شهدت الساحة الدولية تحولات جوهرية خلال العقد الحالي، إذ تؤكد العديد من المؤشرات أنَّ ثمة تغييرات جارية في هيكل القوة العالمي، بما في ذلك توازنات القوة بين القوى العظمى، بحيث لم يعُد النظام الأُحادي القطب هو نفسه المتعارف عليه، كما أن هناك إعادةً لتوزيع السلطة وانتشارها عالميًا؛ بحيث لم يعُد مركزُ الثقل متمركزًا في غرب العالم وحده، بل إنَّ شرقه الآسيوي أصبح قوةً فاعلةً لا يمكن تجاوزها، إضافةً إلى ذلك جرت تغييرات في الأوزان الاقتصادية للأقطاب الدولية الكبرى، بما همَّش المؤسسات الدولية وغيَّر قواعد التجارة العالمية، كما انهارت التحالفات القديمة؛ ولذلك تتنافس الدول لأجل تعزيز قوتها بتحالفات جديدة، كذلك تصعدُ قوى مركزية في أقاليمها وتتراجعُ أخرى، وأصبحت تكنولوجيا الحروب الحديثة أداةً فعَّالةً في أيدي القوى الصغيرة والمتوسطة وعاملًا مؤثرًا لا يمكن التغاضي عنه في الصراعات.
وفقَ هذه التحولات يرى البعض أنَّ تغيير النظام الدولي مسألة وقت، وقد يكون أقرب مما نتوقَّع، ويُستشهد على ذلك بالصدام الراهن بين القوى المتنافسة التي ترغب في تعديل موقعها في هيكل القوة العالمي، وتتطلَّع إلى الحصول على قدر أكبر من الموارد يناسب مكانتها الفعلية، فضلاً عن انتشار الصراعات والحروب الممتدة، والتي تعتبر بمثابة حلقات في مسلسل التغيير المرتقب كما هو متعارفٌ عليه تاريخيًا، فعلى سبيل المثال تشهدُ الساحة الأوروبية مواجهةً ظاهرها بين روسيا وأوكرانيا، لكن في جوهرها هي معركة تكسير عظام أوسع نطاقًا تخوضها القوى العظمى المتنافسة، وتنتشرُ تأثيرات هذه الحرب في أفريقيا والشرق الأوسط بصور مختلفة، وربما شعارها الخفي لدى القوى التعديلية هو الحد من الأُحادية الأمريكية التي تُعتبر ركيزةَ النظام الدولي الحالي، كذلك الصراع المستمر في الشرق الأوسط، وغيره من المناطق، ينطوي على رغبة وطموح لأجل إعادة هيكلة الأنظمة الإقليمية وإعادة تشكيل توازناتها.
هذه التحولات ليست جديدةً والحديث عن التغيير مسألةٌ مطروحة منذ وقت، لكن اللافت إقليميًا تفاعلُ المملكة مع هذه التغييرات منذ وقتٍ مبكر، وخلال اللحظة الحرجة من تاريخ المنطقة والعالم، وكأنها على قدر وموعد مع هذه المنحنيات الفارقة في التاريخ، إذ على الرغم من تسارع التغييرات والمخاطر والتهديدات التي انطوت عليها، كان من الملحوظ إدراكُ المملكة ووعيها بالتحولات الراهنة، إذ قدَّمت استجابةً استثنائيةً مع كلِّ منعطف، وكانت شديدةَ المرونة وأكثر استعدادًا للتكيُّف والانتقال بين البدائل وفق المعطيات، وبقراءة واعية للتحولات النظامية العميقة على المستويين الإقليمي والدولي.
لقد اتَّجهت المملكة بواقعية لتبنِّي سياسة تنويع الشراكات وتوسيع هامش الحركة، وجاء تطور العلاقة مع الصين، وكذلك روسيا والقوى الأوروبية المركزية ضمن هذا التوجه، حيث تم تأطير هذه العلاقات استراتيجيًا ووفقَ رؤية جديدة، حتى توفِّر للمملكة تنوعًا في علاقاتها الاستراتيجية على الساحة الدولية، ولا سيما على المستويات الاقتصادية والأمنية بما يتواكب من التغييرات الهيكلية داخل النظام العالمي، وقد عزَّز هذا من أهمية المملكة ومن نفوذها بين القوى الكبرى، ومنحها مساحةً للمناورة، خصوصًا تجاه الولايات المتحدة التي تراجعت الثقة بها خليجيًا بعد تخليها عن بعض مسؤولياتها الأمنية. ومع الوقت تنامت قوة المملكة الاقتصادية وتعزَّز نفوذها السياسي، حتى أصبحت رقمًا مهمًا على الصعيد الإقليمي والدولي، وقد عكست هذه السياسة عقلانيةً وقراءةً واعيةً للواقع، ولم تكُن هذه السياسة محضَّ مناورة أو توجه مؤقت، الأمر الذي زاد من الطلب على المملكة كشريك ضمن هذه المرحلة الحرجة.
وعلى مستوى الإقليم، لم تتخلى المملكة عن تحمل عبء القيادة الذي وقعَ على عاتقها في مرحلة شديدة الحساسية يشهدها الشرق الأوسط، ونجحت بكفاءة في التعاطي مع التحديات، حيث تبنَّت سياسةً متنوعةً ومرنة تراوحَ خلالها النهجُ السعودي بين اللجوء للقوة لتحقيق توازن في الردع، والدبلوماسية لوضع حد للفوضى وتكريس الاستقرار. وبينما تراجع دور واشنطن في التصدي لتهديدات الأمن الإقليمي، فإن المبادرات السعودية سواءً ذات الطابع الدفاعي أو الدبلوماسي كانت كاشفةً لمدى استعداد المملكة لتحمل المسؤوليات الأمنية في غياب أو عجز القوى الدولية عن النهوض بدورها التقليدي.
ولم تكتفِ المملكة بالمبادرة الذاتية للتصدي للتحديات الناجمة عن التحولات النظامية التي تركت أثرها في الإقليم، ولا بالتحوط عبر تنويع شراكاتها العالمية، بل إنها نجحت في بناء تحالفات جديدة مع قوى إقليمية أخرى لأجل تعزيز الردع، وتوزيع الأعباء الأمنية، وضبط الخلل في موازين القوة على الصعيد الإقليمي، من منطلق أنَّ تأثيرات المشاريع التدميرية في المنطقة لن تبقى تأثيراتها محصورةً بل ستمتدُ إلى النيلِ من الاستقرار العالمي ككل. وهو تحولٌ يكشف في جوهره عن دور المملكة في بناء تكتلات إقليمية تعمل كمظلات وطبقات حماية مكملة لسد الفراغ الراهن، أو بدائل مستقبلية في حال انهيار الضمانات التقليدية؛ وهو ما جعل المملكة محورًا للسياسات والتفاعلات الإقليمية.
كما لم تتوقف التحركات السعودية عند حدود التفاعل مع معطيات السياسة العالمية، بل واكبت التحولات ذات الطابع الاقتصادي، بما في ذلك تآكل نظام التجارة العالمي وصعود الحمائية، في ظل الحروب التجارية والمنافسة الدولية على الممرات التجارية العالمية، والسعي للسيطرة على الموارد النادرة، وسلاسل الإمداد، وسباق التكنولوجيا الحديثة بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، إذ نجحت المملكة في التموضع على خارطة الاقتصاد العالمي كفاعل وشريك مؤثر في ظل هذه التغييرات العاصفة، مستغلةً في ذلك إمكانياتها ومواردها وموقعها المتميز، حيث حافظت المملكة على موقع فعَّال ضمن الهياكل والمؤسسات والممرات التجارية المختلفة، كما كثَّفت المبادرات الاقتصادية على الصعيد الإقليمي، ليكتمل مسار التعاون الأمني والدفاعي مع التعاون الاقتصادي؛ لرسم صورة لبنية إقليمية متكاملة جديدة تواكب التحولات، تلعبُ فيها المملكة دورًا محوريًا.
لا تعني مبادرة السعودية وجهودها الاستباقية في التموضع، بأنها لا تواجه تحديات، لا سيما في ظل مقاربات القوة التي تتبعها القوى الإقليمية والدولية المختلفة، ومحاولة القوى المنافسة إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية في المنطقة لخدمة مصالحها على حساب دول أخرى، إذ ينطوي الصراع الراهن على مخاطر جيوسياسية تمسُ المملكة لا يمكن إنكارها، غير أنَّ الاستعداد المبكر والسياسة الاستباقية التي اتَّبـعتها المملكة خلال المرحلة الأخيرة تمنحها هامشَ مناورة وقدرةً كبيرة على المواجهة ونفسًا طويلًا في امتصاص الأزمات، دون تنازلات أو الخوض في مسارات ترى المملكة أنها لا تتناسب مع مكانتها أو تحقِّـق مصالحها، كما أنها تجعلها أكثر استعدادًا لهذا التحول النظامي على الصعيد الإقليمي والدولي أكثر من غيرها.
ربما يذكرنا هذا التموضع السعودي الدقيق والدبلوماسية السعودية المتوازنة، سواءً على مستوى الإقليم أو على الصعيد العالمي شرقًا وغربًا، بلحظات مماثلة في منتصف أربعينيات القرن الماضي، عندما التقى الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود بالزعيمين البريطاني تشرشل والأمريكي روزفلت، إذ أطَّرت تلك اللقاءات للعلاقات الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والمملكة، وكانت بمثابة حلقة مهمة في الترتيبات والقواعد النظامية التي كانت تسعى واشنطن لإرسائها على الصعيد العالمي أو في الشرق الأوسط، لكن الأهم من ذلك أنها كانت إشارة قوية إلى حقيقة الحضور السعودي في اللحظات الفارقة من تاريخ النظام الدولي الذي تشكَّـل آنذاك، وأنَّ المملكة تتموضعُ حاليًا لتفادي إرهاصات تغييرات عالمية أصبحت تلوحُ في الأُفق.
فمن المفارقات أيضًا أن الشرق الأوسط بوصفه مخزنًا للتاريخ، وموطنًا للحضارات، ومهبطًا للديانات، كذلك في تلك اللحظات الانتقالية الفارقة، فحرب السويس في 1956 كانت نهاية نفوذ القوى الاستعمارية القديمة بريطانيا وفرنسا، وبداية صعود الولايات المتحدة كأهم قوة دولية، وكانت حرب تحرير الكويت عام 1990 لحظةً فارقةً بين نظام الثُنائية القطبية ونظام الأُحادية القطبية، وربما تكون الحرب الأمريكية-الإيرانية الراهنة بدايةً لعملية تغيير مماثلة، كدليل على محورية الشرق الأوسط في بنية أي نظام جديد، كما هي محورية السعودية التي تُعتبر القلب النابض في هذه المنطقة من العالم، وقوةً لا غنى عنها لاستقرار أي نظام إقليمي أو عالمي.
وهكذا يمكن القول إنَّ المملكة خلال المرحلة الأخيرة، نجحت بوعي وإدراك في إجراء تغييرات جوهرية في سياساتها تكيَّفت بها مع التحولات الدولية والإقليمية الجارية، واتَّسم هذا النهج بالبرجماتية والعقلانية الشديدة، كما اتَّسم بأنه اختيارٌ ذو طابع استراتيجي وليس مؤقتًا، وسياسة مرنة دون تفريط في الثوابت.
ولا ريب أنَّ هذا النهج يمنحُ المملكة استقلاليةً وتنوعًا في الخيارات والبدائل، ويُساعدها على مواجهة التهديدات والمخاطر، كما يُبقيها أكثر استعدادًا لتحمل الأعباء والتكيف مع التغييرات العاصفة على الصعيد الإقليمي والعالمي؛ والأهم من ذلك كله هو احتفاظها بمركز قوة لا يستهانُ به ولا يمكنُ تجاوزهُ، بينما ينتظر العالم والإقليم تحولًا حتميًا لا مفرَّ منه.
الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولاتعكس بالضرورة رأي المعهد