شهد منتجع بورغنشتوك السويسري، خلال الفترة من 23 إلى 24 يونيو 2026م، مرحلةً جديدةً من التفاعل الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران. وللمرة الثانية منذ الحرب التي استمرت أربعين يومًا، وبعد الجولة الأولى من المحادثات المباشرة في إسلام آباد خلال أبريل الماضي، جرت المفاوضات هذه المرة على مستوى سياسي غير مسبوق؛ إذ جمعت نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف. ويعكس هذا الارتقاء في مستوى التمثيل السياسي، الأهمية الإستراتيجية التي يوليها الطرفان لتنفيذ مذكرة التفاهم الموقعة في 14 يونيو، كما يشير إلى انتقال المفاوضات من معالجة القضايا الفنية إلى بحث ملامح العلاقة بين واشنطن وطهران في مرحلة ما بعد الحرب. وبعد نحو 18 ساعة من المحادثات، اتفق الوفدان على تعليقها حتى 29 يونيو لإجراء مشاورات مع قيادتي البلدين. وأوضح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، أن هذا التعليق يندرج ضمن مسار تنفيذ الاتفاق، وليس نتيجة تعثر دبلوماسي، مؤكدًا أن أي تخفيف إضافي للعقوبات سيبقى مرهونًا بالتزام إيران ببنود مذكرة التفاهم.
ولا تقتصر المفاوضات على الملف النووي، بل تمتد لتشمل تخفيف العقوبات، والأمن البحري، وإعادة الإعمار بعد الحرب، وحرية الملاحة في الخليج، فضلًا عن مستقبل المنظومة الأمنية في الشرق الأوسط. ويتمثل السؤال الجوهري فيما إذا كانت الولايات المتحدة وإيران قادرتين على تحويل الهدنة العسكرية إلى تسويةٍ سياسيةٍ مستدامةٍ، قبل أن تعيد الأزمات الإقليمية أو الضغوط السياسية الداخلية تقويض المسار الدبلوماسي، لذا ينبغي النظر إلى مذكرة التفاهم بوصفها إطارًا سياسيًا لخفض التصعيد، لا اتفاق سلام شاملًا. وتكمن أهم نقاط قوتها في الغموض البنّاء الذي تتسم به، إذ إنها تجنبت تقديم حلول نهائية للقضايا الأكثر حساسية، مما أتاح للطرفين وقف القتال مع الاحتفاظ بهامش سياسي يسمح باستمرار المفاوضات. غير أن هذا الغموض ذاته يمثل أبرز مواطن ضعفها، إذ لا تزال واشنطن وطهران تتبنيان تفسيرات متباينة لأهداف الاتفاق وآليات تنفيذه؛ فبالنسبة للولايات المتحدة، تمثل المذكرة نقطة انطلاق لمسار دبلوماسي طويل، يفترض أن يشمل مستقبلًا البرنامج النووي، والأمن الإقليمي، ودعم إيران لوكلائها في المنطقة، وبرنامجي الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، إضافة إلى ملف العقوبات. أما المسؤولون الإيرانيون، فيقدمون الاتفاق باعتباره دليلًا على فشل الضغوط العسكرية في تغيير التوجه الإستراتيجي لإيران، وأن تخفيف العقوبات ينبغي أن يأتي اعترافًا بهذه الحقيقة.
وكان من أوائل النتائج العملية للمفاوضات، منح الولايات المتحدة إعفاءً مؤقتًا، يسمح باستئناف صادرات النفط الإيرانية لمدة 60 يومًا. ومن الناحية الاقتصادية، يمكن لهذا القرار أن يضخ عدة مليارات من الدولارات شهريًا في الاقتصاد الإيراني، بما يوفر متنفسًا ماليًا تحتاج إليه طهران، بعد أشهر من المواجهة العسكرية والاضطرابات الاقتصادية الحادة. غير أن هذا الإجراء يطرح في الوقت نفسه معضلة إستراتيجية؛ إذ قد يؤدي الهامش الاقتصادي الذي يهدف إلى تعزيز أنصار الدبلوماسية داخل إيران، إلى تشجيع بعض الأوساط السياسية والأمنية على الاعتقاد بأن ميزان القوى بات يميل لصالح طهران. وإذا خلصت القيادة الإيرانية إلى أن واشنطن غير مستعدة للعودة إلى سياسة «الضغوط القصوى» لأسباب سياسية داخلية، فقد يصبح المفاوض الإيراني أقل استعدادًا لتقديم تنازلات إضافية. ومن هذا المنطلق، قد يؤدي تخفيف العقوبات على نحو مفارق، لتقليص دوافع التسوية إذا اعتُبر دليلًا على نجاح سياسة الصبر الإستراتيجي.
وفي الواقع، يستخدم الطرفان الدبلوماسية أيضًا كوسيلة لإدارة عامل الوقت؛ فبالنسبة لإدارة الرئيس دونالد ترامب، يعد الحفاظ على الاستقرار الإقليمي خلال الصيف، أمرًا ضروريًا لتجنب اندلاع مواجهة عسكرية جديدة قبل نهائي كأس العالم لكرة القدم في يوليو، وانتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر. ومن شبه المؤكد أن أي تصعيد عسكري جديد في الخليج سيرفع أسعار النفط، ويزيد ضغوط التضخم، ويقوض أحد أبرز إنجازات الإدارة في السياسة الخارجية. وفي المقابل، تواجه إيران ضغوطًا داخلية لا تقل أهمية، فهي بحاجةٍ ماسةٍ إلى استعادة عائدات النفط، والوصول إلى أصولها المالية المجمدة، وتحقيق قدر من الاستقرار الاقتصادي بعد الحرب، بالتزامن مع إدارة المرحلة السياسية الحساسة التي أعقبت وفاة المرشد الأعلى السابق علي خامنئي، والاستعدادات لجنازته الرسمية. ومن ثم، تلبي الدبلوماسية احتياجات سياسية داخلية ملحة لدى الطرفين، حتى وإن لم يغير أي منهما أهدافه الإستراتيجية بعيدة المدى.
وتجسد قضية الأصول الإيرانية المجمدة، استمرار التباين بين التفسيرين الأمريكي والإيراني لمذكرة التفاهم؛ فواشنطن تبدو مستعدة للسماح بوصول محدود إلى هذه الأموال، عبر آليات مالية خاضعة لإشراف دقيق، تُخصص أساسًا لتمويل شراء السلع الأساسية، بما في ذلك المنتجات الزراعية والواردات المدنية الأساسية. أما طهران، فترفض هذه القيود، معتبرةً أنَّ تلك الأصول تمثل ملكية سيادية يجب الإفراج عنها دون شروط سياسية. بل إن المسؤولين الإيرانيين باتوا يطرحون القضية ليس باعتبارها مجرد تخفيف للعقوبات، وإنما أيضًا بوصفها تعويضًا عن الحرب؛ إذ تطالب إيران بما يقارب 300 مليار دولار كمساعدات لإعادة الإعمار، وهو ما يعكس تصورًا مختلفًا جذريًا لمعنى «تطبيع العلاقات». ورغم أن مثل هذه المطالب غير مقبولة سياسيًا في واشنطن، فإنها تؤكد أن طهران تنظر إلى المفاوضات باعتبارها تتجاوز بكثير الإدارة الفنية للعقوبات.
ويبقى الملف النووي أحد أكثر ملفات التفاوض تعقيدًا وحساسية، ومن أبرز القضايا المطروحة مستقبل دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية في تفتيش المنشآت النووية الإيرانية، التي تضررت جراء عمليات القصف في يونيو 2025 ومارس 2026. ولم يعد النقاش مقتصرًا على مستويات تخصيب اليورانيوم، بل بات يشمل التحقق من حالة المنشآت المتضررة، وإمكانية الوصول إلى المواقع الحساسة، وآليات المراقبة، ومستقبل مخزون إيران المتبقي من اليورانيوم عالي التخصيب. ولا تزال الولايات المتحدة تعتبر عمليات التفتيش المشددة شرطًا أساسيًا لأي اتفاق دائم، بينما ترى إيران أن استهداف منشآت خاضعة لرقابة الوكالة غيّر جذريًا الإطارين القانوني والسياسي، اللذين يحكمان عمليات التفتيش المستقبلية. ويُبرِز هذا التباين أن القضايا النووية الفنية لا يمكن فصلها عن قضايا السيادة والثقة والشرعية السياسية.
كما تكشف التصريحات العلنية استمرار الاختلاف في تفسير بنود مذكرة التفاهم؛ فطهران تنفي أن يكون برنامجها للصواريخ الباليستية قد طُرح خلال المفاوضات، في حين أكدَّ روبيو أن المحادثات تشمل أيضًا برنامج الطائرات المسيّرة الإيراني، وشبكة الجماعات المسلحة الحليفة لإيران، وهو ما يرفضه المسؤولون الإيرانيون. ويراهن المفاوضون على التركيز في المرحلة الأولى على تخفيف العقوبات، والأمن البحري، والاستقرار النووي، لبناء حدٍ أدنى من الثقة قبل الانتقال إلى أكثر الملفات حساسية سياسيًا، إلا أن نجاح هذا التدرج لا يزال موضع شك.
وبرز مستقبل إدارة مضيق هرمز بوصفه إحدى أبرز القضايا الإستراتيجية؛ ففي أعقاب الرفع التدريجي للحصار البحري الأمريكي، تواصل الأطراف، بحسب التقارير، مناقشة ترتيبات لضمان حرية الملاحة، ومراقبة حركة السفن التجارية، ومنع وقوع حوادث عسكرية مستقبلية، من خلال إنشاء آلية مباشرة لفض الاشتباك بين القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) والحرس الثوري الإيراني في الدوحة. وتحظى هذه الترتيبات باهتمام بالغ لدى دول الخليج، وهو ما انعكس في البيان المشترك الصادر عن مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة، خلال زيارة روبيو إلى البحرين، والذي شدد على أهمية الأمن البحري، وحماية البنية التحتية الحيوية، وصون حرية الملاحة باعتبارها ركائز أساسية للاستقرار الإقليمي.
ورغم هذه الجهود الدبلوماسية، يبقى خطر التصعيد البحري قائمًا؛ فإذا خلصت بعض أجنحة الحرس الثوري إلى أن المفاوضات تهدد نفوذ إيران طويل الأمد على خطوط الملاحة الخليجية، فقد تلجأ إلى استعادة الضغط الإستراتيجي عبر حوادث بحرية محسوبة، تستهدف سفنًا تجارية أو منشآت بحرية أو دوريات عسكرية. ولن يعني ذلك بالضرورة انهيار المسار الدبلوماسي، بل سيعكس النهج الإيراني التقليدي، القائم على الجمع بين التفاوض والضغط العسكري المدروس، لتعزيز أوراق المساومة دون الانزلاق إلى حرب شاملة، وهذا ما تؤكده التطورات الأخيرة.
ففي 25 يونيو، استهدفت طائرة مسيّرة تابعة للحرس الثوري، سفينة الشحن M/V Ever Lovely التي ترفع علم سنغافورة، أثناء عبورها مضيق هرمز، بعدما دعت بحرية الحرس الثوري السفن التجارية إلى التنسيق مع السلطات الإيرانية، والالتزام بممرات الملاحة التي تعتمدها طهران. كما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أن إيران أطلقت أربع طائرات مسيّرة في المضيق خلال أربع وعشرين ساعة، معتبرًا أن هذه العمليات تمثل انتهاكًا لوقف إطلاق النار. وتشير هذه التطورات إلى أن طهران تستخدم قوة عسكرية محدودة للحفاظ على سيطرة فعلية على حركة الملاحة في المدى القريب، بالتوازي مع مفاوضاتها مع دول الخليج للحصول على اعتراف سياسي طويل الأمد بدورها في إدارة المضيق. غير أن هذه الإستراتيجية تنطوي على قيود واضحة، إذ إن استمرار استهداف الملاحة الدولية، سيستدعي على الأرجح ردودًا عسكرية إضافية، كما حدث عندما استهدفت القيادة المركزية الأمريكية، في 26 يونيو مواقع لتخزين الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، إضافة إلى مواقع رادارية ساحلية. وفي الوقت ذاته، أكدت القيادة المركزية التزامها بضمان حرية الملاحة، عبر تنسيق المرور الآمن للسفن التجارية في المضيق. ومن ثم، تجمع المعادلة الحالية بين الردع والإكراه والدبلوماسية، حيث تسعى طهران إلى توظيف ضغط عسكري محدود ليس لإفشال المفاوضات، وإنما للتأثير في نتائجها وجعلها تسير لصالحها.
ويبرز لبنان باعتباره أحد أهم مصادر عدم اليقين خارج قاعة المفاوضات، إذ لا تزال الساحة اللبنانية قادرة على تقويض المسار الدبلوماسي؛ فمن شأن أي مواجهة جديدة بين إسرائيل وحزب الله، أن تعيد رسم الحسابات السياسية سريعًا. ولا تزال إيران تنظر إلى حزب الله بوصفه عنصرًا رئيسيًا في منظومة ردعها الإقليمية، رغم ما تعرض له من نكسات عسكرية خلال المواجهات الأخيرة، في حين تواصل إسرائيل سعيها لمنع الحزب من استعادة قدراته.
وعلى الرغم من توقيع إسرائيل ولبنان، في 26 يونيو، اتفاقًا برعاية أمريكية يرسم مسارًا نحو الانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية من جنوب لبنان، فإن تنفيذ هذا الاتفاق يبقى رهينًا بالأوضاع الأمنية الهشة. وينص الاتفاق على أن يحل الجيش اللبناني محل القوات الإسرائيلية في موقعين متبقيين جنوب البلاد، في إطار المساعي الأمريكية لتعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية، وتقليص احتمالات تجدد المواجهة. ومع ذلك، فإن نجاح هذا الترتيب سيعتمد على موقف حزب الله، وتقديرات إسرائيل للمخاطر الأمنية، واستعداد إيران لدعم خفض التصعيد على الجبهة اللبنانية. فأي تصعيد كبير في لبنان سيعزز موقف التيارات في كل من الولايات المتحدة وإيران، التي ترى أن الدبلوماسية لا يمكن أن تحل محل الردع العسكري. وفي المقابل، فإن التنفيذ الناجح لهذا الاتفاق قد يدعم إجراءات بناء الثقة في الحوار الأمريكي-الإيراني، ويثبت إمكانية التوصل إلى ترتيبات أمنية إقليمية رغم استمرار التنافس الإستراتيجي. ومن ثم، تظل الجبهة اللبنانية أحد أهم المتغيرات الخارجية، القادرة على تحديد نجاح أو إخفاق مسار محادثات بورغنشتوك.
وفي المحصلة، لا تمثل هذه المفاوضات بداية لمصالحة بين واشنطن وطهران، بقدر ما تعكس محاولة لتحويل الحرب المفتوحة إلى إطار أكثر استقرارًا لإدارة التنافس الإستراتيجي؛ فقد فتحت مذكرة التفاهم قناةً دبلوماسيةً جديدةً، لكن ستعتمد استدامتها بدرجةٍ أقل على الصياغات الغامضة التي تضمنتها، وبدرجة أكبر على استعداد الطرفين لتقريب الفجوة بين تفسيراتهما المتباينة لبنودها. وفي الوقت الراهن، تبدو فرص صمود مذكرة التفاهم حتى انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، أكبر من احتمالات العودة إلى التصعيد العسكري، بيد أن هذا التوازن لا يزال هشًا. ويظل السيناريو الأكثر ترجيحًا هو استمرار حالة «الصراع المجمد»، التي تتسم بمواصلة المفاوضات، واستمرار الردع المتبادل المحدود، والتطبيع الاقتصادي التدريجي. ومع ذلك، لا يمكن استبعاد احتمال العودة إلى مواجهات منخفضة الحدة، عبر هجمات وكلاء إيران، أو الحوادث البحرية، أو الاشتباكات العسكرية المحدودة. ومن ثم، فإن تعليق المفاوضات حتى 29 يونيو يتجاوز كونه إجراءً بروتوكوليًا، إذ يمنح الطرفين فرصة لاختبار ما إذا كانت دبلوماسية الإكراه قادرة على التحول تدريجيًا إلى تسوية سياسية. ومع كل هذا، لا يمكن من خلال إستراتيجية خروج تُبنى حصرًا على اعتبارات السياسة الداخلية إرساء حلٍ دبلوماسي دائم، مما يترك الباب مفتوحًا أمام احتمال أن تكون الهدنة الحالية مجرد استراحة مؤقتة، تسبق جولة جديدة من المواجهات.