بعد عام الاقتصاد المقاوم.. أين يقف الاقتصاد الكلِّي الإيرانيّ؟

يحتفل الإيرانيّون هذه الأيام بعيد النوروز الذي يوافق بداية السنة الإيرانيَّة الجديدة 1397، وذلك بدءًا من 21 مارس، ويبدأ معه عطلة تستمر لأسبوعين يخرج فيها الإيرانيّون إلى الطبيعة للتنزُّه، ولاعتقادهم أن البقاء تحت سقف بيت خلال أعياد النوروز يجلب سوء الحظ مع بداية عام جديد[1]، أو قد يكون خروجهم هربًا من ضغوط الحياة وابتعادًا عن الخطب والوعود والشعارات السياسية والاقتصادية التي تظهر في نفس التوقيت من كل عام وتَعِد بتحسُّن الاقتصاد ومعه أوضاعهم المعيشية. “الاستثمار والتنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية” هو الشعار المرفوع للعام الجديد (البادئ في 21 مارس 2018)، في حين كان “عام الاقتصاد المقاوم: الإنتاج وتوفير فرص العمل”[2] هو الشعار المرفوع خلال العام الإيرانيّ السابق، فإلى أي مدى نجحت الدولة في تطبيق هذا الشعار في مستويات الإنتاج والتشغيل ومعدَّلات الأسعار والفقر وتوزيع ثمار التنمية في المجتمع؟ وكيف يشعر الإيرانيّون حيال التطوّرات الاقتصادية؟ هذا ما ستتناوله السطور التالية.

تمهيد
تستند الفلسفة الاقتصادية الإيرانيَّة منذ قيام ثورة 1979 على ثلاثة أسس رئيسية: إسلامية الهوى والشعارات، والاستقلالية (عن الغرب تحديدًا)، وسيادة الدولة على النشاط الاقتصادي[3]، وعلى مدار قرابة أربعين سنة من عمر الثورة لم تبتعد الفلسفة الاقتصادية لإيران كثيرًا عن الأسس سابقة الذكر، وذلك على الرغم من جنوحها ناحية السياسات الاقتصادية الليبرالية جزئيًّا والانفتاح الاقتصادي على الخارج وتشجيع الرأسمالية والاستثمارات الأجنبية والقطاع الخاصّ بدرجات متفاوتة في عهد بعض رؤساء الجمهورية كهاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي وحسن روحاني. في حين ظهر التدخُّل الحكومي المباشر في الاقتصاد وتكوين قاعدة شعبية واسعة باتباع السياسات الشعبوية والدعم الحكومي وتقليص أنشطة القطاع الخاصّ الخارج عن تبعية الحكومة أو رجال الدين والعزلة الاقتصادية الدولية في عهد رؤساء آخَرين كعلي خامنئي أو محمود أحمدي نجاد.
وعلى الرغم من استفادة إيران من رأس المال الغربي في تطوير أهمّ قطاعات الاقتصاد وهو قطاع النِّفْط، لا يزال مرشد الثورة يرفع شعار الاقتصاد المقاوم والاستقلال عن الغرب إلى الآن، وحتى الرئيس الحالي المنفتح على الغرب روحاني لا ينفي هذا الشعار في خطاباته، الذي يعني باختصار تطوير الاقتصاد بالاعتماد على القدرات الذاتية، في حين تمسك إيران بالاتِّفاق النووي مع القوى الغربية هو في الحقيقية اعتراف ضمني بحاجة الاقتصاد الإيرانيّ الشديدة إلى مساندة الغرب لتطوير الاقتصاد، وهو أمر حقيقي.
يتألف هيكل الاقتصاد الإيرانيّ من ثلاثة مكوِّنات رئيسية: الدولة أو القطاع الحكومي، وهو القطاع الأكبر والمسيطر على أغلب مفاصل الاقتصاد كالنِّفْط والبتروكيماويات والصناعة والتعدين والخدمات، يليه القطاع التعاوني أو شبه الدولة، وهو قطاع كبير يعلب أدوارًا اقتصادية وسياسية مهمَّة في الدولة، ويأتي على رأس هذا القطاع ما يُطلَق عليه “البنياد”، وهي مؤسَّسات اقتصادية منتشرة في إيران تتّسم بالطابع الوقفي أو الخيري، تخضع مباشرة لسلطة المرشد الإيرانيّ فقط دون رقابة برلمانية أو حكومية، وأشهرها “مؤسَّسة المستضعفين” التي يُعتقد أنها ثاني أضخم مؤسَّسة تجارية في إيران بعد الشركة الوطنية للنِّفْط المملوكة للدولة، وتشغل “المستضعفين” ما يزيد على 200 ألف موظف[4]، بالإضافة إلى مؤسَّسات اقتصادية تابعة لجهات عسكرية كالحرس الثوري الإيرانيّ لها أنشطة تجارية واقتصادية كثيرة تأتمر بأمر مرشد الثورة مباشرة. أمَّا القطاع الأخير فهو القطاع الخاصّ، لكنه محدود، وهو الأقل تشكيلًا للاقتصاد الإيرانيّ بحكم عدم القدرة على المنافسة الاقتصادية العادلة مع قطاعات الدولة أو شبه الدولة مع تقييد الحصار الدولي البنكي على تعاملاته التجارية.
سعى الرئيس الحالي حسن روحاني منذ توليه الحكم (2013 حتى الآن) لانتهاج سياسات اقتصادية ليبرالية تدعو إلى تحرير الاقتصاد من الاحتكار وتشجيع القطاع الخاصّ والسعي وراء استقطاب الاستثمارات الأجنبية والعقود الخارجية مع كبرى الشركات في مختلف المجالات، وكان أبرز النجاحات الاقتصادية في عهده إتمام الاتِّفاق النووي وتطبيقه مطلع عام 2016 وعودة عدد من الشركات الأجنبية للعمل في إيران مرة أخرى بعد خروجها منذ تشديد العقوبات الدولية على إيران في عام 2012، وكان للأخيرة تأثيرات سلبية خطيرة على الاقتصاد خلال عهد أحمدي نجاد، وهو الإرث الذي تَسلَّمه روحاني ونجح في تعديل مسار بعض منه إلى الأفضل، كتحقيق معدَّلات نموّ إيجابية بعد أن كانت بالسالب والسيطرة على ارتفاع معدَّلات التضخُّم السنوية التي وصلت إلى قرابة 40 في المئة في أواخر 2013 وفق بيانات غير حكومية، لكن من ناحية أخرى لم ينجح حسن روحاني مع نهاية الولاية الأولى له في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة التي تطال جميع أفراد المجتمع، وارتفعت معدَّلات الفقر والبطالة والتفاوت في توزيع الدخول، وفي حين دعا إلى الحرية الاقتصادية وتشجيع الاستثمارات الأجنبية لم تصبّ هذه السياسات في صالح القطاع الخاصّ بل صبت في صالح شركات حكومية أو جماعات المصالح القوية[5] التي لم يستطِع التأثير عليها.

تهدف الدراسة إلى تحليل عدد من المؤشّرات الكلية للاقتصاد الإيرانيّ عبر أربعة محاور رئيسية تشمل نموّ الناتج المحلِّي الإجمالي الحقيقي، وأداء الموازنة والسياسة المالية للدولة، ومعدَّلات البطالة والفقر، واتجاهات معدَّل التضخُّم، وذلك للوقوف على أداء الاقتصاد وتطوُّره من عدمه خلال الفترة الماضية، تحديدًا خلال العام الإيرانيّ 1396 (مارس 2017-مارس 2018)، الذي أُطلِقَ فيه شعار “الاقتصاد المقاوم: الإنتاج وتوفير فرص العمل”، بالإضافة إلى إلقاء الضوء على نقاط قوة وضعف الاقتصاد، وتحديد أولويات السياسة المالية والنقدية للدولة وانعكاسها على الإيرانيّين في شكل معدَّلات البطالة ومستويات التضخُّم والفقر والرضا عن أوضاعهم الاقتصادية، ونختم الدراسة بالنتائج وقراءة استشرافية للمستقبل في ضوء التطوّرات الراهنة.

المحور الأول: معدَّلات النموّ الحقيقي والإنتاج المحلي
يتفق الاقتصاديون على أن إجمالي الناتج المحلِّي (GDP) أفضل الوسائل لقياس قيمة الإنتاج في اقتصاد ما وتطوُّره[6]، وهو عبارة عن مُجمَل القيمة السوقية (السعرية) للسلع والخدمات النهائية أو تامَّة الصنع المُنتَجة في اقتصاد بعينه خلال سنة ما، وبما أن الأسعار تتغير باستمرار في اقتصاد كالاقتصاد الإيرانيّ، فمن الضروري قياس تطوّر حجم الناتج المحلِّي الإجمالي الحقيقي أو معدَّل نموّ الاقتصاد الحقيقي (Real GDP Growth Rate) للتعبير عن الزيادة الحقيقية في حجم الإنتاج الكمي بعيدًا عن تغيرات الأسعار، ويتم ذلك بتثبت أسعار سنة سابقة تُسَمَّى “سنة أساس” مَرْجِعًا للمقارنة (تكون عادة هي سنة بداية الخطط الطويلة كالخطط الخمسية). كما تساعد معرفة الناتج المحلِّي الإجمالي في قياس رفاهية الشعوب بالمقارنة بنصيبها من الناتج المحلِّي الإجمالي لبلدانها، فعندما يكون نصيب الإيرانيّ من الناتج المحلِّي في عام 2017 نحو 5 آلاف وأربعمئة دولار خلال العام، فمن المنطقي أن يتمتع برفاهية أقلّ من التي يحصل عليها نظيره التركي على سبيل المثال الذي يصل نصيبه من الناتج المحلِّي الإجمالي في نفس العام إلى أكثر من 10 آلاف دولار، مع تساوي عدد سكان كلا البلدين تقريبًا.
نما الاقتصاد الإيرانيّ أو الناتج المحلِّي الإجمالي الحقيقي خلال العام المالي الإيرانيّ 1396 (مارس 2017-مارس 2018) في حدود 4.2 في المئة مقارنة بالعام المالي السابق وفق تقديرات صندوق النقد الدولي الصادرة في ديسمبر 2017 (حسب توقع الصندوق، لعدم خروج إحصائيات الربع الرابع من العام المالي 2017/2018)، وتراوح إجمالي الناتج المحلِّي لإيران بين 427 و440 مليار دولار بنهاية العام ذاته باختلاف التقديرات[7]، ليكون ثاني أكبر اقتصاد في الشرق الأوسط بعد المملكة العربية السعوديَّة (مع استبعاد تركيا خارج تصنيف الشرق الأوسط وَفْق فلسفة البنك الدولي).
كذلك يتضح من الشكل البياني رقم1 أنه رغم تسجيل النموّ الحقيقي معدَّلات جيدة في عام 2017، فإنه بعيد عن معدَّله القياسي المسجل في نهاية عام 2016 بنسبة 12.5%، والذي اكتسب زَخْمه بسبب استئناف صادرات النِّفْط الإيرانيّ عقب تطبيق الاتِّفاق النووي مطلع عام 2016، وبعد معاودة تصدير أكثر من مليون برميل نفط إلى الخارج مرة أخرى.

 

إعداد: الوحدة الاقتصادية بالمعهد الدولي للدراسات الإيرانية بالاعتماد على بيانات صندوق النقد الدولي

ويوضح الشكل البياني رقم2 وفق البيانات الإحصائية المتاحة استعادة الحجم الإجمالي الناتج المحلِّي الإيرانيّ عافيته نسبيًّا في عام 2017 بعد أربع سنوات متتالية من الانخفاض تأثُّرًا بالعقوبات الاقتصادية المشدَّدة منذ عام 2012، ويُظهِر الرسم البياني التالي تراجع إجمالي الناتج المحلِّي من أكثر من 570 مليار دولار في عام 2011 إلى نحو 375 مليار دولار في عام 2015، وهو أدنى مستوى وصل إليه الدخل أو الناتج المحلِّي الإيرانيّ منذ عام 2008، ثم اتخذ مسار الصعود مرة أخرى في عامَي 2016 و2017 على أمل العودة إلى أعلى حجم إنتاج نهائي وصل إليه الاقتصاد في عام 2011 أو مباشرة قبل العام الذي شدّد فيه الغرب العقوبات على الاقتصاد الإيرانيّ.

إعداد: الوحدة الاقتصادية بالمعهد الدولي للدراسات الإيرانية بالاعتماد على بيانات Knoema

وهنا من الضروري الإشارة إلى نجاح حكومة روحاني في تحقيق معدَّلات نموّ جيدة في السنوات الأخيرة مقارنة بمعدَّلات نموّ سلبية في حكومات سابقة، لكن ليس بالضرورة أن يكون هذا مؤشِّرًا على التنمية الاقتصادية الحقيقية، فقد تتحقق معدَّلات نموّ مرتفعة ولا يشعر بها المواطن على أرض الواقع، سواء في شكل زيادة لمعدَّلات التشغيل أو تحسين الخدمات التعلمية والصحية وخدمات التدريب والتأهيل وما إلى ذلك من انعكاسات تنموية لارتفاع معدَّلات النموّ الاقتصادي، أو تحقيق نموّ بمفهومه الشامل. ويرى الاقتصادي الإيرانيّ علي فتح الله نجاد إن النموّ الاقتصادي الشامل يضمن توزيع الإيرادات بالتساوي على أكبر عدد ممكن من السكان[8] بحيث لا يبقى حكرًا على شرائح معيَّنة، لكن حكومة روحاني لم تتمكن من تحقيقه، وانعكس ذلك في عدة مؤشّرات كنِسَب الفقر والبطالة وزيادة الفجوة بين أفقر وأغني فئات المجتمع، وهذا ما سيتضح أكثر في المحاور التالية.

المحور الثاني: الموازنة الحكومية والسياسة المالية
تنبع أهمِّيَّة السياسة المالية للدولة من كونها أداة هامَّة لتحقيق أهداف الاقتصاد الكلي من زيادة معدَّلات النموّ أو خفض معدَّلات التضخُّم والبطالة وزيادة معدَّلات التشغيل والاستثمار، أو قد تؤدِّي السياسات المالية في أحيان أخرى إلى تثبيط الاستثمار ورفع معدَّلات البطالة أو معدَّلات التضخُّم أو ما يُعرَف بالسياسات التوسعية في مقابل السياسات الانكماشية، ومن ناحية أخرى يكشف توزيع مخصَّصات الإنفاق في الموازنة توجهات وأولويات الحكومة خلال فترة زمنية، إلا أن حول ذلك تساؤلًا: هل ستركز على تطوير القدرات الصحية والتعليمية أو الثقافية، أو تتوجه إلى القطاعات الإنتاجية التي تخلق فرصًا جديدة، أم ستهتم أكثر بتطوير القدرات العسكرية، أو تولي الرعاية الاجتماعية ودعم الفقراء اهتمامًا أكبر؟
بلغ حجم موازنة العام المالي 2017/2018 نحو 371 ألف مليار تومان إيرانيّ (112 مليار دولار تقريبًا بسعر الصرف الرسميّ في الموازنة البالغ 3300 تومان للدولار الواحد) بزيادة اسمية (ظاهرية أو Nominal) قدرها 15% على موازنة العام المالي السابق (مع الأخذ في الاعتبار تأثير تراجع العملة المحلية أمام الدولار في زيادة القيمة الإجمالية للموازنة)، وقدرت موازنة 2017 سعر النِّفْط عند خمسين دولارًا للبرميل (كسر سعر برميل برنت 69 دولارًا حتى 22 مارس 2018 بما يعني موارد إضافية للموازنة)، وتُعتبر إيرادات النِّفْط المورد الرئيسي لإيرادات الموازنة بعد الضرائب، وعلى هذا الأساس قدَّرَت الحكومة مدخولاتها من مبيعات النِّفْط بـ118 ألف مليار تومان (35.7 مليار دولار بسعر صرف الموازنة الرسميّ أو نحو 32% من إيرادات الموازنة) عبر صادرات يومية مقدرة بمليونَين و959 ألف برميل. وقدّرَت الموازنة إيراداتها من تحصيل الضرائب بنفس مبلغ متحصلات النِّفْط، أي 118 ألف مليار تومان (35.7 مليار دولار)[9]، هذا عن إيرادات الموازنة عمومًا.
أمَّا بخصوص توزيع نفقات الموازنة، فيذهب نحو ثلاثة أرباع مخصَّصات الموازنة لسدّ النفقات الجارية عمومًا، التي تشمل الأجور ونفقات التشغيل في القطاعات المختلفة، ويذهب جزء آخر للدعم وسداد الديون الحكومية ونفقات إضافية قد لا تُدرَج في الموازنة[10].
وعلى صعيد القطاعات، فكما يتضح من الشكل البياني رقم3 خصَّصَت الموازنة للدفاع والأمن الجانب الأكبر من النفقات بنحو 12.9 مليار دولار، تليها مخصَّصات الدفاع مخصَّصات وزارة العمل والرعاية الاجتماعية بنحو 7.3 مليار دولار، تليها وزارة الصحة بنحو 2.5 مليار دولار، ثم وزارة التربية بنحو 473 مليون دولار، ثم مخصَّصات وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي بنحو 313 مليون دولار.
أما المخصَّصات المالية للاستثمار وللقطاعات الإنتاجية الأساسية فجاءت قليلة للغاية كقطاعات الزراعة والصناعة والتجارة والمعادن والبناء والطرق المواصلات[11]، التي رُصدت على التوالي بالمليون دولار: 153، و162، و141. وجدير بالذكر أن الميزانية العسكرية زادت بنسبة كبيرة خلال الفترة الأولى لتولِّي الرئيس حسن روحاني الحكم في إيران، تحديدًا بنسبة 145 في المئة خلال الفترة من 2013 إلى أبريل 2017 وَفْقًا لتصريحات لروحاني نفسه مفتخرًا بما قدَّمه لهذا القطاع[12].

إعداد: الوحدة الاقتصادية بالمعهد الدولي للدراسات الإيرانية https://goo.gl/3qmzFA

يكشف تقسيم الحكومة توزيع النفقات سابقة الذكر أن مخصَّصات الدفاع والأمن شكَّلَت الجانب الأكبر من إجمالي الإنفاق على القطاعات المختلفة مقارنة بالقطاعات المدنية والتنموية، وتلا مخصَّصات الإنفاق الدفاعي مخصَّصات العمل والرعاية الاجتماعية ثم الصحة، في حين حصلت وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي على مخصَّصات أعلى من تلك المرتبطة بقطاعات الاستثمار والإنتاج الأساسية كالزراعة والصناعة والبناء والطرق. ومِن ثَمَّ يتضح إن الموازنة موجهة بالأساس لتقوية جانب الدفاع والأمن، ثم الرعاية الاجتماعية والصحية بدرجات أقلّ، في حين لم تُعطِ الموازنة الإنفاق الاستثماري في القطاعات الإنتاجية المختلفة اهتمامًا يُذكَر، واقتصرت على توفير النفقات التشغيلية لتلك القطاعات، في حين أنها القطاعات الأقدر على خلق فرص عمل جديدة وزيادة الإنتاج.

عجز الموازنة
بتحليل الإيرادات والنفقات الفعلية المعلنة بعد انتهاء الربع الأول من العام المالي 1396 (من 21 مارس إلى 20 يونيو 2017) حسب الإحصائيات المتوافرة ينكشف جانب من الأداء المالي للحكومة خلال العام، إذ بلغت إيرادات الحكومة الفعلية 6.2 مليار دولار، لكنها لم تشكِّل إلا 53% من المستهدف خلال الفترة. في حين بلغت النفقات خلال نفس الربع 14.4 مليار دولار محققة 85% من النفقات الحكومية المتوقَّعة خلال الفترة. بمعنى آخَر بلغت النفقات الفعلية ضعف الإيرادات الفعلية خلال الربع الأول ولم تحقق الدولة من الإيرادات إلا نصف المتوقَّع ليبلغ بذلك العجز الفعلي خلال أول ربع مالي فقط أكثر من 8 مليارات دولار[13].
من هنا يمكن أن نستنتج أنه إذا ما استمر إخفاق الحكومة في تحقيق إيراداتها المتوقَّعة بنفس الوتيرة فسيرتفع العجز الفعلي في نهاية العام المالي 2018 بنسب أعلى بكثير من المتوقَّعة من البنك المركزي الإيرانيّ (9.6 مليار دولار). ونظرًا إلى العقوبات والضغوط الأمريكيَّة على المصارف الدولية مع اعتماد الموازنة الكبير على مبيعات الطاقة، لا يتحقق جزء لا يُستهان به من الإيرادات المتوقَّعة لأن الحكومة لا تستطيع الحصول على مستحقاتها المالية كاملة من مبيعات النِّفْط والغاز والبتروكيماويات أو في الوقت الذي تريده، في حين تعتمد عليها إيرادات الموازنة بنسبة كبيرة (65% خلال الربع الأول من العام المالي سابق الذكر)، وهو أمر يضع عبئًا إضافيًا على حرية الحكومة في تنفيذ سياساتها.
أما عجز الموازنة المتوقَّع بنهاية العام المالي الحالي 1396 (2017/2018) فيقدره البنك المركزي الإيرانيّ بـ9.6 مليار دولار[14]، ولكن تَوَقَّع عضو لجنة التخطيط والموازنة بالبرلمان الإيرانيّ محمد حسيني أن تواجه الموازنة الحكومية عجزًا أكبر بكثير[15]، مستشهدًا بانخفاض الإيرادات الفعلية للعام الماضي بنسبة 25% عن المتوقَّع.
وتاريخيًّا سجلت الموازنات الحكومية لإيران عجزًا متزايدًا خلال السنوات الخمس الأخيرة كما يتضح من الشكل البياني رقم4، وبلغ العجز 7.62 مليار دولار خلال العام المالي الماضي 2016/2017، و5 مليارات دولار في العام المالي 2015/2016، و3.4 مليار دولار في العام المالي 2014/2015[16].

إعداد: الوحدة الاقتصادية بمركز الخليج العربي للدراسات الإيرانية

جدير بالذكر أن عجز الموازنة الإيرانيَّة لا يرجع فقط إلى نقص الإيرادات الفعلية عن المتوقَّعة، بل يعود في جانب منه إلى النفقات التي تتمّ خارج البنود المُدرَجة في الموازنة الحكومية، فالنفقات المتزايدة خارج الحدود الإيرانيَّة تلعب دورًا في تفاقم العجز إذا ما علمنا أن الدعم الإيرانيّ لسوريا بأشكاله المختلفة يتراوح بين 6 مليارات و20 مليار دولار وفق التقديرات المختلفة[17]، ولا يوجد دليل مادي على أن نفقات الصراعات تُمَوَّل من بعض إيرادات الحكومة، لكن حجم الأموال الضخمة التي تُنفَق لهذا الغرض تطرح تساؤلات جدية عن كيفية تمويل هذه الصراعات. ومن ناحية أخرى قد تلجأ الحكومات أحيانًا إلى تخفيض قيمة عملاتها لتقليل قيم ديونها المتزايدة، وفي إيران تقدَّر ديون الحكومة بعشرات مليارات الدولارات لشركات وبنوك القطاعين الخاصّ والعامّ، فعلي سبيل المثال لا الحصر تقدر ديون الحكومة للضمان الاجتماعي فقط بما يعادل 35 مليار دولار، وتخفيض قيمة العملة يقلّل قيمة هذه المديونيات بالعملة الأجنبية.
الخلاصة أن عجز الموازنة في اتجاه تصاعدي منذ خمسة أعوام، والأدهى أنه قد يموَّل بتخفيض قيمة العملة، وهو أمر له انعكاسات سلبية على مستويات أسعار المنتجات المحلية والمستوردة ومستوى معيشة المواطنين، بالإضافة إلى ذهاب الجزء الأكبر من إنفاق الحكومة إلى النفقات التشغيلية للدولة أو إبقاء الوضع كما هو مع إنفاق استثماري محدود وأولوية في مخصَّصات الإنفاق نحو قطاعات لا تخلق فرص عمل جديدة.

المحور الثالث: معدَّلات الفقر والبطالة ومستوى المعيشة
أظهر استطلاع رأي للأوضاع المعيشية للإيرانيّين قُبَيل الانتخابات الرئاسية في دورتها الثانية عشرة أجراه موقع “Iran Poll” الكندي في مايو 2017، أن 35% من الشعب يعتقد أن أوضاعهم الاقتصادية صارت أسوأ خلال فترة روحاني الأولى، كما يتضح من الرسم البياني رقم7، و51% يعتقدون أن تغييرًا لم يطرأ، و11% من الشعب يرون أن أوضاعهم الاقتصادية صارت أفضل[18]. بمعنى آخَر فإن 86% من الشعب (51+35) كانوا يأملون في تحقيق أوضاع أفضل لم يجدوها خلال ولاية روحاني الأولى، ويدعم النسب المرتفعة من عدم الرضا واقع ومؤشّرات معيشية لم تتغير إلى الأفضل في الآونة الأخيرة، كالفقر والبطالة والتفاوت في توزيع الدخول، وسنوضح في الجزء التالي من الدراسة إلى أين وصلت هذه المؤشّرات حتى العام محلّ الدراسة الذي رفع شعار “الاقتصاد المقاوم: الإنتاج وتوفير فرص العمل”.

إعداد: الوحدة الاقتصادية بالمعهد الدولي للدراسات الإيرانية بالاعتماد على استطلاع رأي موقع Iran Poll

 

الفقراء في إيران
إذا أردنا أن نستكشف إلى أين وصلت معدَّلات الفقر والبطالة، فالتقديرات الإيرانيَّة تُظهِر أن ما بين 10 و12 مليون شخص في إيران يعيشون تحت خط الفقر المطلق (لا يجدون ما يسدّ حاجاتهم الأساسية)، وقُدّر خط الفقر الإيرانيّ في عام 2017 بـ930 ألف تومان في الشهر (281 دولارًا وَفْق سعر صرف 3300 في موازنة العام أو 200 دولار تقريبًا بسعر الصرف الحر)، وقد يرتفع العدد إلى معدَّلات تتراوح بين 16 و20 مليون إيرانيّ [19] يعيشون ضمن نطاق أو بالقرب من خطّ الفقر المدقع إذا ما ارتفع مقدار خطّ الفقر وَفْقًا لهيئة إغاثة الخميني المختصة بالمساعدات الاجتماعية للمحتاجين. في حين أنه على الجانب الآخَر من الفقر المطلق يزداد ثراء الطبقات الأكثر ثراءً وَفْق آخِر إحصائية للبنك المركزي الإيرانيّ في نوفمبر 2017، التي أكَّد فيها أن الفجوة بين الطبقات ازدادت بمقدار 15 ضعفًا، بمعنى آخَر ازدادت ثروات الـ10% الأكثر ثراءً في المجتمع بمقدار 15 ضعفًا خلال السنوات الأخيرة[20]، وتعكس هذه الإحصائية حجم التفاوت الكبير في توزيع الثروة في إيران بزيادة غِنَى الأغنياء مع زيادة فقر الفقراء.
أما في مؤشّر التنمية البشرية للأمم المتَّحدة لعام 2016 الذي يقيس مستوى رفاهية شعوب العالَم بالمقارنة، فاحتلت إيران الترتيب 69 من بين 188 دولة في العالَم، وهو تصنيف تعتبره الأمم المتَّحدة “مرتفعًا”، وللمقارنة جاءت السعوديَّة في الترتيب 38 لنفس السنة، وهو تصنيف “مرتفع للغاية”، في حين جاءت مصر في الترتيب 111، وهو تصنيف “متوسط” طِبْقًا لمؤشّر التنمية البشرية[21].

إلى أين وصلت معدَّلات البطالة؟ وما تكلفتها على الفرد والمجتمع؟
أما عن معدَّلات البطالة في 2017 فالتفاوت حول معدَّلاتها الحقيقية كبير، لكنها تجتمع حول ضخامة الأعداد وأنها باتت أزمة حقيقية تهدِّد أمن واستقرار المجتمع. ووَفْقًا للإحصائيات الإيرانيَّة الرسميَّة يدور معدَّل البطالة حول 12.4 في المئة من القوى القادرة على العمل في إيران، أي نحو 3 ملايين و200 ألف شخص، في حين تبلغ نحو 30% بين الشباب، والنسبة الكبرى من العاطلين عن العمل في إيران من الملتحقين بالتعليم العالي بمعدَّل عاطل من بين كل 3 متعلمين، أو بنسبة 35%[22].
في الوقت نفسه تتحدث إحصائيات ومصادر غير رسميَّة عن وصول المعدَّل الحقيقي للبطالة بين الشباب إلى 45%[23] وإحصائيات أخرى تتحدث عن بلوغها 60% في بعض المحافظات، بخاصَّة بين أوساط الشباب والجامعيين[24]، وتزداد البطالة بين أبناء المحافظات الحدودية والمحافظات التي تقطنها الأقلِّيَّات العرقية كمناطق الأكراد والأحواز العربية.
ووَفْقًا للمعدَّلات المرتفعة للبطالة يتضح غياب الالتزام الحقيقي بإيجاد فرص عمل بالرؤية العشرينية الممتدة من 2005 حتى 2025، والتي يتعين على الحكومات بموجبها إيجاد 600 ألف فرصة عمل جديدة سنويًّا[25]، في حين ينضمّ إلى القوى العاملة سنويًّا أعداد أكبر من ذلك فعليًّا، حتى أصبحت مشكلة البطالة هاجسًا يؤرِّق الشباب والخريجين نفسيًّا وماديًّا ويدفع تكلفتها الاقتصاد وأمن واستقرار المجتمع والنِّظام السياسي ككل، ولعل الاحتجاجات الشبابية التي شهدتها إيران أواخر عام 2017 خير دليل على ذلك.
يتكبد المجتمع والأفراد خسائر اقتصادية عندما يرتفع معدَّل البطالة، فهو يشير إلى أن الاقتصاد لم يعُد يُنتِج المستوى المتوقَّع (انخفاض المعروض من الإنتاج)، وهو أمر له انعكاساته على مستويات الأسعار التي سيشعر بها جميع أفراد المجتمع؟ ومن زاوية أخرى يؤثر طول فترة البطالة على كفاءة المهارات والخبرات الفنية أو الدراسية المكتسبة، بخاصَّة بين الخريجين الجدد، بما يعني عدم تحقيق الاستفادة القصوى من المال العام المُنفَق على التعليم، بالإضافة إلى الأثر النفسي السيئ على الأفراد العاطلين وارتباط ذلك بتزايُد معدَّلات الجريمة والعنف.

نصيب الفرد من الناتج المحلِّي الإجمالي خلال 27 عامًا
بلغ نصيب الفرد من الناتج المحلِّي الإجمالي (مؤشِّر يعكس مستوى معيشة الشعوب بعضها مقارَنةً ببعض) عام 2017 نحو 5444 دولارًا سنويًّا، أو 453 دولارًا شهريًّا. وكما يظهر من الرسم البياني رقم8 ارتفع نصيب الفرد من الناتج بنسبة 4.7% عن عام 2016 البالغ نحو 5200 دولار سنويًّا، لكن عند مقارنة عام 2017 ببداية التسعينيات نجد أن نصيب الفرد انخفض بنسبة 48%، إذ كان نحو 10 آلاف و500 دولار سنويًّا. وتراجُع إجمالي الناتج المحلِّي ونصيب الفرد منه ناتجٌ بدرجة كبيرة عن التأثر بسنوات العقوبات الدولية الطويلة ومشكلات هيكلية وأزمات اقتصادية داخلية، ولا يليق النصيب المتواضع للفرد الإيرانيّ من الناتج المحلِّي الإجمالي ببلد غني بالثروات كإيران وثاني أكبر اقتصاد في الشرق الأوسط بعد السعوديَّة التي يصل نصيب الفرد فيها من إجمالي الناتج المحلِّي إلى 21 ألف دولار سنويًّا (مع الأخذ في الاعتبار فارق عدد السكان والإنتاج النِّفْطي الأعلى للسعوديَّة).

تطور نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في السعودية وإيران (بالدولار)

ما بين 1990 و2017

إعداد: الوحدة الاقتصادية بالمعهد الدولي للدراسات الإيرانية بالاعتماد على بيانات موقع Knoema

 

المحور الرابع: اتجاهات مستوى التضخُّم في الأسعار
استقبل الاقتصاد الإيرانيّ عام 2017 بمعدَّل تَضخُّم عامّ يتكون من رقم واحد دار حول 9%، واستمر هذا المعدَّل في التزايد تدريجيًّا إلى أن أنهى العام بمعدَّل 10 في المئة وفق الإحصائيات الرسميَّة للبنك المركزي الإيرانيّ[26]، وكسر حاجز 11% وفق مصادر غير رسميَّة، هذا إذا ما نظرنا إلى معدَّل التضخُّم العامّ الذي يتكون من أسعار كل شيء في أي اقتصاد، بداية من أسعار الخبز حتى أسعار المسكن والمواصلات، ولكن يُحسَب للرئيس حسن روحاني تَمكُّن إدارته من السيطرة على المعدَّلات القياسية للتضخُّم التي تَسلَّمها في بداية رئاسته من الرئيس السابق أحمد نجاد، التي وصلت إلى نحو 35% كما يتَّضح من الرسم البياني رقم9 وَفْق الإحصائيات الرسميَّة، وأكثر من 40% وَفْق الإحصائيات غير الحكومية.

إعداد: الوحدة الاقتصادية بالمعهد الدولي للدراسات الإيرانية بالاعتماد على بيانات البنك المركزي الإيراني

أما إذا ما نظرنا إلى معدَّلات التضخُّم الجزئية فسنجد ارتفاعات كبيرة في أسعار بعض الموادّ الغذائية الأساسية خلال عام 2017، كالدواجن والبيض الذي ارتفع بأكثر من 50 في المئة بنهاية العام على سبيل المثال[27]، كما راكم ارتفاع أسعار الإيجارات الضغوط الحياتية على المواطن الإيرانيّ خلال عام 2017، وتركزت الزيادات في العاصمة بشكل خاصّ ووصلت نسبة الزيادة في بعض المناطق إلى معدَّلات بلغت 60 في المئة[28]، ويرجع المحللون الإيرانيّون الأمر إلى غياب الرقابة الحكومية على مكاتب العقارات وترك الساحة لسماسرة العقار في تحديد الأسعار دون قيود، فأصبح 70% من نفقات الأسرة الإيرانيَّة تذهب لسداد قيمة الإيجارات السكنية، لذلك تُقَدَّر أعداد قاطني العشوائيات بـ15 مليون فرد[29]. في حين ترى خبيرة التعداد السكاني الإيرانيَّة شهلا كاظمي أن في عدد السكان موجة من الزيادة ستخلق مشكلة في إيران خلال السنوات المقبلة، وسيصل معدَّل الشيخوخة إلى 23% من حجم السكان في عام 2050.
في الحقيقة تتحمل الحكومة المسؤولية الكبرى في معاودة ارتفاع معدَّلات التضخُّم منذ أواسط عام 2017 ومع الأشهُر الأولى من 2018، فبالإضافة إلى توتُّرات السياسة الخارجية وأثرها المباشر على اضطراب العملة المحلية، فإنه خلال النصف الأول من عام 2017 زاد معدَّل نموّ طبع الأوراق النقدية (بنكنوت) بنسبة كبيرة قاربت 30 في المئة[30]لسداد التزاماتها وديونها، وتكمن خطورة ذلك في عدم وجود زيادة متناسبة مع نموّ طبع النقود في مستويات الإنتاج أو الناتج المحلِّي الإجمالي، ومِن ثَمَّ يزداد الطلب الكلي دون وجود زيادة مقابلة في العرض الكلي، لذا تزداد مستويات الأسعار في النهاية، وقد تخرج عن السيطرة إذا ما استمر النموّ النقدي غير المنضبط.

أثر تقلُّبات سعر الصرف على مستويات الأسعار
كان للسياسات الخارجية الإيرانيَّة انعكاسات واضحة على مستويات التضخُّم من خلال أسعار صرف العملة الإيرانيَّة أمام العملات الأجنبية، إذ انخفضت قيمة التومان الإيرانيّ بنسبة 30 في المئة تقريبًا أمام الدولار الأمريكيّ بنهاية العام المالي الحالي مقارنة بالعام السابق في السوق الحرة، فحتى وقت كتابة هذه السطور (22 مارس 2018) سجَّل الدولار 4900 تومان في السوق الحرة، مقارنة بنحو 3757 تومانًا في العام المالي 2016/2016 كما يظهر في الرسم البياني رقم10. ومع تراجع أسعار العملة المحلية أمام الدولار وباقي العملات الأجنبية، ترتفع معدَّلات أسعار بعض السلع المحلية، بخاصَّة المرتبطة بشراء الموادّ الخام ومدخلات الإنتاج والسلع والآلات والأدوات المستوردة من الخارج.

إعداد: الوحدة الاقتصادية بالمعهد الدولي للدراسات الإيرانية بالاعتماد على بيانات  موقع اقتصاد نيوز بالفارسية


 

تكلفة التضخُّم المستمر على الأفراد والمؤسَّسات
للتضخُّم المستمر تكاليف شاقَّة على الأفراد والمؤسَّسات والأعمال[31]، فهناك التكلفة المتوقَّعة التي تتمثل في التكاليف المادية الفعلية للتغير في الأسعار (Menu Costs)، بالإضافة إلى أن التضخُّم يؤدِّي إلى تآكل القيمة الحقيقة للنقود التي بحوزة الأفراد مِمَّا يدفعهم إلى الاحتفاظ بكمية أقلّ من النقود أو سرعة سحب أرصدتهم بالمصارف وتحويلها إلى وسائل أخرى لحفظ القيمة أو القدرة الشرائية، ولهذا الأمر تبعات على البنوك بالإضافة إلى زيادة الطلب على العملات الأجنبية كوسيلة من وسائل حفظ القيمة، وهو ما قد يسرِّع تزايد قيمة العملات الأجنبية وتراجع المحلية أكثر، أمَّا المؤسَّسات المالية فستجد صعوبة في تكييف أنظمتها المالية والضريبية عمليًّا مع التغيرات المستمرة في الأسعار، ولا تستطيع تقدير تكاليفها وأرباحها بسهولة.
وهناك التكلفة غير المتوقَّعة للتضخُّم، التي تؤدِّي إلى إعادة توزيع الدخل والتفاوت فيه بصورة عشوائية غير منظَّمة، إما على حساب صاحب العمل وإما على حساب الموظف أو العامل، وللتبسيط فإذا ما كان الفرد العامل في المجتمع الإيرانيّ على سبيل المثال قد كيَّف نفسه على نسبة تَضخُّم سنوية للأسعار في حدود 9% وقبِلَ أجره أو راتبه على هذه الأساس، ثم ارتفع معدَّل التضخُّم إلى نسبة 15 في المئة، ففي هذه الحالة ستنخفض القوة الشرائية للعامل بمقدار الفرق في التقدير أو التوقُّع، في حين أنه إذا حدث العكس وانخفض التضخُّم عن 9% ستزداد القوة الشرائية للعامل على حساب أصحاب الأعمال، ولذلك يوجد دائمًا ربح أو خسارة ما دامت معدَّلات التضخُّم غير مستقرة وتختلف باستمرار عن النسب المتوقَّعة أو لا يمكن التنبُّؤ بها.

نتائج ورؤية استشرافية
يقترن معدَّل نموّ الاقتصاد الإيرانيّ على المدى القصير بمدى استقرار أسعار النِّفْط في الأسواق العالَمية من عدمه، بالإضافة إلى مستقبل الاتِّفاق النووي، ووفق سيناريو بقاء الاتِّفاق النووي دون تغيير، واستمرار تصاعد أسعار النِّفْط والغاز، من المتوقَّع أن يستمرّ نموّ الاقتصاد الإيرانيّ بمعدَّلات قريبة أو أقلّ بقليل من المعدَّل الحالي، فإذا ما نظرنا إلى حجم الناتج المحلِّي الإجمالي فسنجده في تصاعد منذ عام 2016 (عام تطبيق الاتِّفاق النووي) لاستعادة أعلى قمة بلغها خلال السنوات العشر الماضية، التي سُجّلَت عام 2011 كما سبق وأوضحنا. أما إذا حدث تغيير كبير في الاتِّفاق النووي أو انسحب أحد أطرافه، بخاصَّة الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة وفق السيناريو الآخر (حتى مع أسعار نفط مستقرة)، فسترتد معدَّلات نموّ الناتج المحلِّي الإجمالي الإيرانيّ إلى الوراء على الأرجح حتى لو بقيت الدول الأوروبيَّة ضمن الاتِّفاق النووي، لتشابك المصالح والاستثمارات الأوروبيَّة مع الأمريكيَّة بدرجة أكبر وأعقد من مثيلتها مع إيران.
وتشير معدَّلات نموّ الناتج المحلِّي الإجمالي خلال العام إلى تحقيق مستوى مقبول من النموّ، على الرغم من انخفاضه عن عام 2016 الاستثنائي الذي شهد استعادة صادرات النِّفْط للخارج، وتمكنت البلاد من رفع مستوى ناتجها المحلِّي عن العام السابق بنحو 20 مليار دولار بعد عامين من الاتِّفاق النووي وما تبعه من إنعاش الاقتصاد وإمداده بالموادّ الخام وقطع الغيار والموادّ الوسطية وتخفيف الحصار البنكي ولو جزئيًّا.
لكن إذا ما نظرنا إلى مستقبل العامل الأهم في أي اقتصاد، ألا وهو العامل البشري، مصدر قوة ونموّ أو ضعف وتدهور أي اقتصاد، لا نجد انعكاسًا واضحًا لمعدَّلات نموّ الناتج المحلِّي عليه، ويتضح أن مستقبله لا يزال متأزمًا، على المدى القصير على أقل تقدير، وذلك من واقع عدة مؤشّرات: أولها السياسات المالية الحكومية المتقشفة التي تهدف إلى مواجهة عجز الموازنة المتزايد، وظهر التقشف في موازنة 2017 تجاه القطاعات الإنتاجية والتنموية على وجه التحديد، وبدافع سد عجز الموازنة قدمت الحكومة مشروع موازنة العام المالي 2018/2019 بزيادة في أسعار الوقود وبإلغاء الدعم النقدي لملايين الأفراد قبل رفض البرلمان الإيرانيّ له بعد الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها البلاد أواخر عام 2017.
في موازنة العام 2017 حظيت قطاعات الصحة والرعاية الاجتماعية بالاهتمام النسبي عند مقارنتها بباقي القطاعات، ربما لأن عام 2017 هو العام الأخير في الولاية الأولى لروحاني، والذي سيشهد الانتخابات الرئاسية الثانية عشرة، في حين كانت الموازنة متقشفة للغاية تجاه قطاعات الإنتاج الأساسية كالزراعة والصناعة والتجارة والبنية التحتية التي تشغل الجانب الأكبر من العمالة، في مقابل مخصَّصات كبيرة للغاية للتسلُّح والدفاع والأمن بالمقارنة بباقي القطاعات، لذا فعلى الأرجح ستظلّ الأوضاع المعيشية في وضع متأزم ما دامت سياسات الحكومة المالية تسير وفق هذا المنظور الأمني الضيق.
الفائدة المرجوَّة من معدَّلات النموّ الاقتصادي وقياسها سنويًّا هي قياس إلى مَدًى زادت القيم المضافة فيها التي ترتبط بزيادة الإنتاج والتشغيل وتحسن الظروف المعيشية عادةً، ويشهد الاقتصاد الإيرانيّ تَحسُّنًا في معدَّلات النموّ منذ عامين بالفعل، لكن إذا ما نظرنا إلى انعكاس هذا النموّ على الشريحة الكبرى من الشعب فلا نجده منعكسًا بشكل ملموس في تقليل معدَّلات الفقر والبطالة والتفاوت بين الطبقات، وإلا لما شهِدَت نهاية العام خروج آلاف الشباب الإيرانيّ سخطًا على أوضاعهم المعيشية وإهدار ثرواتهم على صراعات عسكرية لا ناقة لهم فيها ولا جمل كما اتضح من شعاراتهم.
تضاعف عجز الموازنة الإيرانيَّة بنهاية سنوات الولاية الأولى لحسن روحاني ونجاحه في تَوَلِّي ولاية جديدة يقودنا إلى أحد سيناريوهين حول السياسات المالية للحكومة خلال الأعوام المقبلة: الأول ينبئ بسياسة مالية مختلفة في الولاية الثانية بعد ضمان منصب رئاسة الجمهورية، سياسة أكثر تَقَشُّفًا بدأت تظهر ملامحها في موازنة العام المالي الجديد 2018، سياسة تهتم بتحقيق التوازن المالي للحكومة أكثر منها لكسب التعاطف والتأييد، فديون الحكومة للبنوك الخاصَّة والعامَّة وللتأمين الاجتماعي أصبحت عبئًا متفاقمًا ستحاول الحكومة السيطرة عليه مع إيرادات نفطية تحصلها الدولة جزئيًّا، ولا مفرّ من تقليل النفقات العامَّة، وقد يُستثنى من ذلك الإنفاق العسكري لأنه جزء من عقيدة الدولة الدينية الكبرى التي تأتي فوق الحكومة وفوق رئيس الدولة، أو بمعنى آخَر سيكون التقشُّف على حساب المواطن بدرجة كبيرة. أما السيناريو الثاني فهو أن تُقدِم الحكومة على سياسات مالية توسعية لخلق فرص عمل جديدة واستمرار تقديم الدعم النقدي لملايين الأفراد لاحتواء الغضب الشعبي، بخاصَّة بين الشباب العاطلين عن العمل والأسر الفقيرة التي تكافح لسد تكاليف الحياة، ولكن سيكون هذا على حساب تفاقم عجز الموازنة العامَّة، وقد تلجأ إلى الاستدانة من صندوق الوطني للتنمية أو اتباع أساليب أخرى لسَدّ العجز المالي.
الخلاصة أن حكومة روحاني نجحت في السيطرة على معدَّلات التضخُّم القياسية التي كانت موجودة في السنوات الأولى لتولِّيه الرئاسة، وحتى إن عاودت الارتفاع في أواخر عام 2017 فإنها لا تقارَن بمستويات 2014، ومع ذلك نتوقع أن تستمر في الزيادة العام المقبل ما دامت الحكومة تطبع البنكنوت بلا انضباط لمواجهة عجز الموازنة وسداد ديونها كما فعلت في 2017، بالإضافة إلى تأثير تراجع سعر العملة المحلية على معدَّلات التضخُّم تأثُّرًا بالأزمات الداخلية والخارجية التي تظهر بين فينة وأخرى على الساحة الإيرانيَّة. ومع زيادة معدَّلات الأسعار مع معدَّلات البطالة المرتفعة بالفعل سيسقط مزيد من الإيرانيّين تحت طائلة الفقر، بخاصَّة مع توجهات الحكومة لرفع الدعم النقدي عن ملايين الأفراد، الذي كان سببًا مباشرًا للاحتجاجات التي حدثت مؤخَّرًا، وما لم تقدِّم الحكومة خُطَطًا جادَّة لمواجهة هذه المشكلات فإنها تجازف بأمن المجتمع واستقرار الاقتصاد.
الندرة أو محدودية الموارد اللازمة لتلبية احتياجات كثيرة هي عامل مشترك في جميع الاقتصادات النامية والمتقدمة على حدّ سواء، لكن الفارق بين اقتصاد متقدِّم واقتصاد نامٍ يكمن في حسن إدارة وتوجيه الموارد النادرة لتحقيق أقصى منفعة ممكنة، وما يحتاج إليه الاقتصاد الإيرانيّ على المدى القصير في ضوء الاضطرابات الشعبية الأخيرة هو إعادة توجيه سريعة لدفة الموارد، من مصارف لا تعود بالمنفعة على الاقتصاد الداخلي والمورد البشري الإيرانيّ إلى ضخّ أموال في الداخل لدفع النموّ الاقتصادي وتوفير تسهيلات الإنتاج وتحسين البنية التحتية العاملة والإنفاق الاستثماري في مشروعات كثيفة الاستخدام للعنصر البشري لخلق فرص عمل في الداخل تساعد على تخفيض البطالة المهدِّدة للأمن، وإعادة توجيه ولو جزء من الأموال التي يستفيد بها غير الإيرانيّين في دول الجوار الإيرانيّ لحلّ مشكلات الداخل الصحية والتعليمية والبيئية وتطوير قدرات العامل البشري وتَبَنِّي تكنولوجيات حديثة للإنتاج ولمحاصرة الفساد المالي والإداري.

 

[1]
 انظر: فرح الزمان شوقي، العربي الجديد، الإيرانيون يحتفلون برأس السنة ويبدؤون عطلة النوروز، 21 مارس 2017، الرابط: https://goo.gl/tyndBJ
[2]
 انظر: الوفاق أونلاين، عام الاقتصاد المقاوم: الإنتاج وتوفير فرص العمل، 20 مارس 2017، الرابط: https://goo.gl/BnuHvS
 انظر: رشيد يلوح، المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات، تحليل سياسات: الفساد المالي والاقتصادي في ايران، قضايا وتحديات، الدوحة، قطر، سبتمبر 2013. الرابط: https://goo.gl/wbhVw7
 See: Shayerah ILias, Congressional Research Service, Iran’s Economy, 22 April 2010, P: 8.
[5]
 انظر: فاطمة الصمادي، مركز الجزيرة للدراسات، احتجاجات إيران: هل بدأت انتفاضة الخبز الإيرانية؟، 31 ديسمبر 2017 [دخول: 15 يناير 2018]، https://goo.gl/MzwJxm
  انظر: أوسيلفان، شيفرين، بريز، الاقتصاد الكلي المبادئ الأساسية والتطبيقات والأدوات، مكتبة لبنان ناشرون، وصائغ، ص142.
[7]
 IMF, IMF Staff Completes 2017 Article IV Mission to Islamic Republic of Iran, 18 December 2018 [Accessed 16 January 2018], https://goo.gl/VB5PkQ
 فاطمة الصمادي، مرجع سابق.
[9]
 انظر: عماد آبشناس، الجزيرة نت، ماذا تحمل ميزانية إيران للعام المقبل؟، 12 ديسمبر 2017 [دخول: 18 يناير 2018]، https://goo.gl/3qmzFA.
[10]
 عماد آبشناس، المرجع السابق.
[11]
 عماد آبشناس، المرجع السابق.
[12]
 مهر للأنباء، روحاني : القوات المسلحة الإيرانية تصون السلام والأمن في المنطقة، 18 ابريل 2017 [5 فبراير 2018]، https://goo.gl/H9f9ZX
 Financial Tribune, Iran Budget Deficit Estimated at $9.6b, 24 August 2017 [Accessed 19 January 2018], https://goo.gl/fQN7Kg
 David P. Goldman, Asia Times, Iran’s complex of crises catches up with the regime, 3 January 2018 [Accessed 20 January 2018]. https://goo.gl/c4B6mZ
 أبرار اقتصادي، بدهى دولت 700 هزار ميليارد تومان شد، 2 اسفند 1395، https://goo.gl/IqmEKf
 Financial Tribune, IBID.
[17]
 David P. Goldman, IBID.
[18]
 مركز الخليج العربي للدراسات الإيرانية، الصحافة اليومية ليوم 2 مايو 2017، 2 مايو 2017، https://goo.gl/TUzRva
 صحيفة وطن أمروز . 10 تا 12 میلیون ایرانی در فقر مطلق به سر می برند. 27 شهريور 1396. ص: 4http://cutt.us/s6GKJ.
[20]
 منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، صحيفة حكومية: زادت الهوة الطبقية في إيران بنسبة 15 ضعفًا، 23 نوفمبر 2017 [دخول: 22 يناير 2018]، https://goo.gl/NXt3wL
 Human development reports, United Nations Development Programme, Dashboard 2: Sustainable development, Accessed 20 January 2018, https://goo.gl/i8cjGu
  صحيفة جوان، بيكاري يك نفر از هر 3 تحصيل كرده إيراني،ص3، 16 فروردين 1396، https://goo.gl/XALHkv
 David P. Goldman, IBID.
[24]
 العين الإخبارية، إيران 2017.. تدهور اقتصادي وارتفاع معدلات البطالة، 27 ديسمبر 2017 [دخول: 22 يناير 2018]، https://goo.gl/XktXoS
 حازم زهران، إيران خانه، الطبقية: الداء الذي نخر جسد المجتمع وفجَّر الاحتجاجات في إيران [2/2]، 15 يناير 2018 [دخول: 21 يناير 2018]، https://goo.gl/qhUX3J.
[26]
 Central Bank of Iran, CPI and Inflation, Accessed 20 January 2018, https://goo.gl/X61zCm.
[27]
 David P. Goldman, IBID.
[28]
 صحيفة أبرار اقتصادي. افزایش 60 درصدی اجاره بهای مسکن در برخی مناطق! . 23 شهريور 1396. ص5. https://goo.gl/y2fgwX
 حازم زهران، مرجع سابق.
[30]
 اقتصاد نيوز، تحلیل گزارش صندوق بین المللی پول در مورد اقتصاد ایران + اینفوگرافی 18/10/1395،http://cutt.us/6SFpF
 أوسيلفان، وشيفرين، وبريز ، مرجع سابق، ص142.
أحمد شمس الدين ليلة
باحث اقتصادي بمركز الخليج العربي للدراسات الإيرانية