أسباب استقالة وزير النفط الإيراني

https://rasanah-iiis.org/?p=39576

استقال وزير النفط الإيراني محسن باكنجاد مؤخرًا وسط جدلٍ واسعٍ واتهاماتٍ تتعلق بوجود مخالفات في عمليات بيع النفط الإيراني، فقد سُجّل انهيار في صادرات النفط الإيرانية في ظل الحصار الأمريكي والعقوبات المفروضة، وتزامنت الاستقالة أيضًا مع تصاعد الضغوط على الحكومة الإيرانية بسبب فشلها في إدارة الوضع الاقتصادي في البلاد، إذ بلغ التضخم السنوي نحو 90% وتهاوى الريال إلى مستويات قياسية متتالية، فيما برزت تساؤلات حول مليارات الدولارات من عائدات النفط، وتشير استقالة الوزير وردود فعل الحكومة خلال الأسابيع الأخيرة إلى محاولات لاحتواء التوتر الشعبي والحفاظ على الثقة العامة في وقت تواصل فيه الضغوط الشعبية تحدي الرواية الرسمية.

وتأتي استقالة وزير النفط في ظل تفاقم الظر وف الاقتصادية داخل إيران، فقد بلغ التضخم السنوي في أسعار الغذاء نحو 130% مما ألقى  بالعبء الأكبر على الأسر منخفضة الدخل، وبحلول أوائل أكتوبر جاء تداول الدولار عند نحو 269 ألف تومان (2.69 مليون ريال)، أي أن قيمة الحد الأدنى للأجور البالغ 166 مليون ريال أصبحت تعادل نحو 62 دولاراً فقط، وقد أدّى تراجع العملة إلى ارتفاع تكاليف الواردات وإضعاف القوة الشرائية وتعزيز توقعات التضخم ما فرض ضغوطًا إضافية على الشركات والأسر.  ومؤخرًا، أعلن البنك المركزي الإيراني خططًا لضخ ما يصل إلى ملياري دولار في سوق الصرف لدعم الريال لكن العملة واصلت تراجعها رغم هذا التدخل، وقد اختلف المسؤولون الإيرانيون علنًا حول المسؤولية عن الأزمة الاقتصادية، إذ رفض وزير الاقتصاد علي مدني زاده الادعاءات الأمريكية بشأن انهيار اقتصادي وشيك، معتبرًا أن الضغوط الخارجية ومحاولات إثارة الذعر في السوق تسهم في تراجع الريال، كما نسب البنك المركزي جزءًا من عدم استقرار سعر الصرف إلى حالة عدم اليقين وتوقعات السوق.  وفي المقابل ادعى نواب في البرلمان مثل نادر قلي إبراهيمي أن الحرب لا تفسّر أكثر من 25% من الارتفاع الأخير في الأسعار واتهموا المسؤولين الاقتصاديين بتفاقم التضخم، وتكتسب هذه الاتهامات أهميةً سياسيةً لأنها تكشف عن خلافاتٍ جديةٍ بشأن السياسات الحكومية، وعند النظر إليها إلى جانب استقالة وزير النفط وتزايد التدقيق في عائدات النفط يتضح أنها تُشير إلى توتراتٍ أوسع نطاقًا حول إدارة الاقتصاد والمساءلة المؤسسية.

وقد سلّط الجدلُ المحيط باستقالة باكنجاد الضوءَ على مشكلةٍ مزمنةٍ في إيران متمثلة في الاعتماد على الوسطاء لبيع النفط وإدارة العائدات خارج الأطر المصرفية الخاضعة للرقابة، إذ أشارت بعض التقارير إلى أن هذا النظام قد اتسّع خلال فترة إبراهيم رئيسي مما أدى إلى تقليص السيطرة المباشرة لوزارة النفط على عائدات النفط، ووفقاً لبعض التقارير فقد اشتكى باكنجاد خلال أحد اجتماعات مجلس الإدارة التي حضرها الرئيس مسعود بزشكيان من تدخل مكتب الرئيس في عمليات وزارة النفط، وقد تفاقمت الشكوك بسبب غياب الشفافية في هذه الترتيبات وغياب آليات الرقابة العامة، ويُشار إلى الوسطاء، الذين يُطلق عليهم عادة «الأمناء»، باعتبارهم أفرادًا أو كيانات تجارية مخوّلة بتسهيل بيع النفط وترتيب المدفوعات وإعادة عائدات الصادرات إلى إيران، وقد اتسّع دورهم مع تقييد العقوبات الأمريكية وصول إيران إلى المصارف الدولية وخدمات الشحن والأسواق النفطية التقليدية. وقد مكّن هذا الترتيب طهران من مواصلة التصدير رغم القيود  المفروضة عليها لكنه في الوقت نفسه عقّد عمليات الرقابة المالية، إذ بات يمكن للوسيط التحكم في العلاقة مع المشتري الأجنبي وحساب الدفع والقنوات التي تُعاد عبرها العائدات، مما يصعب التمييز بين التأخيرات المشروعة في الدفع وبين عدم الالتزام التعاقدي أو تحويل الأموال عمدًا.

وبعد استقالة باكنجاد، جرى تعيين حميد بوورد وزيراً بالوكالة، وكان بوورد قد ترأس سابقًا شركة النفط الوطنية الإيرانية، وكانت وزارة الخزانة الأمريكية قد فرضت عليه عقوبات في عام 2025م لدوره في قطاع النفط الإيراني وصادراته، وجاء تعيينه في ظل تدقيق متزايد في شبكات الوسطاء المعنيين ببيع النفط ومخاوف بشأن استرجاع عائدات النفط، وقد أثار نواب في البرلمان أسئلة حول تخصيص نحو 80 مليون برميل من النفط الخام لأربعة وسطاء.  وقد  أُدرج النائب ولي الله بياني حسين شمخاني، نجل الأمين السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي علي شمخاني، كأحد الأشخاص المتورطين، كما ادعى نائب آخر، وهو حسين صمصامي، أنّ أكثر من 86 مليون برميل قد خُصصت للأمناء دون ضماناتٍ أو إجراءات كافية.  وفي 13 سبتمبر أفادت «وكالة أنباء العمل الإيرانية |إيلنا» بأنّ رسالةً منسوبةً إلى الرئيس التنفيذي السابق لشركة النفط الوطنية حميد بوورد كشفت عن التزاماتٍ مالية بمليارات الدولارات مرتبطة بوسيط آخر يدعى حسين أغياري، كما زعمت التقارير أن عقدًا قد مُرر دون موافقة فريق العمل المعني بمواجهة العقوبات. ومن جانبها ذكرت صحيفة «فرهيختكان» الإيرانية أنّ أحد ترتيبات الوساطة يدين لشركة النفط الوطنية بنحو ملياري دولار، ووفقًا لبعض التقارير فقد شارك قائد بارز في الحرس الثوري، حسين رضا صادقي، ونجله سعيد في إعادة هيكلة شبكة لبيع النفط وتحويل العمليات المالية من الإمارات إلى روسيا، وربطت هذه التقارير مثل هذه الإجراءات بشبكات مرتبطة باستخبارات الحرس الثوري.  كما خضعت تجارة النفط مع الصين لتدقيق متزايد، إذ أقر عبدالحسين همتي سرابردة، نائب رئيس لجنة الطاقة في البرلمان، بأن تفاصيل بعض العقود المتعلقة بتجارة النفط مع الصين ربما لم تكن واضحة حتى لوزير النفط نفسه، وقد كشفت هذه التطورات عن فجواتٍ خطيرة في الرقابة المعلنة وأثارت تساؤلات حول العائدات غير المستوفاة.

وقد فاقم الجدل الأخير حدّة التوترات الداخلية ودفع البرلمان إلى توسيع نطاق التدقيق، فقد طرح بعض النواب أسئلة حول تعيين علي أكبر بور إبراهيم لقيادة شركة نافتيران للتجارة الدولية، وعبّر النائب علي خضريان عن مخاوف تتعلق بسلامة الإجراءات القانونية والتنظيمية التي سبقت هذا التعيين.  وفي سبتمبر أعلن النائب أحمد بيكدلي عن مقترح لإجراء تحقيق شامل في عمليات بيع النفط وآليات تحصيل العائدات المتأخرة من جانب شركة النفط الوطنية الإيرانية وشركتها التجارية الدولية نافتيران، ويشمل هذا التحقيق المقترح مراجعة العقود وآليات اختيار الوسطاء ونسب الخصومات السعرية وجداول السداد والضمانات المالية فضلاً عن مؤهلات المسؤولين الذين صادقوا على هذه المعاملات.

وفي هذا السياق تكتسب مكانة الحرس الثوري أهمية وحساسية خاصتين، إذ تمنح مصداقية للاتهامات القديمة المتعلقة بسوء إدارة عائدات النفط خارج نطاق السلطة الرسمية لوزارة النفط، ما يفتح الباب أمام ممارسات غير شفافة، وتظل طبيعة الفساد في إيران عاملاً مركزيًا في هذا المشهد، فوفق مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية جاءت إيران في المرتبة 153 من بين 182 دولة، وتتجلّى مخاطر الفساد على نحوٍ خاص في البيئات التي تقوم فيها التعيينات على الولاءات السياسية وتُمنح فيها العقود بآليات تفضيلية وتتراجع مستويات الشفافية المالية وهي عوامل تُضعف الرقابة المؤسسية والمساءلة.  وفي ظل العقوبات، يؤدي الوسطاء وظائف لا تستطيع الدولة استبدالها بسهولة ما يمنحهم نفوذًا تجاريًا وحمايةً سياسيةً محتملة، وكلما ازداد اعتماد إيران على هذه الشبكات، أصبح فرض المساءلة الصارمة أكثر صعوبة، لأن ذلك قد يعرقل تدفقات الإيرادات التي تعتمد عليها الحكومة خصوصًا أن الحرس الثوري يبقى بمنأى عن أي تدقيق فعلي.

لقد كشفت استقالة باكنجاد عن خلافات داخلية حول إدارة الاقتصاد والفجوة بين المؤسسات السياسية والأمنية في إيران، ورغم أن مكتب الرئيس نسب رحيله إلى أسباب شخصية، ربطت وسائل الإعلام الإيرانية الاستقالة بخلافات حول عائدات النفط. وتظل القرارات الكبرى المتعلقة بالاقتصاد الإيراني الذي يعتمد اعتمادًا كبيرًا على صادرات الطاقة موزعةً بين مؤسسات ذات مصالح سياسية وتجارية متباينة، ما يحدّ من قدرة الحكومة على تعزيز الشفافية والمساءلة، كما أن العقوبات الخارجية وضعف الحوكمة الداخلية يعززان بعضهما بعضًا، إذ أدت القيود المفروضة على التجارة الرسمية والقطاع المصرفي إلى انتشار ترتيبات مالية أقل شفافية، بينما يصعّب ضعف الرقابة تحديد المسؤولية عن العائدات المتأخرة والمعاملات المشكوك فيها، وينتج عن ذلك نظام تواجه فيه الحكومة ضغوطًا اقتصادية متنامية دون أن تمتلك السيطرة الكافية على المؤسسات اللازمة لمعالجتها.

وقد أدت الظروف الاقتصادية المتدهورة وتباين ردود الحكومة إلى إضعاف ثقة الشعب في قدرة الدولة على التعامل مع الأزمة، فالمسؤولون الحكوميون يركزون على العقوبات والحرب والضغوط الخارجية، وهي عوامل مؤثرة بالفعل في التدهور الحالي، ولكن محدودية الإفصاح عن المعلومات المالية الحكومية والخلافات الداخلية وآليات اتخاذ القرار الاقتصادي تجعل من الصعب على المواطنين تقييم السياسات أو مساءلة المسؤولين عن إخفاقاتهم. ومع تراكم المظالم الشعبية والانقسامات داخل المؤسسة السياسية والاتهامات بالفساد المؤسسي تتصاعد التوترات الاجتماعية الكامنة، كما أن القيود المفروضة على التعبير وغياب أي آليات فعالة للمساءلة العامة يحدّان من القنوات المؤسسية لمعالجة هذه المظالم، مما يفاقم الإحباطات السياسية الأوسع والشكاوى المستمرة بشأن غياب الشفافية في إدارة الموارد الوطنية، ولا سيما الاتهامات المتعلقة بصفقات نفطية غير واضحة ترتبط بشبكات الحرس الثوري.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير