أصدرَ المعهد الدولي للدراسات الإيرانية «رصانة» تقرير الحالة الإيرانية لشهر يوليو 2026، مقدِّمًا للقارئ عمومًا، والباحث خصوصًا، وصفًا دقيقًا للفترة الزمنية محلَّ الرصد والتحليل؛ بهدف تشخيص الحالة الإيرانية وقياس أوضاعها وتفاعُلاتها المختلفة.
يشتمل التقرير على ثلاثة أقسام، الأول: تطوُّرات الشأن الداخلي الإيراني، والثاني: التفاعلات الإيرانية-العربية، والثالث: علاقات إيران بالقُوى الإقليمية والدولية.
فيما يخُصّ تطوُّرات الشأن الداخلي الإيراني، شهِدَت إيران خلال شهر يوليو العديد من التطوُّرات، على المستويات العسكرية والاجتماعية والأيديولوجية. لعلَّ أبرزها عسكريًا؛ انهيار وقْف إطلاق النار، الذي تمَّ التوصُّل إليه في يونيو الفائت بين إيران والولايات المتحدة، حيث استهدفت الغارات الجوِّية الأمريكية البِنية التحتية العسكرية الإيرانية، في حين هاجمت إيران السُفُن التجارية وعددًا من الدول المجاورة.
واجتماعيًا؛ واجه النظام الإيراني خلال العقدين الأخيرين العديد من الاحتجاجات، التي كانت مؤشِّرًا عن تراجُع سُلطته وتآكُل رأس ماله الاجتماعي، وعلى الرغم من تجاوز النظام لهذا الاختبار في هجمات فبراير الماضي، التي قُتِل فيها المرشد علي خامنئي، إلّا أنَّ مسألة تآكُل رأس المال الاجتماعي تبقى قائمةً في ظل طول فترة حالة الحرب، وما يترتَّب عنها من تداعيات على الأوضاع الاجتماعية والمعيشية، التي تعزِّز من احتمالات عودة الاحتجاجات الداخلية.
وأيديولوجيًا؛ مثَّل «منبر الجمعة»، لا سيّما في المُدُن الإيرانية الكبرى -طهران وقُم ومشهد- إحدى أدوات الحشد والتعبئة، التي يُعاد من خلالها تفسير الأحداث الإقليمية، وضبط حدود الموقف المقبول منها، عبر ربط القرارات السياسية والعسكرية بمنظومة دينية تمنحها الشرعية والقداسة الدينية.
وبالنسبة للتفاعلات الإيرانية في المحيط العربي، فقد كانت حافلةً بالتطوُّرات والأحداث المهمَّة خلال هذا الشهر. فعلى صعيد التفاعلات الخليجية-الإيرانية، شهِدَ شهر يوليو موجةً جديدةً من التصعيد الإيراني عقِبَ انهيار مذكِّرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية، باستهداف عدد من دول الخليج، فضلاً عن تحريك أذرعها من الميليشيات الإرهابية في اليمن والعراق لاستهداف المملكة العربية السعودية ودول الخليج.
وعلى صعيد الملف العراقي، أجرى رئيس الوزراء علي الزيدي ثلاث زيارات إلى الولايات المتحدة وإيران وتركيا، لإرساء نهج التوازن في العلاقات الخارجية للعراق، وتسوية الملفات العالِقة مع الدول الثلاث؛ لإخراج العراق من دائرة الصراعات والحروب الإقليمية المُنهِكة، بما يصُبّ في صالح المنهاج الوزاري للزيدي الرامي لاحتكار الدولة للسلاح.
وأعادت تطوُّرات يوليو 2026 إبراز سوريا، بوصفها ساحة تنازُع بين إيران والولايات المتحدة، فقد تمَّ ضبط شحنة أسلحة يُشتبَه في توجُّهها إلى «حزب الله» اللبناني، وإعلان طهران عن استهداف التنف، في سياق حاجة إيران المتزايدة إلى الساحة السورية مقابل تراجع قدرتها الفعلية على استخدامها.
كما شهِدَ الملفاليمني خلال يوليو تحوُّلًا غير مسبوق، تمثَّل في عودة إيران لتفعيل الورقة الحوثية، ضمن الإستراتيجية الإيرانية لتوسيع نطاق الصراع، وفتح جبهة ضغط جديدة في البحر الأحمر وباب المندب بالتوازي مع مضيق هرمز.
وعلى مستوى التفاعلات الإيرانية-الإسرائيلية، فقد كشفت المواجهة العسكرية الجديدة بين إيران والولايات المتحدة بعد فشل مذكِّرة التفاهم وزيارة نتنياهو لواشنطن عن موقع إسرائيل من معادلة الصراع؛ حيث توافَقَ الطرفان الأمريكي والإيراني على تحييد إسرائيل.
أمّا بخصوص التفاعلات الإيرانية مع القُوى الدولية، فقد انهارت مذكِّرة التفاهم الموقَّعة بين الولايات المتحدة وإيران؛ بسبب الخلاف الجوهري حول عددٍ من بنودها، وفي مقدِّمتها البند المتعلِّق بتنظيم حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، ومن ثمَّ انهار وقف إطلاق النار المؤقَّت، وتجدَّدت المواجهة العسكرية بين الجانبين.