تضامن يؤكد مكانة الـمملكة ويحبط حملات التضليل

https://rasanah-iiis.org/?p=39556

وجدت المملكة تضامنًا دوليًا وإقليمًا واسع النطاق على خلفية الهجمات التي شنَّتها مليشيا الحوثي الإرهابية على مطار الملك خالد بالرياض، وأدَّت إلى سقوط عدد من الضحايا والمصابين بين صفوف المدنيين، ولم يقتصر هذا التضامن على القيادات السياسية والحكومات والمنظمات الإقليمية والدولية، بل شمل المستويات الشعبية؛ وقد عكس ذلك حقيقة المكانة المرموقة التي تحظى بها المملكة إقليميًا ودوليًا.

وكيف لا يكون التضامن على هذا النحو، والمملكة تلتزمُ خطًا سياسيًا خارجيًا راسخًا، أساسُه التمسك بالمبادئ الدولية في التعايش السلمي وحُسن الجوار والتعاون وعدم التدخل.. وتشهد سياساتها ووساطاتها وتحالفاتها بصورة عملية على أولوية تحفيز الأمن والاستقرار العالمي وإنهاء الصراعات كمبدأ لا حياد عنه، وذلك بخلاف العديد من القوى التي يصاحب وجودها في أي ساحة تدمير وتخريب وفوضى لا نهاية لها.

كما تبني المملكة دورًا إنسانيًا أوسع نطاقًا وتشهد على ذلك إسهاماتها التنموية على المستوى العالمي، إذ تركت المملكة بصمات عديدة في هذا الميدان، حيث دعمت كافة المبادرات التي رعتها الأمم المتحدة ومنظماتها المختلفة بما يخدم الإنسانية على كافة الأصعدة، حتى إنها تُعتبر أحد أهم الممولين الدوليين لمجالات التنمية المختلفة، كما امتدت مبادرات المملكة التنموية وشركاتها إلى العديد من المنظمات الإقليمية وساعدت في استمرارية أدوراها، وكذلك وضعت إمكانياتها المختلفة أمام العديد من الدول؛ فكانت عنصرًا أساسيًا في تحقيق الاستقرار والتنمية ومواجهة الأزمات.  

وعلاوةً على ذلك، تستضيفُ المملكة الملايين من البشر على أراضيها، ويُعتبر هؤلاء قوةً اقتصاديةً هائلة وداعمة لدولهم، وفضلًا عن أنها قبلة سياسية يُلتَجأ إليها من أجل الوساطة وإنهاء الصراعات، فإنها قبلة دينية للمسلمين، تتعلَّـق قلوبهم بأراضيها وتهفو أرواحهم لزيارة المقدسات الإسلامية التي حبا الله أرضهم بها واختصَّ قيادتها بخدمتها ورعايتها، ومن ثم فإن المملكة ليست مجرد قوة مؤثرة بل مركزًا عالميًا يتمتع بمكانة خاصة رسميًا وشعبيًا.

مع ذلك، تعرَّضت صورة المملكة خلال السنوات الماضية إلى الكثير من التشويش، خصوصًا بعدما تصدَّت للعديد من المشروعات التدميرية في المنطقة، حيث حاول بعض المرتزقين من إثارة الفتن والخلافات، أو أصحاب الأجندات على وسائل التواصل الاجتماعي وشبكات الإعلام الموجه، للنيل من المملكة، وتشويه دورها والتشكيك في نواياها ومواقفها، وزعزعة علاقاتها بحلفائها وشركائها، وإضعاف مركزية دورها العالمي وعلى الصعيد العربي والإسلامي، وخلق حاجز من التوتر بينها وبين شعوب المنطقة، وكان هذا التضليل مقصودًا وممنهجًا من جانب قوىً بعينها، هي المتهمة فعليًا بدورٍ سلبي وتخريبي لغير صالح المنطقة وشعوبها، مع أن المملكة أخذت على عاتقها التصدي لكل المحاولات التي استهدفت أمن واستقرار المنطقة، كما دأبت على الدفاع عن أهم قضايا الأمتين العربية والإسلامية.

لكن كانت هجمات الحوثي الإرهابية من هذا النوع الذي كشف التضليل الإعلامي الممنهج المدار على مدى سنوات ضد المملكة، وكان واحدٌ من أهم الشواهد على ذلك، ردودُ الفعل الشعبية العالمية على خلفية هجمات الحوثيين الإرهابية، والإدانة الكبيرة لهذه الهجمات، والتضامن الرسمي مع المملكة، وربما كان أبرزها ردودُ فعل المصريين التي ظهرت تعليقًا على بيانات الخارجية السعودية على كافة المنصات الإعلامية، وأظهرت عمق مكانة المملكة لدى الشعب المصري، ولفتت الانتباه بصورة كبيرة من منطلق مصداقيته، حتى تردَّد صداها في المملكة، وتلقاها المجتمع السعودي والمصري بترحاب كبير.

هذا المردود الذي عكس حقيقة الترابط الوثيق الذي تشكَّل على مر السنين حتى أصبح جزءًا من الذاكرة الشعبية في البلدين، فما أكثر ما يُسمع في المملكة عن مكانة مصر وأبناء مصر في المملكة، وما أكثر ما نسمع من المصريين عن تجربتهم الثرية في هذه الأرض الطيبة، وهذا الترابط بطبيعته لا يمكن للحملات الإعلامية المشوهة أن تغيره؛ لأنه في الأصل لا ينفك عن حقائق الجغرافيا والتاريخ والمصير المشترك التي لا يمكن تجاهلها أو تجاوزها، وهو ما تترجمهُ حكومتا البلدين في اعتبار الحفاظ على الأمن والاستقرار لكلاهما مبدأً لا حياد عنه. ورب ضارة نافعة، فما حدثَ من تعاضد أمام هذه الأزمة قد يكون لحظة إدراك لرأب الصدع في العلاقات التي تجمعُ دول المصير المشترك تحت مظلة جامعة “الدول العربية”؛ للتصدي للمشاريع التي تستهدف منطقتنا، والعمل وفق ما يحقِّـق مصالحنا. وهكذا وبينما تمرُّ منطقتنا بلحظة تحولٍ شديدة الخطورة، وتسعى قوى دولية وإقليمية إلى تنفيذ أجندة خاصة، متجاهلةً مصالحَ دولنا، بل إن هدفها النهائي هو تعطيل نهضتنا ووقف مسار تنميتنا؛ فإن معركة الوعي تبدو شديدة الأهمية، والبناء على هذا التضامن بين المملكة وحلفائها ضرورة؛ لأنها، أولًا تحبط الحملات المضللة والأجندات الإعلامية الممولة التي طالما حاولت تشويه صورة المملكة، وعملت على تخريب العلاقات. وثانيًا، أن هذا التأييد الكبير يمنحُ أيَّ عملٍ ضدَّ الحوثي والمليشيات المنتشرة في المنطقة شرعيةً عابرةً للحدود، وتُبطِل في الوقت نفسه كلَّ الضغوط لمواجهة هذا التمرد المتمادي من الجماعات دون الدول، والذي يُهدِّد دولَ المنطقة واستقرارها. وثالثًا، يضعُ هذا التضامنُ التحالفات الإقليمية والدولية أمامَ مسؤولياتها؛ لأن القضية ليست أمن المملكة، ولأن المملكة كفيلةٌ وحدها للتعامل مع هذا الخطر، بل القضية أكبر من ذلك، هي قضية أمن إقليمي معرَّضٍ للخطر، وأمن الممرات الملاحية الدولية، واستقرار الدول وأمن شعوبها، والتصدي لغايات القوى التي تؤجِّج الصراعات والخلافات، وتسعى إلى تغيير المنطقة وبسط سيادتها وسيطرتها عليها عبر نشر الفوضى والتمرد. وأخيرًا فإن حملة التأييد والتضامن الكبيرين، تكشفُ عن جوهر مكانة المملكة لدى أشقائها، الذين يقفُون في خندق واحد مع المملكة ضدَّ أي تهديد.


الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولاتعكس بالضرورة رأي المعهد

د. محمود حمدي أبو القاسم
د. محمود حمدي أبو القاسم
مدير تحرير مجلة الدراسات الإيرانية