مسار الإمارات المغاير في الصراع مع إيران

https://rasanah-iiis.org/?p=39041

منذ 28 فبراير، هاجمت إيران دولة الإمارات العربية المتحدة بـــــــ2,843 مقذوفًا، استخدمت فيها بصورة أساسية الطائرات المسيّرة، إلى جانب صواريخ باليستية وصواريخ كروز. وعلى الرغم من أن نسبة الاعتراض كانت مرتفعة للغاية، فإن الإصابات المباشرة أو غير المباشرة جراء سقوط حطام المقذوفات أسفرت عن مقتل 13 شخصًا، من بينهم ثلاثة ضحايا وُصفوا بأنهم «أفراد ذوو صلة عسكرية»، فيما بلغ عدد المصابين 230 شخصًا ينتمون إلى 27 جنسية، وكادت قطاعات الشركات والسياحة والعقارات والطاقة في الإمارات تتوقف بالكامل. وعلى إثر هذه الأزمة، اتصل ولي العهد السعودي رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بنظيره الإماراتي ثلاث مرات للتعبير عن تضامن المملكة وتقديم التعاون في مواجهة التهديد الإيراني المشترك. وفي التعامل مع هذه الأزمة، سلكت أبو ظبي مسارًا مختلفًا في التصدي للعدوان الإيراني ولحصار مضيق هرمز، بينما دعمت السعودية وقطر وعُمان، التي تعرضت هي الأخرى لهجمات إيرانية، مسار الوساطة، تميل الإمارات أكثر إلى خيار فتح المضيق بالقوة، فضلًا عن استخدام حقها في الرد.

وحظيت دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بتضامن عالمي، بعد صمودها أمام وابل الهجمات الإيرانية المتواصلة بالطائرات المسيّرة والصواريخ، لكن الإمارات لم تكتفِ بهذا التضامن؛ فبقدر ما روجت طهران لسردية ارتباط دول الخليج بواشنطن وتل أبيب، مضت أبو ظبي في تكريس هذا التحالف على نحو أعمق، ولم تُبدِ الإمارات ارتياحًا يُذكر لجهود الوساطة التي قادتها إسلام آباد والرياض والقاهرة وأنقرة.

و في هذا الصدد صرح  مستشار رئيس دولة الإمارات أنور قرقاش في 17 مارس، أنَّ  الهجمات الإيرانية على جيرانها العرب ستؤدي إلى تعزيز العلاقات بين إسرائيل والدول التي تربطها علاقات دبلوماسية معها. وذكرت وسائل إعلام إسرائيلية أن رئيسي الموساد والشاباك زارا دولة الإمارات مرتين خلال الحرب، كما أجرى المدير العام لوزارة الدفاع الإسرائيلية محادثات على مستوى الوفود. و الأكثر تعجبًا حسب ما أفادت به تقارير، ذهب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أبوظبي خلال الحرب  في زيارة  أسفرت عن «إنجاز تاريخي في العلاقات الثنائية». يبقى الغموض سيد الموقف؛ هل «الإنجاز التاريخي» بين تل أبيب وأبوظبي على غرار اتفاق الدفاع المشترك السعودي-الباكستاني؟ أم يعني نشر بطاريات القبة الحديدية وعسكريين إسرائيليين على الأراضي الإماراتية؟

وقال السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي، خلال فعالية في تل أبيب في 12 مايو: «لقد أرسلت إسرائيل للتو بطاريات القبة الحديدية إلى الإمارات، وأرسلت معها أفرادًا لمساعدتهم على تشغيلها. كيف حدث ذلك؟ لأن هناك علاقة استثنائية بين الإمارات وإسرائيل تستند إلى اتفاقيات إبراهام». والجدير بالذكر هنا، بالإضافة إلى الإمارات، اعترفت البحرين والمغرب بإسرائيل قبل ست سنوات من خلال توقيع الاتفاقيات الإبراهيمية في البيت الأبيض.

وفي الوقت الذي عززت فيه الإمارات تحالفها الإستراتيجي مع إسرائيل، انسحبت من أوبك وأوبك+، وقد برر وزير الطاقة الإماراتي سهيل المزروعي هذه الخطوة قائلًا إن «الإمارات أرادت ألّا تكون مقيدة بأي مجموعة»، مضيفًا أن نظام الحصص يحد من قدرتها على زيادة الإيرادات، لكن توقيت قرار الانسحاب أثار علامات استفهام وتكهنات واسعة.

وبينما احتفظت دول الخليج الأخرى بحقها في الرد على العدوان الإيراني، اختارت الإمارات أن تمارس هذا الحق؛ ففي أوائل مارس،  قصفت مقاتلات إماراتية منشأة لتحلية المياه في جزيرة قشم الإيرانية، لكن نفى علي النعيمي، وهو مسؤول إماراتي رفيع، التقرير الذي نشرته وسائل إعلام إسرائيلية، قائلًا: «عندما نفعل شيئًا، نمتلك الشجاعة لإعلانه». وبعد الهجوم الإيراني على محطة النفط في الفجيرة في 4 مايو، تداولت قنوات ومنصات إعلامية تابعة للحرس الثوري الإيراني على تلغرام صورًا زعمت أنها تُظهر مقاتلة من طراز ميراج 2000-9 تابعة للقوات الجوية الإماراتية فوق الجنوب الإيراني. غير أن مقاتلات سلاح الجو الإماراتي لا تكتفي بطلاء مميز، بل تحمل أيضًا علامات واضحة وأرقامًا تسلسلية بارزة، في حين كانت مقاتلة الميراج الظاهرة في الصور بلا علامات. وقد زاد من التكهنات بشأن ضلوع الإمارات في هجمات انتقامية ضد إيران، أن مقاتلات إف-16 تابعة للقوات الجوية الإماراتية، كانت ترافق الرئيس السوري أحمد الشرع، ظهرت هي الأخرى من دون علامات وطنية أو أرقام ذيلية، واللافت أن المسؤولين الإيرانيين لم يزعموا أن الإمارات نجحت في تنفيذ هجمات انتقامية.

وإذا ما أُنجزت قريبًا المهمة العصيبة المتمثلة في التوصل إلى تسوية بين الولايات المتحدة وإيران، فلن تعود الإمارات ملاذًا للنخبة الإيرانية المرتبطة بالحرس الثوري، والتي اعتادت استخدام النظام المصرفي وشبكات الاستيراد للالتفاف على العقوبات المالية والتكنولوجية، لاسيما بعد التدخل الإسرائيلي القوي خلال الحرب الذي ترك انطباعًا قويًا لدى أبوظبي. أما النزاع المستمر منذ أكثر من نصف قرن مع إيران حول جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، فهو ملف منفصل عن مسألة تيسير حركة التجارة في مضيق هرمز. وقد تمسكت إسرائيل والإمارات بموقف متشدد يدفع باتجاه إزاحة النظام في إيران، فهل ستستعيد أبوظبي السيطرة على الجزر؟ تبدو الاحتمالات ضئيلة. وحتى اليوم، لا تزال الحكومة الثورية الإيرانية متمسكة بالسلطة، ومن ثم فإن التوترات بين طهران وأبوظبي مرشحة للاستمرار، حتى لو جرى التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، وهو أمر يبدو بدوره أقرب إلى التمني. أما بالنسبة إلى السعودية وحلفائها وسائر دول الخليج، فإن وجود إمارات متحدية تعمل يدًا بيد مع إسرائيل يفرض مجموعة مختلفة من الاستحقاقات والتحديات. وعلى الجانب الآخر،  يتجلى بعد النظر وضبط النفس البراغماتي لدى السعودية خلال الحرب في أحدث تصريحات الأمير تركي الفيصل، حين قال: «لو نجحت الخطة الإسرائيلية لإشعال الحرب بيننا وبين إيران، لزجت المنطقة في خرابٍ ودمار ». وأخيرًا وليس آخرًا، فإن واشنطن ستخسر على الأرجح رفاهية التعامل مع دول مجلس التعاون الخليجي بوصفها كتلة واحدة، ولن تنفصل عن الشرق الأوسط، حتى وإن طُلب من جيشها أن يفعل ذلك.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير