رسالة الخميني السرية إلى حكومة كندي

في سابقة ليست الأولى من نوعها، كشفت هيئة الإذاعة البريطانية عن تقرير قالت إنه سري، أفرجت عنه الولايات المتحدة يشير إلى تعاون الثوار آنذاك وعلى رأسهم روح الله الخميني مع الحكومة الأمريكية في سبيل الإطاحة بالشاه الإيراني السابق محمد رضا بهلوي، وذلك على عتبة احتفال طهران بالذكرى الـ 27 لوفاة الخميني.وكتبت “بي بي سي”، أن أحد علماء مدينة قم العلمية الشيعية كان يقبع في الإقامة الجبرية، ويتواصل مع الحكومة الأمريكية برئاسة الديمقراطي جون كيندي، بعيداً عن أعين منظمة السافاك، بعد أشهر من الإفراج عنه في بداية نوفمبر 1963 قبل نصف قرن من الزمان، بحسب إحدى وثائق المخابرات المركزية الأمريكية.ولم يكن الخميني آنذاك ضمن صفوف مراجع إيران الكبار، ولكنه كان يركز بشدة أكثر من الجميع على ثورة الشاه البيضاء، وهو برنامج الإصلاحات الاقتصادي الاجتماعي الذي أحدث جدلا كبيرا في الداخل الإيراني كونه منح المرأة الإيرانية حق التصويت، وقسم أراضي عدد من الإقطاعيين بين الرعية، ثم أعلن في نيروز عام 1962 العزاء العام لأن النظام المستبد يضع في اعتباره إقرار وتنفيذ المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات، وبعد عام في خطبته الحادة التي أدت إلى إلقاء القبض عليه تساءل عن إيمان ودين الشاه، ووصفه بعميل إسرائيل، ولكنه لم يتحدث عن داعمته الرئيسية الولايات المتحدة.

وفي وثيقة المخابرات المركزية الأمريكية التي حملت عنوان: “الإسلام في إيران”، أرسل خطاباً في سكينة إلى حكومة كنيدي بعد عدة شهور من المحبس في منطقة قيطرية بطهران في نوفمبر من العام 1963 بألا يفسر هجومه اللفظي بشكل خاطئ، لأنه يدعم مصالح أمريكا في إيران.تقرير السفارة الأمريكية الذي يشمل المتن الكامل لرسالة آية الله الخميني محفوظ حالياً في الأرشيف الأمريكي الوطني في حالة سرية، لكن ملخص هذه الرسالة جاء في وثيقة “الإسلام في إيران”، وهذه الرسالة في الواقع تقرير بحثي يبلغ 81 صفحة، وهي مؤرخة بـ مارس 1980 وفيها سوابق آيات الله خوئي، وشريعتمداري، والخميني أيضاً.وعرضت وكالة الاستخبارات الأمريكية المركزية هذه الرسالة في 2005 بعد رفع السرية عنها، إلا أنها حذفت عدة أجزاء حساسة، منها الجزء المرتبط برسالة الخميني، وكانت مكتبة الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر نشرت نسخة أخرى من الوثيقة في ديسمبر 2008 على موقعها الإلكتروني، وكانت الوثيقة تتضمن فقرة من تلك الرسائل. وجاء في هذه الرسالة أيضاً، أن روح الله الخميني أوضح أنه لا يعارض مصالح الولايات المتحدة في إيران، بل على العكس، يرى أن حضورها في إيران ضرورة لإيجاد توازن أمام الاتحاد السوفيتي والنفوذ البريطاني المحتمل.وبناء على هذه الوثيقة، تم إرسال هذه الوثيقة إلى السفارة الأمريكية في طهران قبل 10 أيام من زيارة قائد الاتحاد السوفيتي السابق آنذاك ليونيد بريجينيف، بواسطة عالم دين يبدو أنه غير مسيس يدعى ميرزا خليلي جمراهيي.
وجاء في هذه الرسالة أنه أوضح أيضاً معتقداته في ما يتعلق بالتعاون القريب للإسلام مع سائر أديان العالم، وخاصة المسيحية.وتزامن عرض تلك الرسالة مع الذكرى لاسابعة والعشرون لوفاة الخميني التي تحولت إلى منبر للدفاع عن الخميني ومبادئه وهجومه المزعوم على الولايات المتحدة وتسميتها بالشيطان الأكبر.وجاء الدفاع الأول من قبل أحد شهود العصر إبراهيم يزدي، أول وزير خارجية لإيران بعد الثورة في 1979، والمرافق الدائم للخميني في منفاه في نوفل دي شاتو الفرنسية، حيث اعتبر ما جاء في تقرير بي بي سي ملخصاً ناقصاً لخامس وآخر رسالة تم تبادلها والتي جاء فيها: “ليست لدينا أي عداوة خاصة مع الشعب الأمريكي”، نافياً إرسال الخميني رسالة شخصية إلى جيمي كارتر رئيس الولايات المتحدة آنذاك، وإنما كارتر هو من أرسل خطاباً رد فيه على الخميني، وأن هذه الرسالة تم نشرها لأول مرة عبر عضو مجلس الأمن الوطني الأمريكي في حكومة كارتر جري سيك.وشدد على أن قادة الثورة قبل انتصارها بعدة أسابيع تفاوضوا مع المسؤولين في الولايات المتحدة عبر 3 قنوات، وليس اثنتين كما جاء في تقرير بي بي سي، أولاً، من جانب مجلس الثورة، المهندس مهدي بازرجان، والدكتور يد الله سحابي، وآية الله موسوي أردبيلي، مع موظف السفارة الأمريكية، سوليفان واستمبل، وثانياً عن طريق الدكتور محمد بهشتي بشكل مباشر مع سوليفان في طهران، والثالثة عبر زيمرمن في باريس مع الخميني.

كما نفى يزدي حدوث أي اتصال بينه وبين الخارجية الأمريكية في مرحلة ما قبل الثورة على خلاف ما جاء في تقرير بي بي سي، والمرة الوحيدة بعد الثورة التي اتصل فيها بالمسؤولين في الخارجية الأمريكية كانت تبعاً لمهام منصبه في حكومة المهندس بازرجان المؤقتة كوزير للخارجية.وعلى خلاف التقرير خلال أحداث احتلال هيئة الأركان المشتركة، وانتصار الثورة في غروب يوم 10 فبراير 1979، لم يشارك ” بهشتي” برفقة الوفد الذي ذهب من جانب الخميني لإنقاذ كبار قادة الجيش والمستشارين العسكريين الأمريكان، ومنهم الجنرال فيليب جوستي، بل كان برفقتهم آية الله موحدي كرماني، وتصور المسؤولين خطأ أنه الدكتور بهشتي.كما لم يكن “شهريار روحاني” مندوباً ومتحدثاً باسم الخميني، بل كان موظفاً بالسفارة الإيرانية في واشنطن بعد طرد أردشير زاهدي، سفير الشاه، اتصل بوفد الخميني في باريس، وطلب التوجيهات ضمن عرضه تقريراً حول عمله.وأمر الخميني أحد الأطباء البارزين في الولايات المتحدة من الإيرانيين بالقيام بمساعدة وفد السفارة، ونقلت هذه الهيئة بعد تنصيب دكتور سحابي وزيراً للخارجية مسؤولياتها في إدارة السفارة إلى القائم بالأعمال الجديد ورحلت.الأمر الغريب هو نفي جري سيك إرسال الخميني رسالة إلى رئيسي أمريكا، معتبراً إذاعة مثل هذا التقرير بمثابة الزوبعة في الفنجان، نافياً علمه الشخصي بمثل هذه الرسالة إلى الرئيس كنيدي عام 1963، وزاعما بأن ذلك لم يحدث.

وخلال مراسم إحياء ذكرى وفاة الخميني بحضور أحفاده وقيادات الدولة وبحضور المرشد علي خامنئي، هاجم الأخير الولايات المتحدة، وقال إنها زورت هذه الوثيقة، مفسراً عرضها بأنه مؤشر لعداوة الحكومتين الأمريكية والبريطانية، موضحاً “أنه بمناسبة ذكرى رحيل الخميني، قامت الأجهزة الدعائية للحكومة البريطانية بنشر وثيقة ضد الإمام، متسائلاً عن مصدر هذه الوثيقة؟” وتساءل : هل لدى الأمريكيين الذين أطاحوا بطائرة المسافرين ما يمنع التزوير؟ مبيننا بأنهم والبريطانيون سواء في العداء لإيران.بدوره، اعتبر مساعد رئيس مؤسسة تنظيم ونشر أعمال الخميني حميد أنصاري، التقرير الأخير حول الرسائل المتبادلة بين الخميني وكيندي في 1963 فاقداً للاعتبار القانوني ولا يستند لأي مصادر موثوقة.وتعد هذه الوثيقة نموذجاً بارزاً لتحالف إيران مع من تصفه بالشيطان الأعظم في سبيل تحقيق مصالحها ومبتغاها في المنطقة، خاصة بعد التفاوض على برنامجها النووي، وذلك تكريساً لمزيد من الرغبة في السيطرة على الإقليم، والتدخل في الشؤون الداخلية لدول الجوار، خاصة الجوار العربي، وخلق مزيد من الكيانات التي تخترق حدود سلطة الدولة، ليكون ولاؤها لإيران، وليس لأوطانها.

المصادر:

http://fna.ir/UCOM91

http://shabestan.ir/detail/News/548636

http://goo.gl/VbchgJ

 

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير