في توقيتٍ شديد الحساسية والخصوصية، أجرى رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي زيارةً قصيرةً ومفاجئةً للمملكة العربية السعودية في الرابع عشر من أكتوبر 2026، بعد تأجيل زيارةٍ سابقةٍ للمملكة كانت مقررة في يوليو 2027، وأُرجأت على خلفية المساعي الميليشياوية لخفض طموحات الزيدي في تعزيز العلاقات مع السعودية، باستهداف الأراضي السعودية. وما تلى ذلك من ردٍّ أمريكي-سعودي مركَّز ضد التمركزات الميليشياوية في مناطق عراقية متفرقة. ويطرح توقيت الزيارة والمباحثات والمواقف التي رافقتها تساؤلاتٌ بشأن رسائلها وأهدافها وأبعادها خصوصًا أنَّها تأتي بالتزامن مع المواجهات العسكرية في اليمن.
أولًا: أهمية ودلالات التوقيت
تكتسب الزيارة أهميتها من إجرائها في ظل حالةٍ من الاضطرابات الأمنية البالغة الخطورة والتي ربما تعيد رسم الخريطة الأمنية لمنطقة الشرق الأوسط برمتها، ما يجعلها زيارة تتجاوز حدود العلاقات الثنائية، وتمتدُّ للتطورات الأمنية الإقليمية، حيث تشهد البيئة الإستراتيجية في المنطقة تحولاتٍ في ديناميتها وبنيتها وترتيباتها الأمنية، على خلفية استمرارية اتجاهات التصعيد والتصعيد المضاد، بفعل سياسات وتوجهات الدول ذات النزعة الجيوسياسية التعديلية على حساب أمن الدول العربية.
تأتي الزيارة بعد أيامٍ قليلة من الانسحاب العسكري الأمريكي من العراق، وإبداء رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، رغبته في تحقيق التوازن في العلاقات الخارجية، ضمن حديثه بأنَّ إتمام السيادة بعد الانسحاب الأمريكي يستوجب تحقيق التوازن في العلاقات العراقية الخارجية، وعدم حصرها مع طرفٍ إقليمي معين، وجاء ذلك في مقالة له نشرها على موقع صحيفة «الشرق الأوسط» بالتزامن مع زيارته للمملكة بعنوان «العراق والسعودية .. نحو منظومةٍ إقليمية مستقرة».
تتزامن الزيارة أيضًا مع بداية تشكُّل مرحلة اضطراباتٍ أمنية جديدة تتجمع خلالها سحب الحرب، لانطلاق فصلٍ جديد من المواجهات الأمريكية-الإيرانية، من واقع حالات التحشيد العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، ربما لتوجيه ضرباتٍ تجبر إيران وأذرعها في ساحات النفوذ المختلفة على تقديم تنازلات في القضايا العالقة والشائكة، بما يفضي إلى تغييراتٍ إستراتيجية إقليمية كبيرة.
كما تتزامن أيضًا مع اشتعال الساحة اليمنية بفعل التوجيهات الإيرانية للحوثيين للسيطرة على مضيق باب المندب، بهدف تكثيف أوراق الضغط على القوى الإقليمية والدولية، لتعطيل أية ضرباتٍ أمريكية محتملة ضدها.
كذلك تأتي الزيارة بينما تجاوزت الميليشيات في العراق الالتزام بالمهلة الحكومية المحددة الـ30 من سبتمبر لتسليم السلاح للدولة، وعودة إيران لإشعال الصراعات وتنشيط الساحات، ضمن إستراتيجيةٍ إيرانية لبث الرسائل على امتلاكها أدوات تأثيرٍ وأوراق ضغطٍ إقليمية تمكنها من رفع التكلفة على الخصوم لتعطيل أية ضرباتٍ محتملة ضدها. في هذا السياق يأتي توظيف الميليشيات العراقية بنمطٍ جديدٍ يعتمد على الخلايا الصغيرة المكونة من عددٍ قليل من المقاتلين العقائديين الأكثر ارتباطًا بالحرس الثوري، منبثقة من ميليشياتٍ عراقيةٍ تقليدية، تحت قيادة مستشارين إيرانيين بينهم الضابط بفيلق القدس الإيراني حامد عبداللهي المعروف باسم «حجي حامد»، مما يضمن بقاء بنيةٍ مسلحةٍ خفية في العراق تُوظف لخدمة أهدافٍ إيرانية بشكلٍ مخفي ومتحور، ولا تخضع لتسوياتٍ ومقاربات تسليم السلاح للدولة.
تقدِّر الدول العربية والخليجية مدى خطورة الخلايا الجديدة الخفية على مستقبل قضية حصر السلاح بيد الدولة في العراق، وعلى مستقبل العلاقات العربية والخليجية العراقية، لا سيما في ظل ترديد تقارير استخباراتية غربية بأنَّ الخلايا الصغيرة هي النشطة في العراق، وهي من استهدفت الدول العربية والخليجية أثناء الحروب الأمريكية-الإيرانية، ودلَّلت على ذلك بمقتل مستشارين إيرانيين أثناء الهجمات الأمريكية السعودية على التمركزات الميليشياوية بالمحافظات العراقية ردًا على الاستهدافات الميليشياوية للأراضي السعودية.
ثانيًا: رسائل وأبعاد الزيارة
في ضوء توقيتها والتصريحات التي رافقتها وموقع العراق في ظل الاضطرابات الإقليمية، يمكن استنباط عدد من الرسائل والأبعاد للزيارة. يتمثل أحد الرسائل في طمأنة الرياض بشأن عدم تحول العراق إلى مصدر تهديدٍ لأمن المملكة، وسط توالي التقارير الاستخباراتية التي تفيد بإمكانية توجيه ضربةٍ أمريكية جديدة ضد إيران. ومحاولة احتواء الأزمة مع الرياض نتيجة الاعتداءات الميليشياوية السابقة على الأراضي السعودية، وبالتالي تمثِّل الزيارة فرصةً لإعادة بناء الثقة، والحفاظ على مساحةٍ للتفاهم مع الرياض في ظل الاضطرابات الإقليمية، عبر إدانة استهداف مطار الملك خالد الدولي، والمنشآت المدنية السعودية، والتأكيد على عدم السماح باستخدام الأراضي العراقية منطلقًا لأية اعتداءاتٍ ضد السعودية.
كشف الزيدي في مقالته بأنَّ العراق يجب أن يكون جسرًا للحوار، بدلًا من أن يكون ساحةً للصراعات أو منطلقًا لتهديد دول الجوار، وتجنب الاصطفاف ضمن المحاور الإقليمية المتنافسة، ما يعني أنَّه يدرك أنَّ مصلحة العراق في استقرار محيطه، وأنَّ علاقته بالسعودية ركيزةً لهذا الاستقرار، لا سيما أنَّ المملكة تدرك حقيقة العلاقة بين الحوثيين والميليشيات العراقية، ومدى إمكانية توظيفهم في المعارك الإقليمية المحتملة، لذا تضع الزيارة الزيدي أمام استحقاقٍ يتجاوز العلاقات الثنائية، إلى تقديم ضماناتٍ فعلية بشأن منع تكرار الهجمات الميليشياوية التي تنطلق من بلاده، في وقتٍ يحاول فيه تجنب انزلاق علاقات العراق مع جيرانه إلى مواجهةٍ مفتوحة، من دون الدخول في صدامٍ مع الميليشيات التي تملك نفوذًا واسعًا في العراق.
لكن التساؤل الذي يطرح نفسه: هل يمتلك علي الزيدي القدرة على تنفيذ تعهداته بعدم تحول العراق إلى منصةٍ لضرب مصالح المملكة، ومدى قدرته على لجم الميليشيات من الانخراط لصالح إيران أو الحوثيين في المعارك والحروب المتفجرة في الشرق الأوسط؟ والعمل على وضع مصالح العراق أولًا. وتبدو هذه التساؤلات ملحة، فبينما لم يتمكن من الأساس من إلزام الميليشيات على تسليم السلاح للدولة قبل استحقاق الثلاثين من سبتمبر 2026، خاصةً أنَّ الملف الأمني بين الدولتين لم يعد ملفًا ثنائيًا تقليديًا، بل أصبح شرطًا أساسيًا لمستقبل علاقةٍ أفضل ومستمرة بين البلدين بعد الاستهدافات الميليشياوية المتكررة للأراضي الخليجية، ولذلك تمنح الزيارة الطرفين السعودي والعراقي فرصةً حقيقية لإعادة اختبار قنوات التواصل والتعهدات العراقية بعدم تحول العراق إلى منصةٍ لتهديد الأمن السعودي، لا سيما في ظل المهلة التي منحتها له الرياض لاتخاذ خطواتٍ ملموسة تجاه عدم تحول العراق إلى مصدرٍ متكرر للتهديد.
من جانبٍ آخر، يرى العديد من المراقبين أنَّ الزيارة تحمل دلالاتٍ على أنَّ الزيدي يسعى-بدافعٍ من إيران- لتليين مواقف الرياض للقبول بالوساطة الإيرانية بين السعودية والحوثيين في اليمن، لوقف الهجمات المتبادلة، لإدراك طهران حجم المخاطر على تجاوز الحوثيين للخطوط الحمراء السعودية باستهداف المنشآت المدنية، وتسبب ذلك في تشكيل اتجاهٍ عربي وإقليمي ودولي داعمٍ للمملكة ومعادٍ للحوثيين، لا سيما بعدما أخفقت كافة المحاولات الإيرانية في التواصل مع المملكة للتوسط بينها والحوثيين، وربما ارتأت إيران في الزيدي مدخلًا ملائمًا للسعودية التي تحاول الحفاظ على علاقاتٍ جيدةٍ مع حكومته، وسبق أن استجابت لطلبه بعد الاعتداءات الميليشياوية العراقية على خط غاز شرق-غرب للتحقيق، بعدم توجيه الضربات لتمركزاتها في العراق، لا سيما أنَّ الرياض تقدر جهوده لحصر السلاح بيد الدولة ومحاربة الفاسدين.
في المقابل، تشير المعطيات الإقليمية إلى أنَّ القضية الأهم بالنسبة للرياض تتمثَّل في حاجتها للحصول على ضماناتٍ من الزيدي بشأن الهجمات الميليشياوية، لا مسألة الوساطة بخصوص الملف اليمني، أو التوسط في المواجهات الإقليمية المحتملة، وبخاصةٍ أنَّ المملكة تدرك أنَّ نجاح أي دورٍ عراقي من هذا النوع سيكون مرهونًا بقدرة حكومة الزيدي على معالجة مصدر التهديد للمملكة، الذي يقع ضمن نطاق مسؤوليتها بالأساس، وإقناع المملكة بأنَّ التعهدات بعدم تحول العراق إلى منطلقٍ ضد السعودية لن تبقى رهينة التطورات الميدانية، بل ستمنع ذلك من الأساس، علاوةً على أنَّ مسألة الوساطة، وإن طُرحت بالفعل، فلن تكون ملفًا رئيسيًا بديلًا عن الإجراءات الأمنية المطلوبة سعوديًا، لأنَّ المملكة تنظر إلى الهجمات الميليشياوية على مختلف منشآتها، على أنَّها مسألة أمنٍ قومي ووطني تتطلب إجراءاتٍ سريعةٍ تجنبًا للردود الحاسمة.
الخاتمة
يتحرَّك الزيدي ضمن بيئةٍ إقليميةٍ شديدة التعقيد والتشابك، تتداخل فيها علاقة العراق مع السعودية وإيران والولايات المتحدة بشكلٍ كبير للغاية، ولذلك تكشف الزيارة عن اختبارٍ مزدوجٍ له يتمثل في كيفية استعادة الثقة السعودية عبر اتخاذ خطواتٍ عمليةٍ تكشف عن قدرته على ضبط سلوك الميليشيات، بعدم تكرار الهجمات على المملكة من ناحية، وكيفية الحفاظ على التوازنات الداخلية دون اختلالٍ يؤثر على مستقبل حكومته في مواجهة ضغوط الميليشيات المسلحة، لا سيما في ظل النفوذ العسكري والسياسي والاقتصادي الواسع للميليشيات في العراق من ناحيةٍ ثانية. وبالتالي، فالاختبار الحقيقي للزيدي لا يتمثل في إجراء الزيارة المُرحَّب بها بالطبع من جانب المملكة في أي وقت، وإنما في قدرته على تحويل تعهداته الأمنية، واتخاذ خطواتٍ عمليةٍ رادعة للميليشيات، عبر الانتقال من مربع الأقوال إلى الأفعال، بما يشمل الكشف عن نتائج تحقيقات استهداف خط شرق- غرب، وما سبقه من هجماتٍ على المملكة، ومحاسبة ومحاكمة المتورطين عن الهجمات بعقوباتٍ رادعةٍ فعلية، إذ إنَّ مصلحة العراق الحقيقية تتمحور حول تعزيز العلاقات مع الدول الخليجية، عبر منع تكرار الهجمات الميليشياوية، كواجبٍ سيادي لحماية العراق، وليس اصطفافًا ضد دولةٍ إقليميةٍ بعينها. فعندما ينطلق القرار العراقي باعتباره استجابةً طبيعيةً لمتطلبات أمن الدولة ومصالحها العليا، تتعزز فرص السلطات في احتواء المخاطر والتوتر مع دول الجوار من دون توسيع التباينات مع الأطراف والتوازنات الداخلية.