أصدَر المعهد الدولي للدراسات الإيرانية «رصانة» تقرير الحالة الإيرانية لشهر أبريل 2026، مقدِّمًا للقارئ عمومًا، والباحث خصوصًا، وصفًا دقيقًا للفترة الزمنية محلَّ الرصد والتحليل؛ بهدف تشخيص الحالة الإيرانية وقياس أوضاعها وتفاعُلاتها المختلفة. ويشتمل التقرير على ثلاثة أقسام؛ الأول: تطوُّرات الشأن الداخلي الإيراني، والثاني: التفاعلات الإيرانية-العربية، والثالث: علاقات إيران بالقُوى الإقليمية والدولية.
فيما يخُصّ تطوُّرات الشأن الداخلي الإيراني، شهِدَت إيران خلال شهر أبريل العديد من التطوُّرات، على المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية والأيديولوجية. لعلَّ أبرزها سياسيًا؛ تعاظُم الجدل حول من يحكُم إيران في مرحلة ما بعد خامنئي، وتنامي السجالات بين قيادات مراكز التأثير الصاعدة في المشهد بعد رحيل «المرشد الأب»، وتزايُد التشكيك الأمريكي في تأثير «المرشد الابن». واقتصاديًا؛ أسفرت تداعيات الحرب عن تراجُع قيمة التومان بنسبة 13% أمام الدولار، وتسجيل معدلات تضخُّم غذائي تاريخية بلغت 112.5%، وفُقدان ما يتجاوز 130 ألف وظيفة مباشرة و600 ألف غير مباشرة. وعسكريًا؛ كشفت تكتيكات الحرب الهجينة وغير التقليدية عن هشاشة البُنى التحتية العسكرية الأمريكية الثابتة في الشرق الأوسط، وتغيير التصوُّر الراسخ منذ عقود عن حصانة القواعد العسكرية الأمريكية من أيّ ضربات عسكرية، حيث تعطَّل ما لا يقِلّ عن 16 منشأة أمريكية في جميع أنحاق الشرق الأوسط، وبعضها أصبح خارج نطاق الخدمة مؤقَّتًا. واجتماعيًا؛ لا تزال الحرب تُلقي بتبعاتها على مجمل الأوضاع الاجتماعية في إيران، لكونها ركَّزت في أحد أهدافها على تدمير البُنى التحتية بما يُفاقم أضرار سوق العمل وارتفاع معدلات البطالة، كوسيلة لرفع وتيرة الاحتقان الشعبي. وأيديولوجيًا؛ تمَّ الكشف على خلفية الحرب عن أزمة تتعلَّق بالشرعية والمواطنة، تتجلَّى في التناقض بين خطاب الوحدة الوطنية ولغة التقارب المذهبي، التي تنتهجُها القيادة الإيرانية الجديدة، وسعيها إلى استثمار «بيعة» عُلماء أهل السُنَّة كمعزِّز للشرعية الدينية والسياسية في زمن الحرب، وبين الممارسة الإقصائية التي يردِّدها بعض زُعماء السُنَّة.
وبالنسبة للتفاعلات الإيرانية في المحيط العربي، فقد كانت حافلةً بالتطوُّرات والأحداث المهمَّة خلال هذا الشهر. فعلى صعيد الملف العراقي، انعكست التحوُّلات الإقليمية والضغوطات الأمريكية على المشهد العراقي، حيث تبدَّدت حالة الانسداد السياسي، التي تشكِّـلت بسبب تمسُّك زعيم تحالف دولة القانون المقرَّب من إيران نوري المالكي بمنصب رئيس الحكومة الجديدة، وتمَّ تكليف رجل الأعمال علي الزيدي رسميًا رئيسًا للحكومة الجديدة وتشكيلها. وفي الساحة اليمنية، يستمرُّ الحوثيون في عدم الاكتراث باليمن واليمنيين وأمنهم القومي، ويغامرون بمصالح الدولة نظيرَ انتقال علاقاتهم بإيران إلى المستوى الإستراتيجي العلني، بتنفيذ أجندة إيرانية بامتياز؛ تُولي الأهمِّية لإيران ومصالحها وأهدافها.
أمّا بخصوص التفاعلات الإيرانية مع القُوى الدولية، فهناك الكثير من التداعيات والأصداء. فعلى صعيد العلاقات الإيرانية-الإسرائيلية، أبقت إسرائيل على إجراءات الاستعداد للعودة إلى الحرب ضدَّ إيران مجدَّدًا لترجيحها انهيار الهدنة مع الولايات المتحدة؛ بسبب حالة الغموض التي اكتنفت المشهد نتيجةَ تفاقُم أزمة غلق مضيق هرمز، وتعثُّر المفاوضات الأمريكية-الإيرانية في إسلام أباد، واستمرار خرق اتفاق وقف إطلاق النار على الجبهة اللبنانية. وعلى مستوى العلاقات الروسية-الإيرانية، جاءت زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى موسكو، لتبُـثَّ رسائل بعدم اكتراث إيران بالحصار، الذي تفرضهُ الولايات المتحدة، والمخاطر الأمنية التي تحدِّق بالمسؤولين السياسيين الإيرانيين في ظل هُدنة هشَّة، كما أنَّها زادت من تعقيد التحدِّيات الإيرانية.