ما بعد الشيخ الفياض: النجف ومستقبل التشيع السياسي في العراق

https://rasanah-iiis.org/?p=39069

تُمثِّل وفاة آية الله إسحاق الفياض (تُوفي الخميس الرابع من يونيو ٢٠٢٦م) لحظة حاسمة في تاريخ الحوزة العلمية في النجف، لأنها تأتي في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، أعقبت اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي (٢٨ فبراير ٢٠٢٦م)، وما أحدثه ذلك من تصدع عميق في مركزية النظام الإيراني وفي نظرية ولاية الفقيه باعتبارها بنية سياسية حاكمة، وكذلك تقدُّم سِنّ آية الله السيستاني المرجع الأبرز والأهمّ في العالم الشيعي.

ومن هنا فإن السؤال عن مستقبل النجف بعد الفياض لا يمكن أن يُقرأ داخل حدود الحوزة العلمية «النجفية» وحدها، بل ينبغي أن يُطرح داخل رؤية أعمق: النجف باعتبارها مركز المرجعية التقليدية المستقلة، وحوزة قم بوصفها المجال الحوزوي المتصل بالدولة الإيرانية، والفصائل الولائية العراقية كونها الامتداد العسكري والسياسي والأيديولوجي للمشروع الإيراني داخل العراق.

أولًا: التوازن النجفي ما بعد الفياض وخامنئي

كان الشيخ الفياض أحد أعمدة الجيل المرجعي الكبير في النجف، إلى جانب مرجعية السيستاني والشيخ بشير النجفي ومحمد سعيد الحكيم (الذي تُوفي في سبتمبر ٢٠٢١م)، وكان يُطلَق عليهم الأربعة الكبار في العالم الشيعي. وقد مثّل الفياض، في شخصه وفقهه، صيغة معقدة من صيغ المرجعية النجفية، فهو فقيه أصولي تقليدي، متصل سنديًّا بمدرسة الخوئي، حريص على استقلال الحوزة عن الدولة والأحزاب، وهو يُقِرّ بحضور الدين في السياسة والمجتمع، ويؤمن بأن للفقيه وظيفة عامة في حفظ مصالح المسلمين، لكنه يرفض أن تتحول المرجعية إلى ذراع حزبية أو أداة من أدوات السلطة أو غطاء شرعي للعنف المسلح، ويرفض ولاية الفقيه المطلقة.

هذه النقطة مفتاح مهمّ لفهم موقع النجف في معادلة ما بعد خامنئي والفياض، فقد كان الفياض يقول، من حيث الأصل، بولاية عامة للفقيه الجامع للشرائط، لكنه لم يكن يساوي بين هذه الولاية وبين النموذج الإيراني المتمثل في ولاية الفقيه المطلقة، الذي يجعل الفقيه رأس الدولة ومركز السيادة الدينية والسياسية والدستورية والأمنية، إذ كانت الولاية عند الفياض وظيفة شرعية مقيدة بالشريعة والعدالة والمصلحة والقدرة، وليست تفويضًا مفتوحًا يسمح للفقيه بأن يتحول إلى حاكم معصوم فوق المحاسبة، مجعول من الله، على نحو ما يذهب الولائيون. ومن هنا تبدو أهمية مقاربة الفياض، فهو لم يكن خصمًا عابرًا لولاية الفقيه من خارجها، بل كان يقدم نسخة نجفية مختلفة منها، نسخة تقبل حضور الفقيه في المجال العام، لكنها لا تقبل ابتلاع الحوزة داخل الدولة.

وموت الفياض في هذا التوقيت يكتسب خطورته، لأن اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي في فبراير الماضي أضعف، إلى حدّ كبير، المركز الأكبر لولاية الفقيه في إيران. فخامنئي كان عنوانًا ورأسًا لمعادلة مهمة في السياق الشيعي: الحوزة التابعة للدولة (الحوزة المقيدة بإرادة المرشد وإدارته، الحوزة التي استُلب استقلالها منذ ١٩٧٩م، وهي نقطة جوهرية طالما ركز عليها الشيخ الفياض)، والدولة الحارسة للثورة، والحرس الثوري باعتباره ذراعًا أيديولوجية، والفصائل الإقليمية كونها امتدادًا لمركز القرار الإيراني. وحين يغيب رأس هذه المعادلة اغتيالًا، فإن السؤال المهم هنا: هل تستطيع ولاية الفقيه أن تحفظ موقعها داخل الجماعة الشيعية، بعد سقوط رمزها الأعلى بطريقة عسكرية عنيفة؟

والعقل الإيراني وإن أُخذ من أول وهلة بعد اغتيال «القائد» إلا أنه سرعان ما وظّف اغتيال المرشد ليجعله رمزًا «للشهادة» و«القيادة» ومِن ثَمّ صار رسميًّا يُطلق عليه «الإمام الشهيد» مما يُعيد توظيف الحادثة في الذاكرة الشيعية والإيرانية ليجعله في مرتبة الأئمة التاريخيين للشيعة، وبالتالي تتجاوز الدولة الإيرانية المحنة الراهنة في زمن الحرب، وتحفظ إرثها الفكري والأيديولوجي وتُحصّن ولاية الفقيه كنظرية حكم في زمن الحرب، ولحظة التحول.

في هذا السياق، قد تظهر ثلاثة توجهات داخل العالم الشيعي:

الاتجاه الأول: هو اتجاه إيراني دفاعي، يسعى إلى إعادة ترميم شرعية ولاية الفقيه عبر التشدد والتعبئة واستدعاء خطاب الثأر والمقاومة. وهذا الاتجاه قد يدفع الفصائل الولائية في العراق إلى مزيد من الانضباط خلف القيادة الإيرانية الجديدة، أو إلى ربما مزيد من العنف لإثبات الوفاء للمركز الإيراني المهتز.

الاتجاه الثاني: هو اتجاه نجفي استقلالي يرى في اغتيال خامنئي دليلًا على خطورة ربط المرجعية بالدولة والحرب والأجهزة العسكرية، إذ إنَّ المرجعية حين تتدخل في عمل الدولة وتصادره، تفقد الدولة حريتها، وحين تصير رأسًا سياسيًّا تصبح هدفًا سياسيًّا وعسكريًّا. وبالتالي يمكن للمرجعية توظيف اللحظة الراهنة لتعزيز شرعيتها التاريخية وتأكيد مقاربتها الفلسفية والفقهية «الانتظارية».

أما الاتجاه الثالث: فهو بروز بعض القوى غير المحسوبة على إيران وكذلك غير المحسوبة على المرجعية النجفية (كالتيار الصدري مثلًا)، قد تحاول استغلال فراغ طهران وفراغ النجف معًا لتزاحمهما في القيادة أو المرجعية، أو لتكون فاعلًا وعاملًا مؤثرًا في صياغة المشهد السياسي والديني في مرحلة فراغ ما بعد خامنئي والفياض، أو الفراغ الكلي ما بعد السيستاني، لا سيما إذا لم تقدر المرجعية النجفية على هندسة هذا الفراغ وملئِه بخلافة على ذات النهج ونفس المقاربات النجفية، مع خطاب عصري متوازن، وخطاب أخلاقي يعزز الحضور النجفي.

ثانيًا: الحوزة والفصائل الولائية ما بعد الفياض

وهنا في هذا السياق، يبدو أنّ الخطر الأكبر على النجف ليس أن تتحول فجأة إلى قم أو تميل كفتها لصالح طهران، فهذا أمر صعب بحكم التاريخ والموقع والبنية العلمية والهوياتية وكذلك شبكتها العلمية وجماعتها الدينية، بل أن تتعرض لاختراق تدريجي عبر المال والوكلاء والمؤسسات، والإعلام والفصائل ومحاولات صناعة رموز دينية ذات قابلية سياسية أعلى.

فالحوزة لا تسقط ولا تغير نهجها المتوارث عادة بقرار مباشر، بل بتغيير بطيء في مصادر التمويل، ومراكز النفوذ وخرائط الولاء، وشبكات الرعاية الاجتماعية. وإذا كانت النجف قد استطاعت في زمن السيستاني والفياض أن تحافظ على مسافة واضحة من الأحزاب والفصائل وتنأى بنفسها عن السياسة، فإن مرحلة ما بعد هذا الجيل ستطرح السؤال الأهمّ: هل ستبقى المرجعية النجفية قادرة على مناهضة النفوذ الإيراني، ومعارضة الفصائل الولائية والدعوة إلى حصر السلاح بيد الدولة العراقية؟

أما الفصائل الولائية العراقية فهي، من غير شكّ، ستكون في قلب المعادلة المقبلة، هذه الفصائل تدرك أنّ النجف أهم مركز علمي في التاريخ الشيعي، وأنها مصدر الشرعية الأول. وهي تدرك كذلك أن شرعيتها الشعبية داخل العراق تبقى ناقصة إذا ظلت المرجعية النجفية متحفظة عليها أو صامتة تجاهها أو رافضة لمنطق السلاح خارج الدولة. ولذلك فإن ما بعد الفياض وما بعد خامنئي قد يدفع هذه الفصائل إلى أحد خيارين: إما محاولة الاقتراب من النجف وتخفيف خطابها الولائي الصريح لإنتاج شرعية عراقية محلية، وإما التصعيد ضد خط الاستقلال النجفي عبر الإعلام والضغط السياسي واتهام المرجعية التقليدية بالانعزال أو الضعف أو عدم مواكبة «محور المقاومة»، وربما وهو الأرجح أن تستمر في رسم سياسة الأمر الواقع باتباع النهج الولائي، وتوسيع حواضن التقليد في قلب العراق، وتقليد خامنئي الابن والتوسع بالنفوذ وبسط السيطرة على الأرض دون الانتقاد العلني للنجف حتى لاتتصادم معها.

النجف تمتلك عناصر قوة لا ينبغي تجاهلها أو التقليل منها، فهي تمتلك عمقًا تاريخيًّا يفوق عمر «الجمهورية الإسلامية» نفسها، وتمتلك استقلالًا اجتماعيًّا متجذرًا في وجدان الجماعة الشيعية في الداخل العراقي وخارجه، وتمتلك تجربة السيستاني بعد 2003 باعتبارها نموذجًا في التدخّل السياسي عند الضرورة لا في الحكم اليومي المباشر. فالمرجعية النجفية تدخلت في لحظات كبرى ومفصلية مثل لحظة الغزو الأمريكي، وتأسيس الدستور، وإجراء الانتخابات، ومواجهة داعش، لكنها لم تؤسس حزبًا، ولم تنشئ ميليشيا باسمها، ولم تطلب أن تكون الدولة امتدادًا لمكتب المرجع. وهذه هي القوة الحقيقية للنجف المعاصرة، أنها حاضرة في المشهد السياسي من دون أن تكون حاكمة، ومؤثرة من دون أن تكون سلطة تنفيذية، ويؤمن بها الشيعة لأنها لا تنافس السياسيين على مناصبهم، وتزداد قوة كلما أخفق المشروع الولائي أو تعرض لأزمات.

من الضروري في تحليل مستقبل النجف التمييز بين نوعين من الفراغ: فراغ جزئي أحدثه رحيل الشيخ الفياض، وفراغ كلي أو شبه كلي قد يحدث عند غياب السيستاني، فرحيل الفياض يضعف أحد أعمدة التوازن الفقهي داخل الحوزة، ويفتح ثغرة في الجناح النجفي التقليدي المناهض للانصهار في المشروع الولائي الإيراني، لكنه لا يطيح بمركز الثقل النجفي كله، لأن السيستاني لا يزال يمثل المرجعية الأعلى، والرمز الأوسع قبولًا، والضامن الأكبر لاستمرار النموذج النجفي المستقل.

أما غياب السيستاني، متى وقع، فسيكون من طبيعة مختلفة تمامًا، إذ لا يعني فقط فقدان مرجع كبير، بل فقدان الشخصية التي أعادت، بعد 2003، تعريف العلاقة بين المرجعية والدولة العراقية، وأعادت فاعلية الجماعة الشيعية واستبقت الدولة العراقية محصّنة ضد النفوذ الإيراني ثم ضد تنظيم الدولة الإسلامية.

لذلك فإنَّ ما بعد الفياض هو اختبار لقدرة النجف على ترميم أطراف بنيتها المرجعية، أما ما بعد السيستاني فسيكون اختبارًا لمركز البنية ذاتها: هل تستطيع الحوزة أن تنتج مرجعية جامعة تملأ الفراغ العلمي والاجتماعي، أم سيتحول غياب المركز إلى فرصة للفصائل الولائية، والمال السياسي والولي الفقيه في طهران، وبعض الطامحين المحليين، لإعادة تشكيل المجال الشيعي العراقي وفق خرائط نفوذ جديدة؟ من هنا تبدو وفاة الفياض إنذارًا مبكرًا وليست نهاية للمرحلة، أما غياب السيستاني فسيكون، على الأرجح، لحظة إعادة تأسيس كاملة لموقع النجف في العراق والعالم الشيعي.

إذًا، فالمرحلة المقبلة لن تكون متعلقة بالفقه التقليدي فقط، في ما يتعلق بالنجف، بل ستكون، لا سيما مع غياب خامنئي وصعود فاعلين جدد في إيران، مرحلة أسئلة كبرى عن الدولة والسلاح، والهوية الوطنية والعلاقة بإيران، والعدالة الاجتماعية، وموقع المرأة، ومصير الشباب الشيعي الذي سئم فساد الأحزاب وسلطة الفصائل الخارجة عن الدولة. وإذا لم تُجِب النجف عن هذه الأسئلة بلغة فقهية وأخلاقية معاصرة، فقد تترك الفراغ لخطابين متضادين، الأول: خطاب علماني غاضب يريد إخراج الدين كله من المجال العام، والثاني: خطاب ولائي مسلح يريد احتكار الدين باسم المقاومة.

أما مستقبل ولاية الفقيه بين الفصائل الولائية بالعراق، لا سيما بعد اغتيال خامنئي، فالأرجح أنه لن ينتهي فورًا، لأن النظريات السياسية لا تموت بموت أصحابها، ولأن الدولة الإيرانية أسست واستثمرت خلال عقود مؤسسات دستورية وأمنية وعسكرية واقتصادية تحمي هذا النموذج. لكنه سيخرج من مرحلة اليقين إلى مرحلة الدفاع عن النفس ومحاولة ترميم الشرعية الدينية والسياسية، فولاية الفقيه بعد خامنئي لن تعود كما كانت قبله، لأن صورة الفقيه الحاكم الذي يملك القول النهائي في الدولة تعرضت لضربة كبرى.

وبالتالي قد يؤدي ذلك إلى مزيد من العسكرة داخل إيران، بحيث يصبح الحرس الثوري لا الفقيه هو الضامن الحقيقي للنظام، فيما تبقى ولاية الفقيه عنوانًا شرعيًّا فوق بنية أمنية عميقة. وهذا التحول إن اكتمل فسيعني أن الفقيه لم يعُد يقود الدولة بقدر ما يمنحها شرعية، وأن السلطة الفعلية ستنتقل أكثر فأكثر إلى الأجهزة الصلبة، لكن سيُطرَح سؤال مهم في هذا السياق: ماذا عن الفصائل الولائية؟ وما سُمّيت ولائية إلا بسبب اتباعها للولي الفقيه! فهل ستستمر تلك الفصائل في اتباع «الولي الفقيه» في طهران بغضّ النظر عن اسمه وأعلميته وكفاءته الدينية والسياسية؟ ومِن ثَمّ تكون مقلّدة في الحقيقة لطهران ومؤسسات الدولة الإيرانية، وتابعة لمن تغلّب في بلاد فارس دون إعمال النظر في مقتضيات ولاية الفقيه وتحولاتها وكفاءة من يزعمها ومؤهلاته وأعلميته الفقهية والأصولية!

في المقابل، قد تستفيد النجف من هذا الارتباك الإيراني لتأكيد نموذجها المختلف: نموذج المرجعية المستقلة التي لا تربط الدين بالدولة ربطًا عضويًّا، ولا تجعل الفقيه قائدًا أعلى للجيوش والأجهزة، ولا تحوّل الحوزة إلى جزء من الأمن القومي لدولة معينة.

وهنا يصبح إرث الفياض مهمًّا جدًّا، لأنه يبرهن على أن الفقيه يمكن أن يؤمن بالحضور العام للشريعة، بل وبولاية عامة مقيدة، من دون أن يسلّم الحوزة للدولة أو الفصائل أو الحزب. فهو نموذج مضاد للتبسيط: ليس علمانيًّا، وليس ولائيًّا إيرانيًّا، ليس منسحبًا من السياسة، وليس منصهرًا فيها.

ثالثًا: مستقبل الحوزة ما بعد الفياض

يمكن القول إنَّ مستقبل الحوزة في النجف بعد الشيخ الفياض سيتحدد وفق قدرتها على إدارة أربعة تحديات كبرى، تتمثل في ما يلي:

الأول: تحدي الخلافة المرجعية. أي إنتاج مراجع كبار يحظون بثقة علمية واجتماعية واسعة بعد رحيل الجيل القديم، فكما أنّ النظام الإيراني هندس خلافة خامنئي الأب بتنصيب خامنئي الابن مباشرة، فإنّ النجف في تلك المرحلة في حاجة ماسة إلى خلافة مراجعها الكبار بمن هُم على نفس النهج، وذلك ليس بهندسة المشهد على غرار ما فعل الإيرانيون تنصيبًا لخامنئي الابن وحصرًا لمهمة مجلس الخبراء في الكشف دون الانتخاب، وإنما بصناعة جيل من العلماء على نفس النمط الانتظاريّ الذي يحفظ إرث النجف وتاريخها واستقلاليتها.

الثاني: تحدي الاستقلال. أي منع المال السياسي والفصائلي والإيراني من التحكم في مؤسسات الحوزة ووكلائها، وذلك مرتبط بحفاظ النجف على أوّليتها وتاريخها وإرثها وتقدمها على الحوزات الأخرى، ومِن ثَمّ تبقى الأكثر موارد فيمكنها مواجهة الضغوط ومحاولات استلاب استقلاليتها وتدجينها.

الثالث: تحدي الدولة العراقية. أي الحفاظ على علاقة متوازنة مع الدولة العراقية من دون التحول إلى حزب معارض أو سلطة بديلة، وفي الوقت نفسه الاستمرارية في نفس النمط الداعي إلى الحكم المدني وحصر السلاح في يد الدولة، مما يعوق تمدد الفصائل الولائية، وينزع الشرعية عنها، ويحول دون انفرادها بالحواضن الشعبية.

والرابع: تحدي ولاية الفقيه بعد خامنئي. أي تقديم بديل شيعي عميق لا يختزل الدين في الحكم، ولا يختزل الحكم في الفقيه، ولا يترك المجتمع بلا مرجعية أخلاقية، ومِن ثَمّ يمكنه التأثير في قم نفسها وفي بقاء فاعلية الانتظاريين فيها ممن لا يؤمنون بولاية الفقيه المطلقة.

وحاصل القول أنَّ رحيل الفياض واغتيال خامنئي يفتحان معًا مرحلة شيعية جديدة، ففي النجف يغيب أحد أعمدة التوازن الفقهي المستقل، وفي طهران يغيب رأس النظام الولائي الذي حكم إيران لعقود، وبين الغيابَين تتحرك الفصائل المسلحة، والأحزاب الشيعية، والدولة العراقية، والحوزتان في النجف وقم. والراجح أن المستقبل لن يكون صراعًا فقهيًّا تقليديًّا حول «ولاية الفقيه»، بل سيكون صراعًا على من يملك حقّ تعريف التشيع السياسي في القرن الحادي والعشرين، هل هو تشيع الدولة والحرس والفصائل، أم تشيع المرجعية المستقلة التي تحفظ الدين من السلطة كما تحفظ المجتمع من الفوضى؟ هنا تكمن أهمية النجف بعد الفياض، وأهمية إرثه، وخطورة اللحظة التي دخلها العراق والعالم الشيعي بعد اغتيال خامنئي، وموت الفياض، مما سينتج عنه تحولات كبيرة في قم والنجف سترسم المشهد للعقود القادمة، وسوف نتناول في تقرير لاحقٍ الخلفاء المحتملين لخلافة الفياض والسيستاني في النجف.

خاتمة

يكشف رحيل الشيخ الفياض، في تزامنه مع اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، عن فترة انتقالية عميقة في البيئة الشيعية المعاصرة، لحظة يُطرح فيها سؤال العلاقة بين الفقيه والدولة وبين المرجعية والسلاح. فالنجف بعد الفياض لا تنشغل فقط بسؤال الخلافة المرجعية، بل تواجه سؤالًا أعمق: هل تستطيع أن تحفظ نموذجها التاريخي القائم على ثنائية «الاستقلال والانتظار»، أم أن ذهاب الجيل القديم سيفتح الباب أمام نفوذ المال السياسي والفصائل المسلحة، وجماعات المصالح وشبكات النفوذ العابرة للحدود، لإعادة تشكيل المجال الشيعي العراقي من داخله؟ وبالمقابل، فإنَّ طهران بعد خامنئي لا تواجه فقط سؤال القيادة الجديدة، بل سؤال الشرعية ذاتها: هل تبقى ولاية الفقيه سلطة روحية وسياسية جامعة، أم تتحول تدريجيًّا إلى غطاء فقهي لبنية أمنية وعسكرية تقودها الأجهزة الأمنية الصلبة أكثر مما يقودها الوليّ الفقيه؟ قد يكون ذلك التحول في طهران والفراغ الذي خلفه خامنئي الأب فرصة للنجف لترتيب أوضاعها، وهيكلة بيتها، بعيدًا عن مقاربات طهران.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير