من الفيلم الإسلامي إلى الاختباء خلف الرمزية.. فيلم «Tehran Taboo – محرَّمات طهران» نموذجًا

بواسطةسالمة الموشي

السينما الإيرانية هي القوة الناعمة التي شقّت طريقها في ظلّ التحديات الكبيرة خالقةً نمطها الخاصّ، إذ مضت تصنع للمشاهد إبداعًا مختلفًا يتحرك ضمن إطار قولِ ما لا يُقال، وبأسلوب فريد عرضت السينما الإيرانية الحياة التي تحدث في الشوارع والكواليس والزوايا المنسيَّة على الرغم من سطوة الرقيب، فقد مضى الفيلم الإيراني يكتب وجوده في مسار صعب، وهي تلك الصعوبة التي تشبه ولادة حقيقية لكل فيلم يتصدر الظهور إعلاميًّا، وهو ما عبَّر عنه المخرج الإيراني رضا سركانيان في ظلّ علاقة السينما الإيرانية بالمتغيرات السياسية والاجتماعية في إيران، وفي ظلّ نظام شائك ومنغلق، إذ قال « إن ولادة فيلم تشبه عملية تحضير ولادة طفل».

«الذين غضبوا من الفلم داخل إيران، غضبوا منه لأنه يعكس مدى إزدواجيّة الحياة التي يعيشونها والصورة التي يحملونها عن أنفسهم» مخرج الفيلم علي سوزنده

في القطار خُلقت الفكرة:
لقد أصبحت الطرق المتاحة أمام السينما الإيرانية محدودة، فلا تعلم هل النص هو الخائف أم الطريقة المتجاسرة على خوض التجربة هي الشجاعة. إن إنتاج فيلم لا يخشى العواقب بات احتمالية قليلة الحدوث داخل إيران، في حين أن الطريق الأسهل الذي يتماهى فيه المحتوى مع السلطة ورؤيتها بات متاحًا إلى الحَدّ الذي لا يمكنك معه أن تندهش من حجم الصور المزوَّرة التي تعكس أمرًا آخَر غير حقيقة الحياة العميقة في الداخل الإيراني.
المخرج علي سوزونده الذي غادر وطنه في عام 1995 ليعيش في ألمانيا بعيدًا عن عائلته التي بقِيَت في إيران، ظهر مؤخَّرًا بفيلم «طهران تابو». يقول عن القصة التي ألهمته والتي استوحى فكرة فيلمه من خلالها إنها كانت محادثة سمعها بين شابَّين إيرانيَّين في أثناء ركوبه القطار، كانا يتحدثان عن تجاربهما العاطفية في إيران.
«طهران تابو» فيلم يُظهِر ما هو أكثر من أن يكون مشهدًا مألوفًا أو سرِّيًّا لقصة مكررة في هذا العالم، هو أشبه بلوحة سريالية متحركة، شيء أكثر عمقًا من دراما وأبطال وحكاية، إنه من بطولة الحياة ذاتها، تلك الحياة التي مادَّتها وماهيَّتها الإنسان. قُدّم الفيلم بتقنيات غير اعتيادية، لصعوبة التحرُّك في إطار الزمكان الحقيقي وقمع المعنى لإنتاج فيلم كهذا في دائرة المكان الحقيقي، لذا كانت تقنية الروتوسكوب (أي الرسوم المتحركة) هي المتاح الممكن لولادة الفيلم ، فتضمنت المشاهد خلفيات رقمية أُدمِجَت في ما بعد مع المشاهد المصوَّرة، وذلك لتُشبِه الشوارع والمنازل الحقيقية في طهران.
«طهران تابو» تقنيًّا مثّله داخل استوديو ممثِّلون حقيقيون من فريق مكوَّن من أربعين فنَّانًا محترفًا. عن هذا الإغراق في التخفِّي والمواربة يقول سوزنده مخرج الفيلم، إن المَشاهد في معظمها لا يكاد يحتمله المُشاهِد التقليدي، ولنقل المحافظ غير الناقد.

الخطيئة والتطهير في المكان ذاته:
إن فيلم «طهران تابو» هو قصة سياسية أكثر من كونه قصة تقليدية إيرانية بشكل ما، على الرغم من الحِسِّيَّة التامَّة في المشهدية الممتدة عبر الفيلم، فإن الرمزية السياسية تغوص عميقًا في رسالة الفيلم وما وراء المعنى، الرمزية القائمة على المكان المحدود المتمثل في مساحة المقعد الخلفي للسيارة ووجود
المرأة ومن ثم مساومتها على الاستمرار في الطريق والوصول إلى المكان مقابل تقديم الجسد ليُنتَهَك، وهنا تظهر السريالية الدرامية وراء قراءة المشهد في اختزال معنى المقايضة بين امرأة في المقعد الخلفي وقائد السيارة الأجرة، هل هكذا تسير الحياة باتجاه حركية التضحية مقابل الوجهة المتاحة؟ هكذا يظهر المشهد كأنما المدينة بكُلِّيَّتها هي سيارة أجرة يقودها أحدهم. يتوقف المشهد لينتقل إلى مشهد «الفعل الجسدي»، من ثم يتسلل الحدث إلى تجوال بالقرب من مسجد أزرق اللون في رمزية أخرى للزرقة والبياض ممتزجًا بصوت الأذان في رسالة ضمنيَّة لحدوث الخطيئة والتطهُّر كفعل بشري في المكان ذاته.
يلامس الفيلم مفهوم «المحرَّمات داخل المجتمع الإيراني»، معبِّرًا عن مجتمَع المعايير المزدوجة كما توحي به سياقات المَشاهد في الفيلم في محاولة للتعبير عن قوة الحياة المقموعة وماذا يعني وجود متنفَّس لها بحيث يشرح البناء المحوري الرمزي لـ«طهران تابو» ما يعنيه أن يخوض المجتمع في الداخل معاييره المزدوجة ليصبح مجرَّد الحصول على المواعدة مقابلًا رمزيًّا للحرية، كأنما الحصول على امرأة في شارع خلفي هو انتصار للحرية التي يلتمسها أفراد يعيشون قمعًا سياسيًّا واجتماعيًّا، وتأتي ملامسة التابو/المحرَّم هنا متنفَّسًا باعتبارها حرية بشكل ما في مجتمع محافظ وإسلامي بحت.
تشكِّل المرأة رمزية أساسية في الفيلم، المرأة التي تعاني القمع الذكوري، والمؤسسي، والديني، شكل من أشكال الحياة تعايشه المرأة الإيرانية داخل المجتمع في مشهد عائلي لرمزية جعل المرأة مُواطِنًا بدرجة أقلّ. تأتي سارة لتمثل نموذج هذا النوع من الحياة، فهي مُقيَّدة بشدة: هي لا تستطيع أن تحصل على وظيفة دون إذن خطّيّ من زوجها الذي ينتظر منها البقاء في المنزل والتحضير لولادة طفلهما، بما ينمّطها في كيان نوعيّ جنسيّ، فيما تعكس باري النموذج السابق، فهي الفتاة التي تقاوم قدَرها وتستخدم المكياج البارز كقناع يُخفِي مشكلاتها الحقيقية. يدفع سيناريو الفيلم إلى الربط بين المرأتين بحيث تظهران في أحد المشاهد وهما تتناولان وجبتهما دون وجود رجل، وتظهر السعادة عليهما في رمزية لإمكانية السعادة في ظروف محايدة ومختلفة لا علاقة للرجل وسلطته بها.

الوصول إلى العالم رغم الرقابة:

اليوم تقدِّم السينما الإيرانية الواقع في هيئة مُشاهَدة رمزية وواقعية، ولا تلتفت إلى الماضي الذي قلّص الحركة الفنية السينمائية، لأنه في فترة ما بعد الثورة شهدت الحركة السينمائية تراجعًا كبيرًا، بحيث اشتدّت على السينما رقابة وزارة الثقافة التي تَغيَّر اسمها بعد الثورة إلى «وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي»، بالإضافة إلى اختفاء المرأة من المشهد السينمائي، إلا أن السينما الإيرانية ساهمت في خلق بيئة فنية تحمل قضايا المجتمع الإيراني ومعاناته، وعلى الرغم من القيود فقد نجح عدد من المخرجين الإيرانيين في تطوير السينما الإيرانية من خلال انتمائهم إلى المدرسة الواقعية التي تناولت المسكوت عنه في حياة الإنسان الإيراني، الرجل والمرأة على حد سواء.
بقي كثير من الإقصاء الذي طال السينما بعد انتصار الثورة، إذ أُحرِقَت دور السينما وضجَّت المطالبات بتطهير الفنّ، وغادر هربًا خارج البلاد المملثون والمخرجون والمنتجون حتى أدركت الدولة مدى عزلتها عن العالم، ومن ثم وجدت أن الفن والسينما يمكِّنانها من تشكيل رأي وثقافة إسلامية تُدِرّ دخلًا، ممَّا جعل السلطة تتوجه إلى إتاحة مساحة من التحرُّك الفني للسينما الإيرانية ضمن اشتراطاتها الفعلية، ويُذكَر أنه بعد تولِّي محمد خاتمي وزارة الثقافة أُنشِئَت مؤسسة «فارابي للسينما». إلا أن السينما الإيرانية داخل كل هذه الرقابة والتنميط استطاعت إيصال رسالتها إلى العالم من خلال المجازات والرسائل الضمنية ولغة الجسد، وفتحت آفاقًا للعالمية، لكن «طهران تابو» كان خارج السياق والرقابة، كما عُرض في أهمّ بلدان العالم، ومنها الولايات المتحدة الأمريكية، فيما لا يزال غائبًا عن السينما الإيرانية.


  الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة رأي المعهد

سالمة الموشي
سالمة الموشي
محررة في الشأن الثقافي والفكري