الذي يتحدَّث عن اقتراب الحملة العسكرية على إيران من تحقيق أهدافها، وهي تصريحات متوالية تُفيد بأنَّ واشنطن رُبَّما تمهِّد الظروف للإعلان عن وقْف الحرب، ولا شكَّ أنَّ نزعة ترامب الشخصية بقدر ما ترفض الهزيمة، لكنَّه لا يميل للتدخُّلات العسكرية طويلة المدى، ويعاير موقفه بناء على التكلفة المتوقَّعة.
ومن هذه الناحية، فإنَّ الحرب قد تكلِّفه خسارة سياسية في الداخل؛ الأمر الذي يعرِّض بقائه في البيت الأبيض للخطر، حيث من المؤكَّد أنَّ الحرب سيكون لها تأثير مهم على نتائج انتخابات التجديد النصفي المنتظرة في نهاية العام 2026م، وسوف تمثِّل خسارة الجمهوريين هزيمةً قد تُضِرُّ بمركز ترامب، وعلى أقلّ تقدير ببرامجه وسياساته. وتبدو خسارة ترامب أكبر، في ظل معارضة تيّاره «أمريكا أولًا» للحرب، واعتبارها حرب نيابة عن إسرائيل ولا تخدم المصالح الأمريكية.
كذلك، فإنَّ ترامب جاء ببرنامج من أجل إنعاش الاقتصاد الأمريكي، في حين أنَّ الحرب تقوِّض هذه الوعود على المدى الطويل، حيث ترتفع أسعار النفط عالميًا مع الاستهدافات الإيرانية لمراكز النفط والغاز في دول الخليج، فضلًا عن إغلاق مضيق هرمز، الذي يهدِّد إمدادات الطاقة العالمية، وهو ما كان له تأثيره على أسعار النفط والغاز، وهي مسألة لها مردودها على الرأي العام الأمريكي والغربي وموقفه من ترامب، وقد تظهر مؤشِّرات ذلك في صناديق الاقتراع.
ما يتّصِل بالنظام الإيراني نفسه، في هذه الحرب، هو أنَّ الولايات المتحدة وإسرائيل لا تواجهان سُلطة سياسية قابلة للاستبدال بسهولة، بل تواجهان بناءً لاهوتيًا-سياسيًا متجذِّرًا، دستوريًا وعقائديًا وأمنيًا. هذا البناء يقوم على ثلاث ركائز: «ولاية الفقيه» بوصفها مصدر الشرعية العُليا، والحرس الثوري باعتباره الحارس المادِّي للعقيدة والدولة، وغياب البديل المنظِّم القادر على وراثة السُلطة، أو إعادة تأسيسها. لهذا، فإنَّ الحرب قد تُنهِك النظام، وقد تُضعِف أطرافه، وقد تُفاقِم أزمته الاجتماعية، لكنَّها لا تكفي وحدها لتفكيكه، ما لم تتحوَّل الأزمة من خارجية إلى انشقاق داخلي في قلْب العقيدة والمؤسسة والسلاح.
وهُنا قد يبقى خيار أخير في ظل استمرار حالة العداء من جانب النظام، وهو مواصلة الضغوط والحصار، مع شنِّ ضربات عسكرية بين حين وآخر، كما جرى مع العراق في الفترة بين 1991م وحتى 2003م، مع استهداف القيادات والرموز، بما قد يمهِّد الطريق نحو سقوط النظام مع الوقت، أو التمهيد لحملة أخيرة قد تحقِّق الهدف الأسمى لواشنطن وتل أبيب. لكن رُبَّما لن تبقى إيران حتى ذلك الحين في موضع المشاهد دون تبنِّى إستراتيجية لرفع التكلفة أكثر في المستقبل، وقد تجري في مياه السياسة الأمريكية تغييرات تضغط على ترامب، أو تُنحِّيه من المشهد، وقد يتحرَّر صانع القرار الأمريكي في المستقبل من الضغوط الإسرائيلية و«اللوبي اليهودي»، الذي يتراجع تأثيره، وتصبح الأولوية للدبلوماسية بدلًا عن نهج القوَّة، الذي يكلِّف واشنطن مكانتها، ويحشد الحلفاء قبل الخصوم ضدّها، كما قد تغيِّر روسيا والصين من مواقفهما؛ لتجنُّب خسارة صديق وتدهور سُمعتهما كحلفاء موثوقين.
خلاصة
لا تزال إيران تشكِّل خطرًا جسيمًا على الأمن الإقليمي، ومع ذلك فإنَّ رهانات ترامب على قيادة عملية تغيير سياسي في إيران من أجل خلْق نظام جديد، تواجه صعوبات حتى الآن وتفرض مخاطر. لكن إصرار واشنطن على تحقيق هذا الهدف، قد يدفعها نحو تبنِّي إستراتيجية عسكرية بديلة، وخوْض حرب طويلة لم يكُن يرغب بها، لا سيّما بعد الحسابات الإيرانية الخاطئة في استهداف دول الخليج، وغلْق مضيق هرمز، ومحاولة التأثير على الاقتصاد العالمي ككُلّ. فقد أثبتت كل هذه التحرُّكات الاعتقاد السائد المتعلِّق بإيران، على أنَّها «قوَّة عدم استقرار إقليمي وعالمي» لا يمكن التعايش معها.
([1]) Reuters, Explainer: How Iran’s network of Middle East power faded, https://bit.ly/46QfTBq
([2]) Alan Pino, Trump wants Iranians to ‘take back their country’ from the regime. Can they?, atlantic council , (March 3, 2026), accessed: 11 Mar 2026. https://tinyurl.com/2352dhcv
([3]) David Frum, The Paradox of Trump’s Iran Attack, the Atlantic, (February 28, 2026), accessed: 11 Mar 2026. https://tinyurl.com/247xjggl
([4]) أمواج ميديا، تزايد التكهنات حول هجوم كردي يتزامن مع ضرْب إسرائيل والولايات المتحدة غرب إيران، (3 مارس 2026م)، تاريخ الاطلاع: 11 مارس 2026م، https://tinyurl.com/2cnfrfym
([5]) DAVID BAUDER, MEG KINNARD and ALI SWENSON, Cracks appear in Trump’s MAGA base as leading figures criticize the Iran war, ap news, (March 4, 2026), accessed: 11 Mar 2026. https://tinyurl.com/26p5jrv2
([6]) Daniel Block, Will Iranians Rise Up? Here Are the Odds, politico, (mar 1, 2026), accessed: 11 Mar 2026. https://tinyurl.com/24sznygp
([7]) Daniel Byman, 6 Questions about Operation Epic Fury, foreign policy, (February 28, 2026), accessed 11 Mar 2026. https://tinyurl.com/27tk473d
([8]) البابور، تحليل: اغتيال خامنئي قلَبَ الحسابات وأدخل واشنطن في مسار معقَّد، (2 مارس 2026م)، تاريخ الاطلاع: 11 مارس 2026م، https://albaboor.com/ar/archives/82323
([9]) Wessam Al Jurdi ، «لا انشقاقات ولا انتفاضات».. تقييمات استخباراتية: قبضة النظام الإيراني مُحكَمة، يورو نيوز، (6 مارس 2026م)، تاريخ الاطلاع: 11 مارس 2026م، https://tinyurl.com/23nffdrj