خلال الحرب الإيرانية، التي استمرَّت إلى الآن قرابة الأربعين يوميًا، أصبح مضيق هرمز البحري، الذي لا يتجاوز عرضه 21 ميلًا في أضيق نقاطه، مصدرًا للاضطرابات البحرية. فبعد إطلاق عملية «الغضب الملحمي» في 28 فبراير، التي استهدفت خلالها القوّات الأمريكية والإسرائيلية البِنية التحتية النووية والعسكرية الإيرانية، وأدَّت إلى مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، سارعت طهران إلى الرد عبر إحكام إغلاق المضيق فعليًا. ونشَرَ الحرس الثوري الإيراني زوارق هجومية سريعة وطائرات مسيَّرة وصواريخ وألغامًا بحرية عبر ممرّات الشحن الرئيسية، مُستهدِفًا السُفُن التجارية، ومحوِّلًا أحد أهمّ شرايين الطاقة في العالم إلى ساحة اشتباك مُتنازَع عليها.
وخلال أيام، انهارت حركة ناقلات النفط؛ وتضرَّرت أو تُركِت أكثر من اثنتي عشرة سفينة، وذهَبَ مصير عدَّة بحّارة بين قتيل ومفقود، وقفزت أسعار النفط العالمية إلى ما يزيد على 120 دولارًا للبرميل. وحتى بعد التوصُّل إلى وقْفٍ هشّ لإطلاق النار في 8 أبريل، لم تستعِد حركة الملاحة عافيتها. وأفادت تقارير بأنَّ إيران فرضت رسوم عبور تجاوزت مليون دولار لكل سفينة، ومنحت المرور بصورة انتقائية لشركائها المفضَّلين. وكشفت الأزمة، بوضوحٍ غير مسبوق، الهشاشة البنيوية، التي يعانيها مضيق هرمز؛ إذ تمكَّن فاعل إقليمي واحد عبر توظيف قُدراته في الحرب غير المتماثلة، أن يضع حصَّة كبيرة من تجارة الطاقة العالمية تحت التهديد. وخلال الحرب، التي استمرَّت 40 يومًا، تمكَّنت إيران من تعزيز موقعها الإستراتيجي، عبر استثمار قُدرتها على تعطيل حركة المرور في مضيق هرمز. ومن خلال تهديد تدفُّقات الطاقة العالمية، استخدمت طهران سيطرتها على هذا الممرّ الخانق أداةً للإكراه، فأسهمت في تشكيل ديناميات الصراع، ودفْع واشنطن نحو خفْض التصعيد، لكن وقْف إطلاق النار شكَّل انقلابًا في هذه المعادلة؛ فبدلًا من تجميد ميزان القُوى، خلَقَ ظروفًا مكَّنت الولايات المتحدة من ترسيخ موقعها. فمن خلال إقامة حصار بحري بحُكم الأمر الواقع، أخذت واشنطن تفرض تدريجيًا سيطرة تشغيلية على المضيق، بما أدَّى إلى تحييد واحدة من أبرز الأوراق الإستراتيجية بيد إيران. وقد أفضى هذا النهج، من دون اللجوء إلى استيلاء عسكري مباشر على بنى تحتية رئيسية مثل جزيرة خارك، إلى نتائج إستراتيجية مماثلة، عبر زيادة الضغط الاقتصادي والعسكري على إيران. وهكذا تمكَّنت الولايات المتحدة من تحويل هذا القيد النسبي في الحرب، إلى ورقة رابحة خلال وْقف إطلاق النار. ومن هذا المنظور، نجِد أنَّ إيران عزَّزت سيطرتها على المضيق خلال الحرب، لكن استعادت الولايات المتحدة سيطرتها عليه بفضل وقْف إطلاق النار، وبهذا قلبت الموازين إستراتيجيًا لصالحها.
وتكشف لنا هذه التطوُّرات دلالة تحليلية هامَّة جدًّا، مفادها أنَّ نفوذ إيران على مضيق هرمز يبلغ ذروته في ظروف الحرب، حيث تتضافر حالة عدم اليقين، ومخاطر التصعيد، وحساسية الأسواق، لتضخيم آثار تعطُّل المضيق. فطهران لا تحتاج إلى إغلاق المضيق إغلاقًا دائمًا كي تحقِّق أثرًا إستراتيجيًا؛ إذ يكفي مجرَّد التهديد بزعزعة الاستقرار لإعادة تشكيل التوقُّعات العالمية، وفرْض تبِعات اقتصادية، وحشْد دولي واسع. وبهذا المعنى، لا يعمل هرمز بوصفه ساحة يتعيَّن على إيران السيطرة عليها، بقدر ما يمثِّل منظومة تستطيع زعزعتها بكلفة منخفضة نسبيًا. ومن ثمَّ، فإنَّ ظروف الحرب تضاعف من قوَّة النفوذ الإيراني عليه، بما يمكِّن طهران من تعويض اختلال التوازن العسكري التقليدي في مواجهة الولايات المتحدة.
لكن الأزمة كشفت أيضًا عن دينامية ثانية لا تقِلّ أهمِّية، تتمثَّل في ضعْف لُحمة المجتمع الدولي في مواجهة مثل هذا التعطيل في أهمّ المضائق العالمية. فعلى الرغم من التشكيل السريع لتحالُف متعدِّد الجنسيات ضمَّ أكثر من 40 دولة في مطلع أبريل، كانت الاستجابة مجرَّد ردَّة فعل غير موحَّدة وغير فعّالة. وقد انعقد هذا التحالف بقيادة بريطانية، وركَّز على الضغط الدبلوماسي والعقوبات وعمليات إزالة الألغام مستقبلًا، لكنَّه أخفق في بلورة إطار تشغيلي موحَّد. ودعمت قُوى أوروبية، من بينها فرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا، مبادرات دفاعية لأمن الملاحة البحرية، لكنَّها رفضت صراحةً أيَّ انخراطٍ بحري هجومي. ووصَفَ الرئيس إيمانويل ماكرون أيّ محاولة لفرض تأمين المضيق بالقوَّة، بأنَّها «غير واقعية»، مستشهدًا بالمخاطر، التي تمثِّلها الصواريخ والطائرات المسيَّرة الإيرانية في المياه الضيقة. أمّا دول مجلس التعاون الخليجي، على رأسها السعودية والإمارات، فقد دعت إلى تحرُّك أكثر حسمًا، مع حرصها في الوقت نفسه على معايرة انخراطها العسكري المحدود لتفادي إشعال تصعيد أوسع، واعتمدت أطراف رئيسية أخرى مواقف حذِرة على خُطى دول الخليج؛ فقد امتنعت اليابان وأستراليا وإسبانيا عن نشْر أُصول بحرية، مفضِّلة إدارة المخاطر التجارية وسلامة الأفراد.
أمّا الدول الآسيوية المستوردة للطاقة، مثل الصين والهند وكوريا الجنوبية، فعلى الرغم من أنَّها تحمَّلت الكُلفة الاقتصادية الأكبر، فقد تجنَّبت المواجهة. وعلى وجه الخصوص، جمعت بكين بين انتقاد السلوك الإيراني والدخول في مفاوضات هادئة لتأمين مرور انتقائي لناقلاتها، في انعكاس لمقاربتها الأوسع القائمة على الموازنة الإستراتيجية.
وعلى مستوى المنظَّمات متعدِّدة الأطراف، قوَّضت المنافسة بين القُوى الكُبرى العمل الجماعي؛ فقد استخدمت روسيا والصين حق النقض ضدّ قرار في مجلس الأمن الدولي، الذي كان يهدف إلى إقرار إجراءات تضمن العبور الآمن، واعتبرتا ذلك خطوة نحو التصعيد. وكانت النتيجة نمطًا مألوفًا؛ توافقًا خطابيًا من دون وحدة تشغيلية على الأرض. وعلى خلاف حالات سابقة من التعاون البحري، مثل بعثات مكافحة القرصنة قبالة السواحل الصومالية، كشفت أزمة مضيق هرمز كيف أنَّ تبايُن تصوُّرات التهديد والاصطفافات الجيوسياسية يقوِّض الاستجابات المنسَّقة عندما تكون الدولة، لا الجهات من غير الدول، هي مصدر التعطيل.
وقد عزَّز هذا التشرذُم نفوذ إيران في الحرب؛ ففي غياب آلية دولية موحَّدة للإنفاذ القوانين، باتت إعادة فتْح المضيق تعتمد أقلّ على الفعل الجماعي، وأكثر على حسابات طهران نفسها. واعتمدت الولايات المتحدة موقفًا أكثر اندفاعًا؛ فنشرت أُصولها البحرية، ولوَّحت بتوجيه ضربات، ودرست إمكان تطبيق أنظمة للقوافل، غير أنَّ واشنطن نفسها واجهت صعوبة في حشْد دعْم حلفاء بصورة ثابتة ومتّسِقة. وكانت الحصيلة مقاربة مجزَّأة أبقت مضيق هرمز واقِعًا تحت النفوذ الإيراني، على الأقلّ في المدى القصير.
ومع ذلك، فإنَّ هذا النفوذ في زمن الحرب يبقى مقيَّدًا بطبيعته، ويصعب استمراره؛ فمع انحسار الأزمة المباشرة واستئناف الانخراط الدبلوماسي، تبدأ الأُسُس البنيوية، التي تمنح إيران أفضلية في التآكل، ناهيك عن أنَّ الانتقال من الصراع إلى التفاوض يبدِّل البيئة الإستراتيجية من جذورها. فالاستقرار، وإمكانية التنبُّؤ، والتدفُّق الآمن للطاقة، تصبح جميعها أولويات مشتركة، ليس فقط بالنسبة إلى الأطراف الخارجية، بل بالنسبة إلى إيران نفسها أيضًا. وفي ظل هذه الظروف، يغدو الاستمرار في استخدام التعطيل أداةً تفاوضية أكثر كُلفة وأقلّ جدوى.
وهُنا تتجلَّى المفارقة الجوهرية لمضيق هرمز؛ فقُدرة إيران على بسْط نفوذها عبر تعطيل المضيق، تكون في أقصى قوَّتها عند ذروة الأزمة، لكنَّها تصبح في أضعف حالاتها، عندما تسعى إلى تحويل هذا النفوذ إلى مكاسب سياسية دائمة. فمع تنفيذ شروط وقْف إطلاق النار وبدء المفاوضات، كما ظهَرَ في المحادثات الأمريكية-الإيرانية، التي استضافتها إسلام آباد، يبدأ صمود إيران، الذي اعتمد فيه على ورقة الإكراه، في التبدُّد. ومن ثمَّ تتحوَّل الأطراف الدولية من إدارة الأزمة إلى تثبيت أركان الاستقرار المؤسسي، بما يقلِّص فاعلية التهديدات أُحادية الجانب.
وفي هذه المفاوضات، سُرعان ما أصبح مضيق هرمز قضية محورية؛ فبالنسبة إلى الولايات المتحدة، يشكِّل ضمان الوصول الدائم والآمن والمجّاني من الرسوم إلى المضيق مطلبًا أساسيًا لا تراجُع عنه. وقد ربطت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تخفيف العقوبات والحوافز الاقتصادية بتقديم ضمانات قابلة للتحقُّق لأمن الملاحة البحرية، بما في ذلك فرْض قيود على أنشطة الحرس الثوري البحرية، وإمكان إنشاء آليات للمراقبة. أمّا بالنسبة إلى إيران، فإنَّ هرمز يمثِّل أبرز أوراقها التفاوضية وأكثرها ملموسية. وقد دخَلَ المسؤولون الإيرانيون المحادثات وُهم يتحدَّثون عن صمود إستراتيجي، مؤكِّدين بأنَّ سيطرتهم على المضيق زمن الحرب دليلٌ على أنَّ وجودهم لا غِنى عنه.
بيْد أنَّ الموقع التفاوضي الإيراني أضعف ممّا توحي به ديناميات الحرب؛ فأوّلًا، إنّ أيّ تعطيل مطوَّل لمضيق هرمز من شأنه أن يقوِّض مباشرة الآفاق الاقتصادية الإيرانية ذاتها، لا سيّما في وقت لا يزال فيه تخفيف العقوبات هدفًا أساسيًا. ويزداد هذا العامل أهمِّية في أعقاب قرار ترامب تنفيذ حصار بحري يهدُف إلى منْع صادرات النفط الإيرانية، وهي عائدات تُعَدُّ أساسية لبقاء النظام اقتصاديًا. ثانيًا، إنَّ الإفراط في الاتّكاء على ورقة الإكراه يهدِّد بتعزيز عُزلة إيران وتقويض مصداقيتها الدبلوماسية. ثالثًا، إنَّ قُدرات إيران في الحرب اللا متماثلة، التي تمنحها إيران أفضلية في الأزمة؛ أي قُدرتها على خلْق حالة عدم اليقين، تفقد قيمتها في التفاوض، حيث تصبح القُدرة على التنبُّؤ والامتثال أمرين حاسمين. وقال نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس في كلمته الختامية بعد محادثات إسلام آباد: «نغادر من هُنا ومعنا مُقترَح بسيط جدًّا، هو صيغة تفاهُم تمثِّل عرضنا النهائي والأفضل. وسنرى ما إذا كان الإيرانيون سيقبلونه». وفي ضوء ذلك، يبرُز سؤال رئيسي حول ما إذا كانت المخاوف المتصاعِدة في واشنطن إزاء المخاطر، التي تهدِّد الاقتصاد العالمي، إلى جانب الهواجس من تجدُّد التصعيد من جانب إيران، قد تُفضي في نهاية المطاف إلى تهيئة الظروف لإعادة فتْح مضيق هرمز وفْق الشروط، التي تضعها إدارة ترامب، خلال الأيام المقبلة.