إنَّ «محور المقاومة» باعتباره شبكة عابرة للحدود من الفواعل الدولتية وشبه الدولتية، لم يكُن مجرَّد تحالف مصالح جيوسياسية، بل كان منجذِبًا إلى مركز ولائي يتجاوز الدولة الوطنية نحو مفهوم القيادة الدينية/ السياسية العُليا، ومن ثمَّ فإنّ رحيل القائد المؤسِّس أو الحافظ للبِنية والحامي للمذهب في التصوُّر الولائي، يطرح اختبارًا ثنائيًا: اختبار الاستمرارية المؤسسية داخل إيران، واختبار الولاء خارجها. وهكذا لا يمثِّل رحيل المرشد علي خامنئي حدثًا سياسيًا عابرًا أو مجرَّد انتقال داخل هرم السُلطة، بل هو لحظة تأسيسية تعيد فتْح سؤال الشرعية ذاته: من يحوز حقّ الولاية؟ وكيف تُعاد صياغة العلاقة بين النصّ الدستوري، والشرعية الكاريزماتية، والبنية الأمنية/ العسكرية، والشبكات الإقليمية، التي تأسست في ظل القيادة السابقة، وباتت فاعلة ومؤثِّرة في الإقليم؟
يحاول هذا التقرير أن يجيب عن تساؤل رئيسي يتعلَّق بموقف «محور إيران» من الصراع الراهن بين إيران من جهة وبين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لا سيّما بعد رحيل خامنئي مهندس هذه العلاقة، وذلك على ضوء تأثير المعيار العقائدي، الذي يربط «المحور» بإيران كدولة مركز، وبالمرشد بحُكم ولايته الدينية العابرة للحدود، مع عدم إغفال معيار المصلحة، وهو المرتبط بالحسابات الإستراتيجية لعناصر هذا المحور، والتحدِّيات التي قد تترتَّب على المشاركة في هذا الصراع.
أولًا: تأثير المقدَّس والمصلحي على حدود حركة «محور إيران»
الولاء في الفكر الشيعي ليس مجرَّد انحياز سياسي، بل هو مفهوم عقْدي يرتبط بالبراءة والولاية. لذلك، فإنَّ «محور المقاومة» لم يُبنَ على أساس تحالف مصلحي فقط، بل على سردية دينية مذهبية وتاريخية، متعلِّقة بـ «مقاومة الظُلم، ونصرة المستضعفين، والامتداد الحسيني». على أنَّ رحيل المرشد يضع الفاعلين أمام سؤال مهم: هل الولاء لشخص القائد؟ أم لمبدأ الولاية؟ أم للدولة باعتبارها مركزًا داعمًا؟ هذا التحوُّل يُعيد تعريف طبيعة العلاقة بين المركز (قُم/ طهران) والأطراف (بغداد، بيروت، صنعاء، ودمشق). على هذا النحو لا يمكن تجاوز «الولي الفقيه» في فهْم تحرُّكات «محور إيران» في الإقليم، فالمرشد الإيراني ليس مجرَّد «رئيس دولة» عسكري أو سياسي؛ بل يمثِّل مشروعًا أيديولوجيًا كاملًا، ويُعَدُّ مركز القوَّة العملية. بالتالي، لا يتصرَّفون خارج إطار توجيهاته، فهم ينفِّذون إستراتيجية ردْع وإنتاج قوَّة حسب التقييمات، التي يحدِّدها المرشد أو يوافق عليها. فوفقًا للدستور، ووفقًا لنظرية «ولاية الفقيه»، فإنَّ المرشد يحُكم المؤسسة السياسية والدينية، وهو فوق جميع السُلطات، وله القرار النهائي في الحرب والسِلْم، والعلاقات الخارجية، والجيش، وسياسات التصدير الثوري، وهو كذلك مصدر التفويض الفكري. وفكرة «دعْم المقاومة» ضدّ الغرب وإسرائيل ليس مجرَّد أداة سياسية زمنية، بل جزء من مشروع «الثورة الإسلامية»، الذي أعلنته طهران بعد 1979م.
إلى جانب هذا البُعد الولائي والعقْدي في تحديد مواقف الفصائل والجماعات المحسوبة على إيران في المنطقة، لا شكَّ أنَّ ثمَّة عاملًا مصلحيًا وحسابات خاصَّة مؤثِّرة على موقفها من الصراع الراهن، يأتي في مقدِّمتها ردود الفعل الأمريكية والإسرائيلية المتوقَّعة على هذه المشاركة، والتي قد تصل إلى شنِّ حملة مكثَّفة قد تُلحِق أضرارًا بالغة بالمركز بهذه الجماعات، وقد ثبُت بالفعل أنَّ إسرائيل متحسِّبة لذلك، وهو ما ظهَرَ من ردّ فعلها القُوى على دخول «حزب الله» على خط المواجهة بُغية كبحه في مهده حتى لا يتوسَّع. كذلك، تتعرَّض هذه الجماعات لضغوط كبيرة في دولها لأجل دمجها ونزْع سلاحها، وتخشى أن يؤدِّي دخولها المعركة إلى حملة داخلية ومواجهة قد تزعزع مكانتها على الساحة العالمية. لكن في حقيقة الأمر، أنَّ الخضوع لهذه العوامل له حسابات خاصَّة، كما أنَّ التخلُّف عن هذه المعركة لا يُوقِف سيناريو الاستهداف المتوَّقع والحملة المنظَّمة لأجل القضاء على أيّ مظاهر «مقاومة» في الإقليم، تمهيدًا لتدشين «شرق أوسط جديد» يخدم إسرائيل والولايات المتحدة وفق تصوُّر تلك الفصائل، والتقدير بأنَّ حملة التغيير تلك بدأت وهي ستستمرّ حتى تحقيق هدفها النهائي، وهذا رُبَّما يفرض عدم تأخير المواجهة القادمة عاجلًا أم آجلًا، فرُبَّما ما يمكن التصدِّي له «معًا» اليوم لا يمكن غدًا لكُلِّ فصيل على حِدة.
ثانيًا: الحرب ومواقف «محور إيران» بين العقْدي والمصلحي
كان خامنئي في إيران يحشد للمواجهة المرتقبة مع الولايات المتحدة باعتبارها مقدَّسة، وبطبيعة الحال هذا الخطاب لم يكُن المقصود به الإيرانيين وحسب، بل كل من يُدين بالولاء لـ «الولي الفقيه» داخل إيران وخارجها.
كان «حزب الله» قد حدَّد موقفه مُسبَقًا بأنَّ الحزب لن يقِف على الحياد في هذه المواجهة، والمعروف أنَّ الحزب منظَّمة شبه عسكرية وسياسية تمتلك قوَّة قتالية عالية، تعتمد على الدعم الإيراني المالي والتسليحي، وتُعَدُّ أحد أهمّ أدوات طهران في مواجهة إسرائيل مباشرةً. ولم يمضِ وقت طويل حتى دخل الحزب بالفعل على خط الصراع، بإعادة هجماته الصاروخية على الأراضي المحتلة في شمال إسرائيل وصولًا إلى حيفا. والظاهر حتى الآن، أنَّ هناك استعدادًا من جانب «حزب الله» من أجل المشاركة في هذه المعركة الحاسمة، باعتبار أنَّها لا تُعتبَر معركة مصيرية لإيران وحسب بل للحزب نفسه، حيث يتعرَّض منذ السابع من أكتوبر لضغطٍ داخلي مدعوم بدعم عسكري إسرائيلي وأمريكي من أجل نزْع سلاحه وتفكيك دوره على الساحة اللبنانية، ومن ثمَّ لم يعُد الولاء وحده هو معيار تحديد دخول «حزب الله» على خط المواجهة، إذ إنَّ سقوط النظام الإيراني أو إضعافه إستراتيجيًا يقود بلا شك في النهاية إلى انكشاف إستراتيجي للحزب؛ ما قد يُنهي تأثيره في لبنان والمنطقة.
رُبَّما ينطبق الأمر نفسه على الجماعات المسلَّحة في العراق، مثل «عصائب أهل الحق» و«كتائب حزب الله» وغيرها، والتي قرَّرت رُبَّما في وقتٍ مبكِّر من المعركة الدخول على خط المواجهة، حيث شنَّت هجمات داخل حدود العراق على القواعد الأمريكية في أربيل. ومن المعلوم أنَّ هذه الجماعات بدأت أنشطتها ضدّ القوّات الأمريكية منذ الغزو الأمريكي للعراق، وهي مرتبطة مباشرة بالقيادة الإيرانية. وهذه القوّات يمكن أن تشنّ هجمات انتقامية على قواعد أمريكية، إذا قرَّر «الولي الفقيه» ذلك باعتباره قائدًا دينيًا وسياسيًا لها، وباعتبار تقليدها له. وتستخدم إيران هذه الجماعات لتكثيف الضغط على واشنطن دون الحاجة إلى قوّات نظامية، لكن مثل هذه الهجمات بالنسبة لتلك الجماعات، كما فعَلَ «حزب الله»، تواجه سؤالًا وجوديًا، في ظل تصاعُد ضغوط داخلية وضغوط خارجية من أجل فك ارتباطها بإيران ودمجها عسكريًا وسياسيًا.
ويُلاحَظ الفارق بين قوَّة تأثير الولائي والإستراتيجي في حالة الحوثيين الأقلّ ارتباطًا بـ «ولاية الفقيه»، إذ إنَّه على الرغم من أنَّ الجماعة قد أعلنت أنَّها «تُدين فيه العدوان الأمريكي-الإسرائيلي على إيران»، معتبرةً أنَّ الهجوم «يهدُف إلى كسْر معادلة الردع ويمهِّد لاستهداف الجميع»، غير أنَّها حتى الآن لم تدخل على خط الصراع، مع أنَّها الجبهة التي يمكن أن تُحدِث فارقًا في هذا الصراع، إذ تملك الجماعة أوراقًا شديدة الأهمِّية في هذه المعركة، بما في ذلك إغلاق مضيق باب المندب، ووقْف حركة الملاحة عبر هذا الممّر الإستراتيجي. رُبَّما أجَّل ضعْف الارتباط الولائي دخول الحوثيين المعركة، لكن لحسابات إستراتيجية قد ينخرطون في الحرب في أيّ مرحلة، في إطار التقدير بأنَّ المعركة لن تتوقَّف على إيران بل ستستهدف تفكيك كامل «محور المقاومة» وأيّ قُوى معادية لإسرائيل والولايات المتحدة في المنطقة.
ثالثًا: المأزق الديني والسياسي للفصائل الولائية
إذا كان الولاء قد تأسَّس جزئيًا على الثقة الشخصية في لحظة التحوُّل الثوري ولحظة التأسيس الإيراني لتلك المحاور العابرة للحدود، فإنَّ المرحلة الجديدة تتطلَّب إعادة تأطير الولاء ضمن: بنية مؤسساتية، وعقيدة سياسية مُعاد صياغتها، وتوزيع جديد لمراكز النفوذ داخل الحرس الثوري والمؤسسات الدينية. وهذا الانتقال ليس سهلًا؛ إذ قد تنشأ توتُّرات بين المرجعيات الدينية المختلفة، أو بين التيّار السياسي المُنتخَب والمؤسسة الأمنية، وهذا كله ينعكس على الفصائل الولائية بالخارج.
وهناك بُعد آخر متعلِّق بمأزق التقليد الفقهي والسياسي، فغياب خامنئي يشكِّل اختبارًا وجوديًا للفصائل العراقية المسلَّحة المرتبطة بطهران، وكذلك لــ«حزب الله» في لبنان؛ لأنَّ بنيتها الشرعية لا تقوم على مجرَّد تحالف سياسي عابر، بل على تصوُّرٍ عقْدي يجعل «الولي الفقيه» مرجع الطاعة العُليا، ومصدر المشروعية النهائية للعمل المسلَّح. هُنا يبدو مأزق التقليد الفقهي في صورة معقَّدة؛ فالتقليد ليس مجرَّد اتّباعٍ في مسائل العبادات، بل هو تفويضٌ سياسي/ جهادي يربط الفعل العسكري والخيار السياسي بإرادة فقيه بعينه.
ومع غياب الشخص، الذي تبلورت حوله كاريزما القيادة لعقود، يبرُز سؤال مهم: هل تكفي الآليات الدستورية في طهران لإنتاج مرشد كاريزماتي جديد يضمن استمرار شمولية الطاعة حتى خارج الحدود الإيرانية؟ أم أنَّ الشرعية الكاريزمية، باعتبارها نتاج زمنٍ طويل من الرمزية الثورية، لا تُنقَل بسهولة عبر قرار مؤسسي؟ بافتراض الحالة الثانية، قد تتولَّد تعدُّدية ضمنية في الولاء، أو ميْل إلى إعادة تعريف العلاقة بين «المرجعية» وما وراء الحدود، بما يهدِّد تماسُك الخطاب الولائي، الذي طالما قُدِّم باعتباره بِنية عقْدية متماسكة لا تقبل التجزئة. لكن المرجَّح أن تنتقل تلك الطاعة دون تعقيدات، إذا ما استمرَّ التمويل المالي والدعم اللوجستي من إيران للفصائل الموالية خارج الحدود.
أمّا على المستوى السياسي/ الإستراتيجي، فالمأزق يتّخِذ طابعًا أكثر تعقيدًا، إذ إنَّ هذه الفصائل نشأت ضمن هندسة إقليمية تجعل مركز الثِقَل في طهران، وتُخضِع قرار الحرب والسلم لمعادلات مشروع عابر للحدود محكوم بإرادة «الولي الفقيه» ورؤيته. ومع غياب القائد المؤسِّس/ المركز لهذه المرحلة، قد يتقدَّم منطق «الدولة الوطنية» (العراق/ لبنان) بما يفرض براغماتية أعلى، أو على العكس، وهو المرجَّح، قد تميل القيادات الدينية والميدانية إلى تشديد النبرة العقائدية لإثبات الوفاء للخط العام ومنْع أيّ تصدُّع داخلي. وفي كلتا الحالتين، سوف تتبدَّل طبيعة الشرعية: من شرعية تستمِدُّ قوَّتها من شخصٍ يمثِّل امتدادًا للثورة والولاية، إلى شرعية قد تُعاد صياغتها باعتبارها تحالفًا مؤسسيًا تقوده شبكات أمنية/ عسكرية. وهُنا يبرُز السؤال المركزي: هل تستطيع هذه الفصائل الحفاظ على خطابها العقْدي حول طاعة «الولي الفقيه» في لحظةٍ قد يصبح فيها القرار نتيجة توازنات مؤسساتية ومصالح واقعية أكثر منه امتثالًا مباشرًا لإرادة «الولي الفقيه»؟ إنَّ الإجابة عن هذا السؤال سترسم ملامح المرحلة التالية، ليس فقط في علاقة هذه الفصائل بطهران، بل في تعريفها لذاتها بين العقيدة والسياسة.
ينبغي أن نُدرِك هُنا أنَّ «محور المقاومة» ليس حلفًا عسكريًا تقليديًا، بل شبكة متعدِّدة المستويات: من دول مثل إيران والعراق، وحركات مسلَّحة مثل «حزب الله»، وفصائل عراقية، و«أنصار الله»، وأذرُع سياسية واجتماعية، ومنظومات إعلامية وثقافية، وهذه الشبكة كانت تدور حول مركز توجيهي/ إرشادي أعلى؛ بالتالي فرحيل المرشد يُعيد طرح سؤال: هل تتحوَّل الشبكة إلى منظومة أكثر استقلالًا؟ أم تُعاد مركزة القرار؟
لا يمكن في هذا السياق، إغفال البُعد المادِّي؛ فالدعم المالي والعسكري الإيراني كان عنصرًا أساسيًا في تماسُك المحور. لكن إذا اقترن الانتقال القيادي باضطراب اقتصادي أو صراع داخلي، فقد تنشأ ديناميات جديدة مثل: سعي بعض الفواعل إلى تنويع مصادر الدعم، ومحاولة تعزيز الاستقلالية السياسية، وإعادة تعريف الأولويات المحلِّية، وهُنا يصبح «الاختبار الولائي» عمليًا لا نظريًا.
وثمَّة عامل آخر، وهو الاختبار الأخلاقي والسياسي لـ «محور المقاومة»، إذ قد يتحوَّل «الاختبار الولائي» إلى اختبار أخلاقي أيضًا، فهل تستمرّ الشبكات في تبنِّي خطاب المستضعفين؟ أم يتحوَّل المحور إلى تحالف براغماتي بحت؟ وهل يبقى الخطاب الديني مركزيًا أم يتراجع لصالح الحسابات الجيوسياسية؟
رابعًا: المركز و«المحور».. ومسارات ما بعد خامنئي
في ظل الموقف الحرِج الراهن، يبدو أنَّ «محور إيران» أمام سيناريوهات معقَّدة وحسابات شديدة الخطورة، وفي سياق ذلك يمكن توقُّع ما يأتي:
1. التعبئة العقائدية القصوى:
بأن يتِم تحويل الحرب إلى واجب ديني جامع، ومن ثمَّ يتحوَّل الصراع إلى خطاب «الدفاع عن الإسلام/ الأُمَّة/ المقدَّسات»، في السردية الإيرانية، مع استدعاء مفاهيم «الجهاد الدفاعي» و«نصرة المستضعفين»، و«المقاومة بوصفها تكليفًا شرعيًا»، ما قد يؤدِّي إلى: توحيد القاعدة المؤيِّدة في إيران، وفي العراق ولبنان واليمن، وشرعنة الانخراط الكامل للوكلاء. وهُنا تصبح إيران كدولة ومؤسسة ليس فقط قائدًا سياسيًا، بل مرجعَ تعبئة كُبرى؛ لكن مع غياب فتوى المرجع/ «الولي الفقيه» الرسمية بسبب فقده وموته، فإنَّ العلاقة تتحوَّل مؤقَّتًا إلى تحالف سياسي إستراتيجي كعلاقة إيران مع الحوثيين، وبالتالي يحِلّ محل الفتوى «نص تعبوي» يُعيد إنتاج الهويَّة الجماعية في لحظة الخطر والحرب. لكن إذا طال أمد الحرب وارتفعت الكُلفة البشرية، فقد يتآكل البُعد التعبوي، خصوصًا إذا لم يُترجَم الخطاب إلى مكاسب ملموسة.
2. تسييس المقدَّس وتديين السياسة:
بأن يتِم تقديس الدولة بدلًا عن تقديس المقاومة فقط، وفي هذا المسار، تتحوَّل الحرب إلى دفاع عن «الدولة الإسلامية» لا عن «المقاومة» فقط. وهُنا تتقدَّم فكرة أنَّ النظام نفسه هو «الضامن للهويَّة الدينية»، وأنَّ أيّ مساس به يُعَدُّ مساسًا بالعقيدة/ بالدين نفسه. بالتالي، نحن إزاء تحوُّل: من مقاومةٍ مرِنة إلى دولة عقائدية محاصرة؛ ما يجعل التفاوض أصعب لأنَّ التراجع يُقرأ كتنازل عقْدي/ ديني/ مذهبي، لا سياسي (استحضار معركة الحسين وكربلاء وبني أمية، وغيرها من سرديات شيعية/ صفوية). لكن هذا سيكون له أثرًا واسعًا على «الفصائل الولائية» خارج الحدود الإيرانية، فيتحوَّل ارتباطها تدريجيًا بإيران من ارتباط عقْدي فقط كتقليد لـ «الولي الفقيه»، إلى ارتباط عضوي مع الدولة والهويَّة والثقافة والجغرافيا غير قابل للانفكاك.
3. تفكيك الشرعية الدينية من الداخل:
في حال طالت الحرب وانهار الاقتصاد، قد يظهر سؤال لاهوتي/ سياسي عميق: هل كان خيار المواجهة حتميًا؟ وهل السياسة الخارجية للنظام تمثِّل ضرورة شرعية أم قراءة اجتهادية قابلة للنقد؟ هذا السيناريو لا يعني سقوط النظام، بل تعدُّد قراءات الشرعية داخل البيت الشيعي نفسه، وهو ما قد يُعيد النقاش حول حدود «ولاية الفقيه» في إدارة الحرب. وهذا السؤال رُبَّما يطرح ليس فقط في الداخل الإيراني بل خارج إيران أيضًا، لا سيّما أنَّ سؤال حدود «ولاية الفقيه» شغَلَ العقل الشيعي الانتظاري منذ العام 1979م وحتى اليوم، والخلاف المركزي للنجف مع «ولاية الفقيه»، ليس فقط في سياق أنَّها قد سيَّست المذهب ووسَّعت صلاحيات وصاية «الفقيه»، بل لأنَّها تمتَدّ خارج الحدود الإيرانية، وتهيمن على مجمل الجماعة الشيعية في العالم.
4. إعادة تعريف «محور المقاومة»:
قد تؤدِّي الحرب الشاملة إلى أحد مسارين: تعميق «محور المقاومة»؛ فيُعاد تعريفه كتحالف وجودي ضدّ «الهيمنة الغربية»، ويتحوَّل من مشروع إقليمي شيعي بقيادة إيران إلى مشروع «حضاري» شامل مناهِض للهيمنة (حسب تصوُّره). وقد تؤدِّي إلى انكشاف هشاشته؛ إذا لم تتدخَّل كل أطرافه بنفس المستوى، وقد يُسأل: هل هو محور أيديولوجي حقيقي أم شبكة مصالح سياسية؟ وبالتالي قد يؤدِّي إلى انهياره وتفتته.
5. إعادة تشكيل مفهوم «العدو»:
قد تُعيد الحرب صياغة صورة الولايات المتحدة في الوعي الجمعي الإقليمي: من خصم سياسي إلى «عدو وجودي»، أو من قوَّة مُهيمِنة إلى قوَّة قابلة للاستنزاف. وهذا التحوُّل يؤثِّر في الأجيال القادمة أكثر من نتائج المعارك نفسها، وقد تعطي انطباعًا للأجيال الجديدة برفض الهيمنة، وتعزيز فكرة المقاومة و«الجهاد».
خاتمة يمكن القول إنَّ رحيل خامنئي باعتباره نقطة جمْع لاهوتي وسياسي، لا يعني بالضرورة تفكُّك «محور المقاومة»، لكنَّه يكشف عُمق اعتماد هذا المحور على مركز رمزي محدَّد. والاختبار الحقيقي لا يكمُن في اختيار الخليفة فحسب، بل في مدى قُدرة النظام على إنتاج شرعية لاهوتية/ مؤسسية تقنع ليس فقط الولائيين بالداخل، بل خارج الحدود أيضًا. كذلك قُدرة «المحور» على تحويل الولاء من شخص إلى مبدأ، وقُدرة القيادة الجديدة على إعادة تعريف الإستراتيجية ونظرية الولاية دون فُقدان الهويَّة أو خط الاستمرارية، بالتالي قد يتحوَّل الانتقال القيادي إلى لحظة إعادة تأسيس جديدة في حال تماسُك النظام أمام الضربات الأمريكية الراهنة. وإذا فشلت تلك العناصر، فقد نشهد تآكلًا تدريجيًا في مركزية القرار، وتحوُّل «المحور» إلى شبكة مصالح أقلّ تماسُكًا وأضعف انسجامًا عقائديًا، أو قد نشهد أفول «المحور» برُمّته في حال القضاء على النظام.