أوضاع السجون الإيرانية في ظل الحرب الأمريكية-الإسرائيلية

https://rasanah-iiis.org/?p=39269

سلَّـط الإعلام الإيراني الضوء على أوضاع السجون والسجناء في أعقاب الحرب الأمريكية-الإسرائيلية، في ظل تصاعد عمليات القمع، وتزايد وتيرة الإعدامات والاعتقالات، وما رافق ذلك من انتهاكاتٍ جسيمةٍ طالت مختلف فئات المجتمع الإيراني، بما فيهم ناشطون اجتماعيون وحقوقيون وسياسيون، وتشمل هذه الانتهاكات التعذيب النفسي والجسدي، والحرمان من الحقوق الأساسية، وعلى رأسها الحق في العلاج والرعاية الصحية. وقد جعلت هذه الممارسات من السجون الإيرانية إحدى الأدوات الرئيسة لإخماد أي معارضةٍ وفرض السيطرة على مجتمع أنهكته تداعيات الحرب، الأمر الذي أثار ردود فعل دوليةٍ وانتقاداتٍ من منظماتٍ حقوقية. وبناءً عليه، يناقش هذا التقرير ثلاثة محاور رئيسية: أولًا: تداعيات الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على السجون الإيرانية والسجناء، ثانيًا: أبرز المعتقلين في السجون الإيرانية، ثالثًا: الاستجابات الدولية ومواقف المنظمات الحقوقية.

أولًا: تداعيات الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على السجون الإيرانية والسجناء

كشفت الحرب الأمريكية–الإسرائيلية، الأزمات التي يعاني منها السجناء في السجون الإيرانية، وعمقت حدتها وجعلتها بيئةً هشةً وخطرة، يواجهون فيها تهديداتٍ مزدوجة تجمع بين الخطر الخارجي الناتج عن عنف الحرب وخطورة الضربات الجوية وانعدام الأمن والسلامة، كما حصل في سجن إيفين الذي استُهدف في يونيو2025، ما أسفر عن أضرارٍ فادحة في السجن ومرافقه، وقصور في كافة الخدمات، ووقوع عشرات القتلى والجرحى من سجناء وموظفين، وبين ممارسات النظام الانتقامية والعنيفة من الداخل، فقد استغل تبعات الحرب وجعلها ذريعةً لتوسيع آلة القمع الممنهج، وفرصةً لإعادة تعبئة خطاب الأمن القومي، وإحكام القبضة الأمنية على مواطنيه وبث الرعب في نفوسهم، ولا سيما الناشطين، إذ غالبًا ما يُنظر إليهم من قِبل النظام على أنَّهم مصدر محتمل للتهديد والحشد والمعارضة، لما لأصواتهم المطالبة بالحقوق والإصلاح والتغيير من أثرٍ بالغ الأهمية في الرأي العام.

ووفقًا لموقع worldpopulationreview، فقد قُدِّر عدد السجناء السياسيين بنحو15,000، خلال عام 2026، وضمن حملة الإعدامات المكثفة، فإنَّ 70%من عمليات الإعدام طالت الناشطين السياسيين. كما بلغت موجة الاعتقالات التعسفية، وفق تقارير حقوقية، نحو 40 ألف معتقل من صحفيين وناشطين ومحامين وطلاب وأقليات عِرقية ودينية ومعارضين وأطفال، مع تسارع في إصدار 30 حكمًا بالإعدام، نُفِّذ 13 منها سرًا في سجون قم، وكرج، ومشهد، وأصفهان، بحسب إحصائيات منظمة «هنغاو» لحقوق الإنسان، و1639حالة إعدام بحلول نهاية عام 2025، معلن عنها. وترتبط هذه الممارسات باتهاماتٍ متكررةٍ بالمشاركة في احتجاجات يناير 2026، وما واكبها من تعتيمٍ رقمي نتيجة لقطع الإنترنت المتعمد، بتهم تتعلق بالتجسس لصالح جهاتٍ معادية، أو التواطؤ ضد الأمن القومي، أو التطاول على المرشد الأعلى.

 وتعكس أوضاع المعتقلين داخل السجون الإيرانية مستوىً مرتفعًا من التدهور الحقوقي والإنساني، إذ تُظهر العديد من التقارير أنَّ السجون تعاني من الاكتظاظ داخل العنابر، وتدنّي مستوى النظافة، ونقص المرافق الصحية، وضعف الخدمات المعيشية، وسوء التغذية والتهوية، فضلًا عن محدودية الرعاية الطبية ونقص الأدوية، كما يُحرم كثير من المعتقلين من حقوقهم الأساسية، وفي مقدمتها الحق في الحياة والكرامة الإنسانية، والحق في الصحة وتلقي العلاج داخل السجن وخارجه، لا سيما في الحالات الحرجة. ومن الانتهاكات الموثقة أيضًا: التعرض للعنف، والاعترافات القسرية، والتعذيب الجسدي، والاضطهاد النفسي، والحبس الانفرادي، ومصادرة الممتلكات، وتقييد التواصل مع ذويهم، ومنع الزيارات، ونقل بعضهم إلى أماكن مجهولة، والامتناع عن تزويد أسرهم بأي معلوماتٍ عنهم، وتعرض البعض منهم للاختفاء القسري، فضلاً عن الحرمان من حق الحصول على محامٍ.

 وفي بعض الحالات تُنفَّذ أحكام الإعدام بصورةٍ مفاجئةٍ وسرية تامة من دون إبلاغ الأسر مسبقًا، وهذا ما دفع ذوي السجناء والنشطاء إلى تنظيم حملاتٍ احتجاجية، من بينها إحياء حملة «لا لعقوبة الإعدام»، إضافةً إلى إضرابات عن الطعام في 56 سجنًا عبر البلاد، كما فُرضت كفالاتٌ مالية باهظة للإفراج المؤقت عن بعض المعتقلين، مما شكّل المزيد من الضغط على أسرهم، وعمّق احتقان الشارع الإيراني بالتزامن مع احتمال تجدد الحرب. ولا تقتصر آثار هذه السياسات على المعتقلين وحدهم، بل تمتد إلى الوضع الاقتصادي والاجتماعي للأسر، ولا سيما عندما يكون المعتقل أو الشخص الذي ينفذ بحقه حكم الإعدام هو المعيل الوحيد، بما يفضي إلى اضطراباتٍ معيشيةٍ ونفسيةٍ واجتماعية واسعة النطاق.

ثانيًا: أبرز المعتقلين في السجون الإيرانية

طالت عمليات الاعتقال والإعدام في إيران شرائح واسعة من المجتمع، من ناشطين سياسيين وحقوقيين ومحامين وصحفيين وأطباء وفنانين. ومن بين الأسماء التي استقطبت اهتمامًا واسعًا داخل إيران وخارجها، الناشطة الحقوقية والسياسية نرجس محمدي، الحائزة على جائزة نوبل للسلام لعام 2023، والمحكوم عليها بـ31 عامًا في سجن إيفين، والتي تُعد من أبرز الأصوات المدافعة عن حقوق الإنسان وحقوق المرأة والمعارضة لعقوبة الإعدام. وتشير التقارير إلى أنها واجهت تدهورًا صحيًا حادًا أثناء احتجازها، استدعى نقلها إلى مستشفى في طهران بعد مطالباتٍ حثيثةٍ بتوفير الرعاية الطبية اللازمة لها، مع فرض دفع كفالةٍ ماليةٍ كبيرة مقابل ذلك. وفي السياق ذاته، تبرز قضية الناشطة السياسية فاطمة سبهری، المعتقلة في سجن «وكيل آباد» في مشهد، والمحكوم عليها بالسجن لمدة 18 عامًا، وهي من الموقّعين على «بيان 14»، ضمن الذين دعوا إلى استقالة المرشد الأعلى علي خامنئي، والحائزة على جائزة «نوفيدي» لحقوق الإنسان من الاتحاد الوطني للديمقراطية في إيران، والتي حُرمت من الرعاية الصحية اللازمة رغم معاناتها من مشكلاتٍ صحيةٍ خطيرة، من بينها آثار جراحات قلب مفتوح سابقة. إضافةً إلى بعض الأسماء، على سبيل المثال لا الحصر: الفنان التشكيلي محترم برندين المعروف باسم «مهشار»، الذي قيل إنه حُرم من العلاج الطبي رغم معاناته من أورام سرطانية ومرض في القلب، والناشطة الحقوقية ياسمين آرياني، المعتقلة على خلفية أنشطتها المعارضة، والمحامية ستاره أنصاري، التي وُجهت إليها اتهاماتٍ تتعلق بالمشاركة في الاحتجاجات والتوقيع على بياناتٍ احتجاجية، مع استمرار الغموض بشأن أسباب اعتقالها ومكان احتجازها. كما تبرز قضية المحامية والناشطة الحقوقية نسرين ستوده، التي أفرجعنها مؤقتًا بكفالة في 13 مايو 2026، والكاتبة والناشطة السياسية جولرخ إيرایي ، المعروفة بدفاعها المستمر عن الحريات العامة وحقوق الإنسان، وكذلك المحامية إلهام زراعت بيشه التي أُفيد باعتقالها لأسبابٍ مجهولة، كما امتدت الحملة كذلك إلى القطاع الطبي، إذ أشارت تقارير إلى اعتقال ما لا يقل عن 83 من أفراد الطاقم الطبي، أُفرج عن47 بكفالة، مثل الطبيبة موهبت غفوري. وقد يواجه بعض المعتقلين خطر الإعدام، كما حصل مع المهندس إحسان أفراشته المتهم بالتجسس، وكذلك السجين السياسي إرفان شكورزاده لنفس التهمة، ومحمد عباسي المتهم بقضية قتل ضابط شرطة في احتجاجات يناير 2026.

ثالثًا: الاستجابات الدولية ومواقف المنظمات الحقوقية

تكشف الاستجابات الدولية ومواقف المنظمات الحقوقية تجاه الأوضاع الإيرانية، عن تحوّلٍ مهم في طبيعة النظر إلى الانتهاكات الإنسانية، إذ لم تعد المسألة مقتصرة على رصد ممارسات القمع والعنف الداخلي، بل اتسعت لتشمل وضعًا أكثر تعقيدًا تتداخل فيه انتهاكات النظام الإيراني مع آثار الهجمات الخارجية على المدنيين والسجناء. ففي البداية، ركزت هذه المنظمات على ممارسات القمع والعنف والاعتقالات التعسفية والإعدامات وانتهاك الحريات والحقوق الشخصية، ومع تصاعد الهجمات الإسرائيلية-الأمريكية، اتجه الخطاب الحقوقي الدولي نحو مقاربةٍ أعمق وأكثر شمولًا، لا سيما بعد قصف مناطق مدنية شملت المستشفيات والمدارس والجامعات والسجون. وقد اعتُبرت الهجمات التي استهدفت سجن إيفين في 23 يونيو 2025، وأسفرت عن تدمير المرافق الحيوية ومقتل ما لا يقل عن 80 شخصًا بين سجناء وموظفين، انتهاكًا لقوانين الحرب، وقد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية، لكونها هجمات عشوائية نُفذت بصورةٍ غير قانونية ودون وجود هدفٍ عسكري واضح. وتتضاعف خطورة هذه الهجمات عندما يكون الضحايا من السجناء، فالسجين من الفئات المقيّدة حركيًا داخل أسوار السجن، والفاقدة للقدرة على حماية نفسها، مما يجعل مسؤولية حمايته وتوفير احتياجاته الأساسية، من رعايةٍ طبيةٍ ومعيشية وأمنية، واقعة على عاتق الدولة. ومن ثمّ، فإنَّ الإخلال بهذه المسؤولية لا يمثل مجرد تقصيرٍ إداري، بل يشكل انتهاكًا مباشرًا لالتزامات الدولة القانونية والإنسانية. وفي هذا السياق، تشكل قواعد «نيلسون مانديلا»، التي لا تسمح بانتهاك حقوق السجناء، إطارًا نموذجيًا للتعامل معهم؛ بما يحفظ كرامتهم ويضمن العدالة في محاكماتهم وتلبية احتياجاتهم الأساسية.

ومن هنا تبدو مأساة السجين الإيراني مركَّـبةً، فهو واقع بين نار القصف والدمار من الخارج، وعنف النظام وانتهاك حقوقه من الداخل، وتُعدُّ هذه الازدواجية أساسًا مهمًا في فهم تصاعد المواقف الدولية، لأنها تنقل القضية من مستوى الانتهاك الداخلي المعزول إلى مستوى المسؤولية القانونية والإنسانية المتداخلة. وقد دفع ذلك المنظمات الدولية والحقوقية إلى اتخاذ مواقف أكثر حزمًا، على الرغم من محدودية أثر هذه التدخلات بسبب طبيعة السياسات الإيرانية ورفضها للتدخلات الخارجية، فقد أكدت بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق ضرورة التحقيق مع المسؤولين الإيرانيين ومقاضاتهم عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارتكبوها بحق شعبهم بموجب القانون الدولي. ولا تقتصر دلالة هذه المواقف على الإدانة الأخلاقية، بل تمتد إلى المطالبة بآليات مساءلة ورقابة دولية، فقد حذَّرت منظمة حقوق الإنسان الإيرانية من حالات الاختفاء القسري للعشرات من المعتقلين، وحرمانهم من الدفاع الفعّال، وتعرضهم لخطر الموت في المحاكم الميدانية، محمّلةً النظام القضائي والمؤسسات الأمنية المسؤولية الكاملة عن حملة تصفية المعتقلين. كما طالبت «هيئة الرقابة على السجون الإيرانية» بممارسة ضغوطٍ دبلوماسيةٍ مكثفة لإرسال فريق تحقيق دولي، والإفراج عن السجناء السياسيين، ووقف الإعدامات، ورفع القيود عن الإنترنت، وجعل هذه المطالب أولوية قصوى في المفاوضات الدولية مع إيران. ودعا «الاتحاد الطبي العالمي»، السلطات الإيرانية إلى ضمان حصول جميع السجناء على الرعاية الطبية اللازمة، مؤكدًا أهمية التزام الحكومات بالمعاهدات الدولية لحقوق الإنسان التي صادقت عليها، وضمان أعلى المعايير الممكنة للصحة الجسدية والنفسية لجميع فئات المجتمع بمن فيهم السجناء. ولقد شدَّد المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان في إيران، إلى جانب المفوض السامي لحقوق الإنسان، على هذه الالتزامات، كما دانت مجموعة السبع في بيان عمليات الترهيب والقمع والعنف والاعتقالات التعسفية التي يتعرض لها الشعب الإيراني، وعبَّرت عن استعدادها لفرض إجراءاتٍ تقييديةٍ إضافيةٍ في حال واصلت السلطات الإيرانية قمع الاحتجاجات والمعارضة. وقد امتدت هذه الاستجابات لتشمل مواقف سياسية وحقوقية مساندة لشخصياتٍ معتقلة، إذ طالبت لجنة نوبل للسلام إيران بتسليم نرجس محمدي لفريقها الطبي لتلقي العلاج اللازم، وطالب رئيس الأساقفة بيتر كولغريف في وقتٍ سابق بتولي رعاية السجينة نسرين ستوده، التي حُظيت باهتمامٍ بالغٍ من ماري لولور المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالمدافعين عن حقوق الإنسان.

خاتـمة

 على الرغم من معاناة المجتمع الإيراني من حدة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن الحرب، إلَّا أنَّ جهود النظام الإيراني في عمليات احتواء التداعيات والتهدئة للشعب لم تكن مجديةً، مما اضطر النظام إلى اللجوء للقوة والترهيب وتوجيه تهم الخيانة والعمالة للخارج ، الأمر الذي رفع من مستوى المخاطر أمام الشعب من خلال حملة القمع وعمليات الاعتقال والإعدام، لفرض السيطرة، مما قد يُدخل إيران مرحلةً حرجةً وأكثر خطورة تولد المزيد من التوترات والاضطرابات والانقسامات الداخلية، وتؤدي إلى انفجارٍ شعبي حاد وثورة قد تفوق قدراته على السيطرة عليها، خصوصًا في ظل عودة التصعيد الأمريكي على إيران وضبابية المشهد الداخلي لا سيما الوضعين الاقتصادي والأمني اللذين قد يحركا الشارع الإيراني ويدفعانه للضغط على النظام للبحث عن مخرجٍ للضغوط المعيشية والأمنية التي يتعـرَّض لها الشعب.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير