لماذا لا تحدث ثورة في إيران؟

بواسطةد. مهدي خلجي

لقد عاشت الجمهورية الإيرانية على الدوام في أجواء «اللحظة الحالية الحرجة» وأزماتها تتغير مثلها مثل الثورة ذاتها، أو أنها تتوالد، ولكنها لا تنتهي، إذن لماذا لا يواجه النظام حتى الآن خطر الفوضى وعدم الاستقرار؟
خلال السنوات الأخيرة زاد تنامي الفجوة الطبقيَّة، والفساد المنظّم الحكومي، والضغوطات الدولية من حالة الاستياء العامة، وأثار احتجاجات متفرقة.
لماذا تمكّن النظام حتى الآن من السيطرة على هذه الاحتجاجات؟
خلال العقود الأربع الماضية، خرجت العملية الإعلامية من تحت سيطرة الدولة، فقد أحدثت وسائل الإعلام خارج إيران، وخاصة القنوات الفضائية، وانتشار الإنترنت، والنسبة المرتفعة في سفر الإيرانيين إلى الخارج، في إحداث تحول أساسي في عملية الإعلام والتوعية العامة، حتى أن الاعلام الرسمي أو شبه الرسمي يشير يوميًّا إلى الفساد الاقتصادي لموظفي الحكومة وأقربائهم، ويكشف عن جانبٍ من قمع المعارضين السياسيين والناشطين المدنيِّين، ويكبت جزءٌ كبيرٌ من المجتمع غضبهم إزاء الوضع الموجود، ومع ذلك لماذا لا يؤدي شعور المجتمع باليأس إلى إخراجه من حالة الانفعال؟ هل توجد رؤية للإطاحة بالنظام وإقامة الديمقراطية؟
من الصعوبة بمكان الحصول على أجوبة لهذه الأسئلة دون الاتفاق حول مفهوم «الثورة» وتعريف نوع نظام الجمهورية الإسلامية.
أحيانًا يُخلط بين مفهوم الثورة والتمرد الشعبي والانقلاب والحروب المذهبية والمصطلحات الراديكالية، ويحدث غموض في ذلك، وهنا سنستخدم الثورة بمعنى حركة شعبيَّة شاملة، غالبًا ما تنهي حياة العناصر الأساسية في نظام سياسيٍّ ما بالقوة والعنف، لتستبدله بنظامٍ جديدٍ ترغب فيه.
من وجهة نظر لينين، تحدث الثورة في ظروف لا يعد فيها الناس على استعداد لتحمل الحياة تحت ظل النظام الموجود، وفي الوقت نفسه فإن قدرة الحكام على فرض السلطة من خلال الأدوات الموجودة تصبح ضعيفة.
بناء على هذا، يعم الفقر والبؤس، ما يؤدي بذاته إلى التمرد وسقوط النظام، وعلى العكس، يمكن للبؤس العام أن يضمن في ظل بعض الظروف إلى بقاء الحاكم، وأن يظهره على أنه الأمل الوحيد من أجل توفير الحد الأدنى من الاحتياجات كالخبز والأمن.
الجمهورية الإسلامية ليست نظامًا ديمقراطيًّا، ولا حتى نوعًا من السلطة الكاملة، بل من صنف الأنظمة التي يطلق عليها علماء السياسة «النظام الهجين» (hybrid regime) وهو مزيج من المؤسسات الديمقراطية والأجهزة والأدوات السلطوية، وكما أن المركبات الهجينة تستخدم مصدرين للطاقة، فإن الأنظمة الهجينة تعتمد على نوعين من الأجهزة: الأيديولوجية وفرض السلطة، حتى تتجاوز المشكلات الجادّة عند الضرورة دون أن تُجبر على إحداث إصلاحات أساسية، أو أن تنهار بسبب إغلاقها الباب بشكلٍ كاملٍ في وجه الإصلاحات.
«السلطوية التنافسية» (competitive-authoritarianism) أو «السلطوية الانتخابية» (electoral-authoritarianism) هو اسم آخر لهذه الأنظمة، فأكثر الأنظمة التي ظهرت على إثر سقوط المعسكر الشرقي ونهاية الاتحاد السوفييتي، ومن بينها روسيا، أو بعض دول أمريكا اللاتينية، من الأمثلة على هذه الأنظمة الهجينة، وللصدفة فإن عددًا منها جاء نتيجة لثورة مخملية أو إطاحة بالقوة، وعمليًّا قامت بإلباس «الشمولية» التي جرى إسقاطها لباسًا جديدًا، وكثير منها عاشت لعقود وما زالت لا تعاني من أي تصدعات في بنيتها.
النظام الهجين له شكل ديمقراطي ومضمون سلطوي، وهو عبارة عن ديمقراطية متعهدة ومعيبة، تتنافس فيه مجموعة مغلقة من النُّخبة من أجل تبادل السلطة، ويستغلون الانتخابات والمؤسسات الديمقراطية كأداة لكسب الشرعية، وعلى الرغم من أن المنافسة بين النُّخبة جادّة، إلا أنه لا يمكن اعتبار العملية الانتخابية عادلة وحرّة.
إن الدور المركزي للمرشد يحوله إلى حدٍّ ما إلى تجسيد للحكومة، وفي لغة الجمهورية الإسلامية أحيانًا يذكر الـ «نظام» ويكون المقصود منه هو المرشد، ومقر الحكومة الحقيقي هو «بيت المرشد» والمرشد هو المصدر الأعلى للتشريع، والمشرف على تطبيقه، وله حق نقض القانون حسب ما يرى من مصلحة.
إن الإجراءات الطارئة والأوامر الحكومية بإمكانها تحويل أي وضع إلى ظروف استثنائية، وتعليق العمل بالدستور، فأداء الدستور شكليّ، حسب ما تقتضيه المصلحة، ومؤسسات وسلطات الحكومة تحت سيطرة مراكز السلطة، وليس لها الصلاحيات والاستقلال المتعارف عليه في الدول الديمقراطية، ومن بين هذه السلطات السلطة القضائية المرتبطة بالنظام، والمنتهكة للقانون، والمتطفلة على النواة الصلبة في النظام.
لقد بُنِيَ هذا النظام على التمييز والمحسوبية، والعمى الأخلاقي (ethical blindness) سمته البارزة.
الأنظمة الهجينة، على عكس أنظمة القرن العشرين الشمولية، تمتاز بمرونة خلاقة فيما يتعلق بالبعد الأيديولوجي، ففي حين أنها تروّج للتشاؤم من الغرب، إلا أنها تسبق الآخرين نحو التشبّه بالغرب، ومع تراجع الطاقة الأيديولوجية ينفخون في مزامير الوطنية المتطرفة من أجل حشد العامة أو السيطرة على الاحتجاجات، أو يقومون بتأجيج المشاعر المذهبية، حتى يجبروا معارضي الحكومة على مسايرة سياساتهم الداخلية والخارجية.
إن أساس أيديولوجية الأنظمة شبه الاستبدادية (السلطوية) -مبهمة وغير واضحة من البعد النظري، وعمليًّا تُطبّق بشكلٍ مزاجيٍّ- الغموض النظري والتطبيق الذي لا يخضع لقاعدة يؤدي إلى تحول انكماش الأيديولوجية حتى تصبح بمثابة مذهب عبادة الشخصيات، ويصبح التعهّد تجاه النظام بمثابة التقرب والوفاء لأفراده ومؤسساته المقتدرة، خاصة المرشد، وحرية المواطنين للمشاركة في العملية السياسية منوطة بمقدار قربهم وولائهم لأركان السلطة ومراكزها، والـ«ولاء» والـ«بيعة» الشخصية، تسهّل الدخول إلى قلعة السلطة أكثر من التعهّد والالتزام بالأيديولوجية.
إن سياسة إمكانية المشاركة المتساوية لجميع المواطنين تُقدّم في إطار الخير العام، واتخاذ القرار لأجل المصالح الوطنية، وتعرّف الديمقراطيات الحكومة من وجهة نظر هذه السياسات، لكن في الأنظمة نظير الجمهورية الإسلامية، وتُعرّف السياسة من وجهة نظر الحكومة، والهدف النهائي للحكومة وفلسفة القانون، ليس الحفاظ على المصالح الوطنية وحقوق المواطنين، وإنما أمور وهمية مثل: (الناس) والإسلام المحمدي الخالص بحسب تعبير الجمهورية الإسلامية.
الأنظمة الهجينة تصنع أقوى الأجهزة الاستخباراتية والأمنية وأكثرها انتشارًا، حتى تراقب أمنيًّا وعسكريًّا، ليس فقط الإدارات والمؤسسات الحكومية، وإنما جميع المجالات العامة، المؤسسات المدنية حرّة، لكنها تعمل ضمن دائرة رقابة النظام المتشددة وقواعده غير المدوّنة، والمجتمع المدني حيٌّ لكنه ضعيف، وبإمكانه إجبار الحكومة على التراجع، وفرض رغباته فقط في ظروف استثنائية أو خلال عملية بطيئة ومحدودة، ويسمح هذا النظام لعدد محدود من معارضيه بحرية تعبير مؤطّرة بهدف التظاهر بالديمقراطية.
في النظام الهجين، يتمتع الإعلام الذي يقدّم كونه غير حكومي، بحرية عمل أكبر، لكنه خاضع لسيطرة الأجهزة الرقابية والأمنية الناعمة، وأحيانًا يتحوّل إلى منبر دعائي لها، وأثناء ذلك تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دورًا مزدوجًا، فهي من جانب، تكسر حصرية الإعلام الحكومي، ومن جانب آخر تُوجِد أرضًا خصبة لنمو الشعبويَّة، وتعوّض ضعف المؤسسات الحكومية التقليدية في القدرة على الحشد العام.
ويعتقد زعماء، مثل: ميكيافيلي أن «البشر عامة لا يشكرون، ومخادعون، وجبناء وجشعون».
في الأنظمة الشمولية السابقة، كانت أدوات الأنظمة لأعمال السلطة مزيجًا من القمع والوفاء، فالحكومة إذا ما لم تتمكن من جذب وفاء شخص أو مجموعة ما، فإنها تلجأ إلى قمعها.
ولكن في الأنظمة الهجينة، هيَّأ وجود آلية الانتخابات إمكانية واسعة لظهور دائم للشعبوية، وفي موسم المنافسات الانتخابية تهيّج من الرأي العام، وتأتي به إلى الشوارع، وحينما تنخفض آمال الشعب تجاه فاعلية الحكومة، ينطلق تيار شعبوي جديد.
هكذا تنجح الحكومة مرة ثانية، وتصادر الآمال والثقة العامة إلى أمدٍ غير معلومٍ، وترمم شرعيتها ولو بشكلٍ نسبيٍّ، ورجال النظام المحبوبين بالأمس يظهرون اليوم في قامة منتقدين ومصلحين بعد تهميشهم من قِبل السلطة، ويعتبرون بشكل غير رسمي المعارضة الرسمية للبلاد، ويتمتعون بمزايا وحرية أكبر مقارنة بالمعارضة في الخارج، وهنا، نواجه أنظمة شمولية بطبيعتها، وإصلاحيين تابعين عمليًّا، يتنافسون في وقت الانتخابات على أنهما «حزب السلطة الحاكمة» و«المعارضة غير الواقعية» (virtual opposition) أو المعارضة المسيطر عليها.
خارج النظام، هناك أفراد أو مجموعات اجتماعية جديرة بالاهتمام، ينتفعون من التعاون والمشاركة مع النظام في مختلف المجالات، فالأيديولوجية غير منسجمة ومرنة، إذ لا يتطلب التعاون مع الحكومة اعتقادًا عمليًّا بالأيديولوجية، ومن الممكن تحديد مصالح مشتركة مع الحكومة بالتزامن مع إساءة الظن وعدم الإيمان الكامل بالأيديولوجية، وذلك باب الدوافع الشخصية والقومية أو الحزبية، وبالتالي المساعدة بقصد أو دون قصد في تعزيز قواعد الحكومة الاجتماعية.
غالبًا ما يصبح الدخول إلى شبكة النظام وسيلة لكسب الثروة، ولهذا السبب، تختلف درجة وفاء كلٍّ من الكوادر الحكومية والمسؤولين الحكوميين للأيديولوجية الحاكمة عن بعضهم بعضًا، وتلعب دوافع الجشع الشخصية والحزبية دورًا أكبر من الإيمان والالتزام في تعاون الأفراد والجماعات مع الحكومة.
يتعدى الفساد الاقتصادي والثقافي دائرة كوادر النظام والتابعين له بشكل مباشر، كما أن نجاح جزء رئيس من الشعب العادي مدينٌ لأنواع الفساد البنيوي، وتلك المصالح التي تجنيها الطبقات المختلفة حتى المستاءة والناقدة للنظام، تربطها بشكل غير مرئيٍّ بالنظام، وتُقيّدها به.
وخلافًا للشيوعية السوفيتية، فالأنظمة الهجينة غير متعهدة لطبقات المجتمع، ومن هذا المنطلق، يمكنها أن تكوّن مصالح مشتركة أو تحالف مصلحي مع أيٍّ من الطبقات والمجموعات الاجتماعية، كما أن الضجر واليأس من النظام غير محصورٍ في طبقة خاصة، ولا تنحصر التحالفات السياسية داخل تيارات ومؤسسات السلطة، وتعد بعض مؤسسات النظام حليفا قويًّا للمؤسسات الاجتماعية، مثل: المؤسسة الدينية.
وفي نهاية المطاف، لا يتخذ النظام القرار بمفرده، بل تؤثر مؤسسات قوية خارج النظام على مسار اتخاذ القرارات.
إن هذه الدول تُدار بنوع من الاقتصاد الرأسمالي الريعي، إذ تقسم الثورة بين نخبة النظام السياسي القدامى والجُدُد بشكل عشوائي، وتستفيد النخبة الجديدة من الآلية القانونية لدمج ثروتهم الخاصة بالثروة الحكومية، كي تخصصها مرة ثانية لصالحها ولصالح زبائنها.
إن الأنظمة الهجينة تحترم القانون الدولي في الظاهر، ولكنها عمليًّا تنظر إلى المجتمع العالمي نظرة خبيثة ومستهترة ومرائية، وبالتزامن مع نضالها ضد الغرب، نجدها غير انطوائية، وتجتهد بشكل جادّ لإقامة علاقة مع الدول الغربية، ولو أنها ليست علاقات قوية، وتسعى وراء حلفاء من بين الأنظمة المشابهة لها.
إن السياسة الداخلية والسياسة الخارجية لهذه الأنظمة قائمة على راديكالية براغماتية، يعني أنها تستمر في تحقيق سلطتها من خلال امتحانها الدائم لخطوط الخطر، وتقييم الربح والخسارة.
تحول مرونة هذه الأنظمة التي لا تخضع لقاعدة، ولا يمكن التنبؤ بها، دون تعرضها لضغوط من قِبَل المجتمع المدني والدولي، وأساس النظام المقدّس ليست الأيديولوجية ولا الدستور، وإنما إرادة القائد، وتدور بوصلة سفينة النظام حيث تدور المصلحة، ولغة السياسة هي الناطق الصادق باسم جسد السلطة، إذ يمكن مشاهدة التداخل والفوضى في الأُسس والمفاهيم الأيديولوجية لهذه الأنظمة بشكلٍ واضحٍ من خلال الغموض واللامعنى الكامن في لغتها السياسية التي تحتمل عدة وجوه.
الجمهورية الإسلامية، باعتبارها واحدة من الأنظمة الهجينة الحالية، هي نظام شبه شمولي مذهبي –أمني، فالنظام على الرغم من محاربته لـ«الهجوم الثقافي» الغربي، ومعركته الخطيرة مع الثقافات والعلوم الإنسانية الحديثة، لديه رغبة شهوانية لا يمكن إشباعها في التكنولوجيا الحديثة، خاصةً في الصناعات العسكرية والتسليحية، وينظر إلى المواجهة الثقافية على أنها الجانب الأنعم من الحرب العسكرية، متخذًا من التجدّد أداة لذلك، وإلى جانب الإرادة الجادة لامتلاك التقنية النووية والعسكرية رغم ما ينبني على ذلك من تكلفة وعواقب، يظن أن امتلاك تقنية ثقافية ضرورة أمنية، ويستثمر بكرمٍ كبيرٍ لامتلاك التكنولوجيا المتطورة «القوة الناعمة» بنيّة السيطرة على الرأي العام أو هندسة المجتمع.
المصالح المشتركة بين النظام والأفراد، والمؤسسات والجماعات من خارجه، تُضعِف الحواجز بين النظام والشعب، فعلى سبيل المثال: مؤسسة رجال الدين في إيران اليوم، على الرغم من عدم اتحادها، إلا أنها تنتفع من الجمهورية الإسلامية منفعة لا حصر لها، ومع أنّ كثيرًا من المسئولين في النظام هم رجال دين، إلا أن مؤسسة رجال الدين تقع رسميًّا خارج الحكومة، وتحت إدارتها ورقابتها، ومع ذلك بصعوبة يمكن اعتبار مؤسسة رجال الدين داخل أو خارج النظام، خاصةً أن النظام الإيراني يستمد شرعيته من الحوزة العلمية، ليس بسبب أيدولوجية ولاية الفقيه فحسب، بل لأن المذهب الشيعي الاثني عشري هو المذهب الرسمي بحسب الدستور.
كما أن الآلاف من المؤسسات الثقافية والاقتصادية تقع تحت سيطرة الحرس الثوري، لكنها تُدار من خلال الأكاديميين والتجار والمدنيين، الذين تصل أعدادهم أضعاف عدد الموظفين الرسميِّين في الحرس الثوري.
ومن ناحية أخرى، بالنظر إلى عدم وضوح الحدود بين القطاع الخاص والقطاع الحكومي، والتعقيدات الهيكليَّة والإداريَّة، يكاد يكون من المستحيل تحديد الخط الفارق بين الحكومة والمجتمع المدني.
الملحوظة الهامة هي أنه لا يجب حصر المصالح المشتركة مع الحكومة في رأس المال والثروة المادية والاقتصادية، فالنظام الحاكم، كما أن له سلطة بلا منازعٍ على الاستثمارات القومية والنطاق العام للاقتصاد، يسعى وراء ضم استثمارات رمزية (symbolic capitals) إلى ممتلكاته أو إدارته الاحتكارية، من قبيل الحصول على مكانة مرموقة بين الشرائح الاجتماعية، وأسلوب إنتاج وتوزيع رأس المال المعنوي في نطاق الدين، والثقافة والهوية القومية، والتحول إلى نجم سينمائي، وتوسيع رقعة مرجعيّة التقليد، ولا يمكن الوصول لأي منها دون أخذ حساسيات واحتياجات وتوقعات الحكومة بعين الاعتبار.
نظام العلاقات الاجتماعية ومنطق سوق البضائع الرمزية، يتبع إلى حدٍّ كبير رغبة وإرادة الحكومة، لدرجة أن الإيرانيين المسافرين والمهاجرين إلى دول أخرى ينبغي عليهم التصرف وفق المقررات، وفي إطار معايير ومحذورات النظام، وإلا سيُجرى معاقبتهم بالحرمان من الانضمام إلى هذا السوق.
تعمل الجهات الفاعلة في المجتمع بشكلٍ تلقائيٍّ، ودون أي قصد أو اطلاع، في الإطار المحدد من قِبل النظام، وعلى خطى سياساته، حتى أن المواطنين الذين يعيدون إنتاج وتوزيع الأيديولوجية في حين أنهم لا يؤمنون بها إطلاقًا، أكثر عددًا وتأثيرًا من تلك الفئة التي تؤمن بالأُسس العقدية للنظام وقادته.
تثبت الشواهد أن قطاعًا مؤثرًا من الشعب لا يرى أن الإطاحة بنظام الجمهورية الإسلامية هو الخيار الوحيد أمامهم.
ومن ناحية أخرى، تعتبر الآلية المعقدة للسلطة في الجمهورية الإيرانية من أجل احتواء المجتمع والسيطرة على الاستياءات، آلية ذات كفاءة عالية، وتكاليف الثورة ضد النظام كبيرة جدًّا؛ لأنه يتمتع بقدرة عالية على التعامل بعنفٍ، بعيدًا عن أنه لا يمكن ضمان انتصار الثورة حتى لو تقبلوا ثمن ذلك.
اليوم، ليس هناك إقبال كبير على خيار الإطاحة بالنظام كحل فوري، وأحد أسباب ذلك هو أن الثورة وحرب الأعوام الثماني قد حدثت من وقتٍ قريبٍ، وما زالت حيّة في الوعي الجمعي، وما زالت آثارها النفسية المؤذية (traumatizing) في حياة العديد من المواطنين بمن فيهم جيل الشباب.
المجتمع الإيراني اليوم أصبح مفتَّتًا (atomized) ولا ينطوي على الروح المعنوية والتضامن الاجتماعي اللازم من أجل الاحتشاد ضد النظام، فالأفراد على الرغم من المشاكل المتنامية، يسعون في الأغلب لتمضية حياتهم اليومية، بحيث يبقون بعيدًا عن الخطر قدر الإمكان.
لا ينبغي نسيان أن الأزمات المتفاقمة لا تعتبر دائمًا تهديدًا لاستقرار النظام السياسي، كما في حالة نظام الجمهورية الإسلامية الخاصة، ويمكن القول أن بقاء النظام منوط ببقاء الأزمات وتجدُّدها، الأزمات التي ظهرت في إيران خلال الأربعين عامًا الأخيرة لم تكن مصادفة وغير متعمّدة دائمًا، بل جرى التخطيط لها في كثيرٍ من الأحيان.
تلعب الأزمات المخطط لها مسبقًا دور العلاج بالصدمة الكهربائية، فالتعذيب بالصدمات الكهربائية يوقف عمل دماغ السجين، ويعيد تشغيله مرة أخرى (reset) فهم يوصلون ذهنه إلى مرحلة الصفر، وبعد تثبيط قوة مقاومته، يهيِّئون للرضوخ لمطالب المُحقّق.
وبالتالي الأزمات الصادمة توقف ذهن المجتمع عن التفكير، وتجعله أعزلًا أمام القدرة المتفوقة، أي: النظام الجبار المستبدّ، وفي هذه الأثناء، يرى المجتمع النظامَ على أنه الألم والعلاج في نفس الوقت؛ لأن الخروج من المأزق يتعدى قدرته الضعيفة، وهنا لا يمكنه رؤية ملجأ آمن سوى كنف النظام.
الصدمة الشديدة تعرِّض الناس لقمَّة الارتباك، الحيرة والقلق الفجائيين يزولان فقط على يد القوة المسيطرة، ونظام الأزمة هو جهازٌ لتوليد الأعداء، ومصنعٌ لإنتاج الخوف، فينقاد المجتمع، ويستسلم للحكومة عن طريق التوهم والخوف، والعدو ليس عدو النظام فحسب، بل يُعادي الشعب والنظام على حدٍّ سواء.
ويسعى النظام إلى التظاهر بأن العدو ليس من الداخل -وهو العدو الحقيقي بطبيعة الحال- وإنما هو وحش خرافيّ كامنُ خلف الأبواب.
العدو المشترك بين الشعب والنظام، يبدو أكثر إخافة من النظام نفسه، واشتداد الأزمة تعزز من هذه الحالة، حتى أنها تشجّع معارضي الحكومة على إيقاف مطالبهم، والنهوض للدفاع عن «أساس النظام» و«كيان الدولة».
ومع ذلك لا تعني الفرص الضعيفة لحدوث ثورة في المستقبل بقاء الجمهورية الإسلامية للأبد، فليس فقط عمر سياسة القمع الداخلي قصيرٌ، بل إن الطموحات المتهورة إقليميًّا ودوليًّا تهدد بقاء نظام الجمهورية الإسلامية أيضًا، ويمكن لتغيير النظام أن يُجرى بطرق غير الثورة، من قبيل الانقلاب العسكري، أو موت المرشد، أو المواجهة العسكرية مع تحالف بقيادة أمريكا، وذلك حسب العوامل المختلفة الداخلية والخارجية، وبإمكان كل واحدة من هذه الطرق أن يكون بمثابة المسمار الأخير الذي يُدقّ في نعش النظام.
يمكن أن يسقط النظام دون تدخل مؤثر من قبل المجتمع المدني، لكن لا شك أن استبداله بالديمقراطية بحاجة إلى المجتمع المدني، ولكن تغيير النظام في ظل تشتت المجتمع المدني لن يتعدَّى أن يكون سطحيًّا وشكليًّا، بل ومع سقوط ولاية الفقيه، ستظهر نواة النظام الصلبة تحت مسمى جديد، وستتولى زمام الأمور في الدولة.
الحل الوحيد للتغيير السلمي والمؤثر للنظام، هو تعزيز عنصر الثقة بالنفس لدى المجتمع المدني، ومحاولته الاعتماد على نفسه، وقطع المصالح المشتركة للمجتمع المدني مع النظام الديكتاتوري الحالي، ضرورة لا مفر منها، ومسؤولية صعبة، وتبدو الثورة ضد الجمهورية الإسلامية سهلة للوهلة الأولى من خلال رفض القيم والمعايير التي رسّخها.
الانفصام، التوهم، ومرض التوحد، والاضطراب العقلي، والانفصال عن الواقع هو إرث الأنظمة السلطوية، وتشير القرائن والشواهد إلى أن الإيرانيين أصبحوا حساسين تجاه هذا الإرث المشؤوم، ويسعون وراء العثور على علاج له.
ومع ذلك، نحتاج قبل أي شيء إلى ثورة أخلاقية ومعنوية من أجل مقاومة مدنية مؤثرة، ثورة هدفها التحرر من السلطوية المطلقة، وإنهاء قمع الإرادة الفردية، ومثل هذا التغيير لا يمكن حدوثه إلا من خلال الالتزام الواعي بالحقائق والعقلانية الناقدة، يعني الشجاعة على المعرفة والخروج من الحالة الصبيانية المتعمّدة، ومن شأن صدق قادة المجتمع المدني مع أنفسهم ومع المجتمع المدني إشعال مصباح الأمل بالسياسة، وربط القلوب الشجاعة والأرواح الحرّة مع بعضها البعض.

مادة مترجمة عن موقع راديو فردا


  الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة رأي المعهد

د. مهدي خلجي
د. مهدي خلجي
خبير في العلوم الاسلامية والفقه الشيعي