اجتماع «تحالف مكة» في إيران وحدود التأثير في خفض التصعيدات الإقليمية

https://rasanah-iiis.org/?p=39601

في مؤشرٍ على إدراك «تحالف مكة» الثلاثي –السعودية وباكستان وتركيا- لمخاطر وتكاليف سيناريو الاستمرارية في الاتجاه التصعيدي الإقليمي الراهن على مستقبل الشرق الأوسط برمته، لا سيما في التوقيت الدقيق والحساس للغاية الذي تمرُّ به المنطقة، أجرى وفدٌ رفيع المستوى من مسؤولين كبار من «تحالف مكة»: وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان-رئيس الوفد-وقائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير ورئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن، زيارة تاريخية واستثنائية بكل المقاييس للعاصمة الإيرانية طهران في الـ26 من أكتوبر 2026، واجتمعوا خلالها  مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، والأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي، ووزير الخارجية عباس عراقجي، وذلك للتباحث بحسب بيان الخارجية السعودية حول ضرورة خفض التصعيد بين أطراف الأزمة الراهنة، وتشجيع الحوار وعودة الحلول الدبلوماسية، بما يؤدي إلى الدخول في مرحلةٍ جديدةٍ من الدبلوماسية والتعاون الإقليمي.

تطرح أهمية الاجتماع في طهران في هذا التوقيت الدقيق من عمر الشرق الأوسط حزمة تساؤلاتٍ، أبرزها: ما الذي دفع ممثلي التحالف للاجتماع فجأة في إيران في هذا التوقيت؟ وما أهمية وأهداف الاجتماع في إيران؟ وما الذي تضمنه وناقشه الاجتماع؟ وهل ستصل رسائل الاجتماع لإيران في هذا التوقيت، وتقدِّم تنازلاتٍ تقي المنطقة شرور الحرب المدمرة؟ وما فرص نجاح الاجتماع في منع الانزلاق للحرب المدمرة؟ هل ستسلِّم طهران اليورانيوم المخصب والصواريخ الباليستية بعيدة المدى؟ وأين يقع قرار التصعيد والحرب؟ وهل تمتلك إيران خيار إيقاف الحرب والاستفادة من درس الحرب الروسية- الأوكرانية؟ أم أنَّ القرار اتخذ في أروقة صنع القرار الأمريكي والإسرائيلي؟ وإلى أين تتجه الأمور في الشرق الأوسط بعد الاجتماع التاريخي في طهران؟

أولًا: أهمية وأهداف الاجتماع في ظل التصعيد الإقليمي

 يكتسب الاجتماع أهميته من انعقاده في ظل بيئةٍ أمنيةٍ شديدة التعقيد والتصعيد بين عددٍ من الأطراف الإقليمية، على نحوٍ جعل المنطقة تقف على أعتاب مرحلةٍ خطيرةٍ تكاد تصل فيها الأمور نحو اللاعودة والانزلاق إلى حربٍ شاملةٍ ومدمرة للمنطقة وشعوبها، ويشكل اجتماع أعضاء التحالف في طهران رغبةً منهم في التأكيد على عدة رسائل وأهداف رئيسية ضمن ضرورات التدارك الإستراتيجي لما تمرُّ به المنطقة قبل فوات الأوان:

  1. فرصة تاريخية لإبعاد شبح الحرب المدمرة: يأتي في مقدمة أهداف أعضاء التحالف من الاجتماع في طهران، توفير فرصة تاريخية-وربما يصعب تكرارها-لعودة الدبلوماسية، ومنع شبح الحرب التي ستطال الجميع دون استثناء في المنطقة، وتفويت الفرصة وقطع الطريق على مخططات تجار الحرب من الأطراف الإقليمية والدولية المستفيدة والساعية لتوريط القوى الإقليمية في حربٍ شاملةٍ تدميرية لمواردها، لا سيما أنَّ أي جولةٍ جديدةٍ من الحرب، ستكون مصيرية ومختلفة عن كافة الجولات السابقة، لكونها ستنطلق هذه المرة في ظل بيئةٍ إقليميةٍ محتدمة صراعيًا بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة خاصةً عقب إعلان رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو بأنَّه أصدر تعليماتٍ للجيش والاستخبارات للعمل على إسقاط النظام الإيراني، وحديث الرئيس دونالد ترامب عن القضاء نهائيًا على إيران، وأيضًا التحول الذي شهدته المنطقة بعد إبرام المملكة تحالفاتٍ بحريةٍ ودفاعيةٍ مع القوى الإقليمية، لا سيما «تحالف مكة» الذي يعتبر أنَّ أي اعتداءٍ على أحد أعضائه، بمثابة اعتداءٍ على دول التحالف جميعًا، بما يستوجب الرد العسكري الجماعي، وفي ظل تنامي التنسيقات الدفاعية السعودية-المصرية.
  2. تفعيل التحالف والتأكيد على هدف الاستقرار: يرسل اجتماع ممثلي التحالف في طهران رسالةً للأطراف الإقليمية والدولية بانتقال التحالف من الإطار السياسي إلى الإطار العملياتي الواقعي، بالبحث في آلياتٍ عمليةٍ للتعامل مع التهديدات الأمنية، وتسريع تنفيذ الالتزامات الدفاعية، وينسف الاجتماع في طهران كافة الادعاءات والمزاعم بأنَّه تحالفٌ شكلي صوري، ويؤكد أنَّه تحالفٌ واقعي لتحقيق الردع والأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، ويبعث برسالةٍ واضحةٍ أنَّ الدول الثلاث وفي مقدمتها السعودية لا يدعمون التصعيد، وأنَّ التحالف  سيلعب دورًا مركزيًا في مستقبل الشرق الأوسط. فهذه الخطوة ترسم صورةً واقعيةً وحقيقيةً أمام الشعب الإيراني وشعوب دول التحالف وبقية شعوب المنطقة بأنَّه تحالفٌ داعمٌ للأمن والاستقرار، ويسعى إلى منع انزلاق الأمور إلى حربٍ مدمرةٍ تدفع تكلفتها الشعوب في المقام الأول لا سيما الشعب الإيراني، وأنَّ دول التحالف تسعى للحفاظ على استقرار إيران كما تسعى للحفاظ على أمنها واستقرارها، وبهذه الخطوة أيضًا تلقي دول التحالف بالكرة في الملعب الإيراني.
  3. طرح حلولٍ للوساطة وعودة الخيار الدبلوماسي: تسعى دول التحالف إلى البحث عن فرصٍ للوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، ووضع إيران أمام مسؤولياتها في مخاطر التصعيد غير المحسوب، وجمودها في عدم تقديم تنازلاتٍ على مستقبل إيران ذاتها، باعتبار أنَّ تهدئة الخلافات الأمريكية- الإيرانية مقدمةً لتسوية بقية القضايا العالقة مثل مضيق هرمز، واليورانيوم المخصب، والصواريخ الباليستية بعيدة المدى، مع احتمال إبلاغ ممثلي التحالف للمسؤولين الإيرانيين بضرورة ضبط السلوك التصعيدي وتحمل تكلفة المخاطر التي قد تنجم عن تهديدها لأمن دول الجوار الخليجي، وفي مقدمتها السعودية في ظل التأكيدات الإيرانية على امتلاك بنك أهدافٍ في الدول الخليجية حال استهدافها مجددًا من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، وأن توسيع نطاق الحرب واستخدام الحرس الثوري سياسة هدم المعبد بضرب السعودية يدفع بقية أعضاء التحالف للتدخل بحسب بنود «تحالف مكة». وعمليًا، لا يمكن فصل اجتماع التحالف في طهران عن المساعي القطرية والمحاولة الروسية للوساطة والتهدئة، حيث أجرى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف زيارةً إلى طهران في 19 أكتوبر 2026، ويتوقع أن يجري الرئيس الإيراني نقاشاتٍ في روسيا قد تركِّز بشكلٍ رئيس على الشأن ذاته. 
  4. بحث إمكانية بناء منظومةٍ أمنيةٍ إقليمية: محاولة بحث بناء منظومة أمنٍ إقليمي تسهم في خفض التصعيد وتقي المنطقة شر الانتقال إلى حربٍ إقليميةٍ شاملة، وقد صرَّح رضائي بعد الاجتماع في طهران بأنَّه: «تم التوصل لتفاهمٍ مع السعودية وباكستان وتركيا بأنَّ أمن المنطقة يتحقق عبر دولها». ولكن على ما يبدو صعوبة تقارب الرؤى الإقليمية في هذه المسألة لأنَّ الرؤية أو المقاربة الإيرانية في ترتيبات الأمن الإقليمي تنطلق من طبيعة النظام الإيراني التي تربط بين الفاعلين من الدول والفاعلين من دون الدول في بناء الأمن الإقليمي، بمعنى أنَّ الرؤية الإيرانية تقوم على دمج الميليشيات المسلحة في اليمن والعراق ولبنان ضمن ترتيبات نظامٍ أمني إقليمي جديد، وهو ما تعارضه الدول الوطنية في الشرق الأوسط، وترفضه دول الخليج بشكلٍ مطلق، وترى أنَّ بناء ترتيبات الأمن الإقليمي تقتصر فقط على الفاعلين من الدول، لخدمة المصالح الوطنية للدول بالتساوي.

 سيكون توقيت الاجتماع، بكل المقاييس، فارقًا بين مرحلتين فاصلتين من عمر الشرق الأوسط، ويثبت أمام إيران أنَّ السعودية تقف إلى جانب خفض التصعيد والحيلولة دون عودة الحرب المدمرة، وأنَّ المملكة تعرف متى وكيف تتعامل مع إيران، وليس كما ترسم وتخطط بعض الأطراف الإقليمية لمستقبل العلاقة بين المملكة وإيران، حيث تدرك المملكة ما تخطط له بعض القوى الإقليمية من مخططاتٍ تهدف إلى إشعال الحرب بين دول المنطقة، لتقف حينها تتفرج وبعدها تذهب لترسم مستقبل المنطقة بمفردها كما تتوعد بمساعيها على تغيير الخارطة الجيوسياسية لمنطقة الشرق الأوسط. لكن يظل الاختبار الحقيقي أمام نجاح الاجتماع في طهران يتمثل في قدرة إيران على ضبط سلوكها حال اندلاع الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وطبيعة الضربات التي ستتلقاها إيران، فالتصعيد على ما يبدو يتوقف بشكلٍ كبيرٍ على السلوك الأمريكي والإسرائيلي تجاه إيران خلال المرحلة المقبلة.

ثانيًا: أبرز عوامل وفرص نجاح الاجتماع

يقف نجاح الاجتماع على مجموعةٍ من العوامل والتي تقيس قدرة أطرافه المجتمعة في تحويل المصالح المتقاطعة إلى تفاهماتٍ عملية تحد من مخاطر التصعيد الإقليمي، وتضع قيودًا على توسع المواجهة وانتقالها إلى ساحاتٍ إقليمية إضافية. وفي هذا السياق، يمكن تحديد أبرز العوامل وفرص النجاح التالية:

1. تزايد حاجة إيران إلى احتواء التصعيد ومنع تشكّل جبهةٍ إقليميةٍ أكثر تماسكًا

يمثل سعي إيران إلى احتواء تداعيات المواجهة الإقليمية أحد أبرز العوامل التي قد تدفعها إلى التعامل بجديةٍ مع الاجتماع، في ظل تزامن الضغوط عليها من عدة جبهات، ومنها الضغوط العسكرية وتزايد المخاطر على علاقاتها بدول الجوار. فاستمرار التهديدات بتجدد المواجهة الأمريكية– الإيرانية، إلى جانب اتساع نطاق العمليات في اليمن وتصاعد المخاطر على وكلائها في أكثر من ساحة، يضعها أمام كلفةٍ أكبر مما سبق، مما قد يدفعها نحو إبقاء قنواتٍ مفتوحةٍ للتواصل مع كلٍّ من المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان.

ويتصل بذلك أيضًا البعد الاقتصادي والاجتماعي؛ إذ إنَّ استمرار التصعيد الراهن وما يرتبط به من حصارٍ وتضييقٍ على قنوات تجارة إيران الخارجية، يزيد من الأعباء الاقتصادية على إيران، ويفرض عليها ضغوطًا متزايدة على المستوى المعيشي. ومن هنا تبرز حاجة طهران إلى امتصاص التراجع الاقتصادي وتجنب جولةٍ جديدةٍ من التصعيد، وهو ما يعزِّز مصلحتها في التعامل الجدي مع أي مسار تواصلٍ إقليمي يمكن أن يخفف الضغوط عنها ويوفر متنفسًا اقتصاديًا لها.

2. إدراك إيران أنَّ «حلف مكة» قد يشكل أداة ضغطٍ إقليمية تتجاوز التنسيق الدفاعي التقليدي

تتمثل إحدى فرص نجاح مخرجات الاجتماع في إدراك طهران أنَّ تنامي التنسيق بين المملكة وتركيا وباكستان يوسع خيارات هذه الدول في التعامل مع التهديدات الأمنية، ويحدّ من قدرة إيران على التعامل مع كل دولةٍ بصورةٍ منفصلة. فاجتماع هذه الدول يجمع بين الثقل السياسي والاقتصادي بجانب القدرات العسكرية والاستخباراتية لدول الحلف عامة. وتزداد أهمية هذا العامل مع تفعيل التعاون الدفاعي بين أعضاء الحلف، واتخاذ دوله الثلاث خطواتٍ لتعزيز تنسيقها الدفاعي، بما في ذلك الاتفاق على تسريع نشر القوات والقدرات العسكرية اللازمة في المملكة.

ومن ثم، قد تجد إيران أنَّ الانخراط في الحوار مع الدول الثلاث أقل كلفةً من ترك الحلف يتطور في بيئةٍ يسودها انعدام الثقة والتصعيد تجاهها. وتتمثل الفرصة هنا في أن يدرك الطرف الإيراني أنَّ التهدئة ومعالجة مصادر التهديد التي دفعت إلى تأسيسه، يمكن أن يسهما في الحد من دوافع التصعيد، في حين أنَّ استمرار الهجمات على المملكة أو تهديد الملاحة قد يعزِّز التماسك الدفاعي بين أعضاء الحلف، ويوسع نطاق الدعم الإقليمي والدولي لهم.

3. ثقل التحرك السعودي

يُعدُّ دور المملكة العربية السعودية أحد أهم المدخلات المحتملة لنجاح اللقاء الذي شهدته طهران، إذ تتجاوز مشاركتها فيه مجرد الحضور إلى القيادة الفاعلة والدعم الدبلوماسي لمسار التهدئة، برئاسةٍ من وزير الدفاع سمو الأمير خالد بن سلمان، ليمنح الاجتماع ثقلًا سياسيًا وأمنيًا كبيرًا، وبما يعكس جدية المملكة في التعامل مع هذا المسار.

ويمنح التنسيق مع تركيا وباكستان المملكة قدرةً أكبر على إيصال رسائلها الأمنية إلى طهران، وإيضاح أنَّ استمرار الاعتداءات لا يهدِّد العلاقات الثنائية فحسب، بل يمس أيضًا ترتيباتٍ دفاعيةٍ مشتركةٍ آخذةٍ في التطور، لاسيما إن لم تعالج مصادر التهديد القائمة.

 وبهذا يمكن النظر إلى الدور السعودي كجسرٍ بين الردع والتهدئة، تقود من خلاله الرياض تحركًا إقليميًا جماعيًا يهدف إلى اختبار إمكانية تحويل قنوات الاتصال مع طهران إلى تفاهماتٍ قابلةٍ للتنفيذ، مع الحفاظ في الوقت نفسه على خيارات الردع المشترك، وهو ما يجعله عامل فرصةٍ مهم في إنجاح الاجتماع وتعزيز فرص تحويله إلى مسارٍ عملي لخفض التصعيد الإقليمي.

4.مكانة الدور الباكستاني والتركي بين المملكة وإيران

تمثِّل باكستان أحد أهم عوامل نجاح الاجتماع، بالنظر إلى امتلاكها علاقاتٍ مع المملكة وإيران والولايات المتحدة، فضلًا عن حدودها الجغرافية المشتركة مع إيران، ودورها الضالع في الوساطة السابقة، مما يمنحها قدرةً على نقل الرسائل بين الأطراف، وتحديد مساحات التفاهم الممكنة، والمساعدة في تجنب سوء التقدير الذي قد يقود إلى تصعيدٍ غير مقصود.

وتعزَّزت أهمية هذا الدور مع زيارة قائد الجيش الباكستاني عاصم منير إلى طهران بفترةٍ وجيزة سبقت هذا الاجتماع، حيث أجرى مباحثاتٍ مع الرئيس الإيراني ومسؤولين آخرين، والتي قد تكون بلورت ترتيبات هذا اللقاء المشترك بين إيران ودول الحلف.

ولا تقتصر أهمية باكستان على قدرتها على تقريب وجهات النظر، بل تشمل أيضًا إمكانية إيضاح الكلفة التي قد تترتب على استمرار التصعيد، سواء بالنسبة إلى أمن المملكة أو الاستقرار الإقليمي. فالجمع بين الوساطة والارتباط الدفاعي بالمملكة يمنح إسلام آباد مجالًا للتحرك من موقع يتجاوز الوساطة المحايدة تمامًا، مع الاحتفاظ بقدرتها على التواصل مع طهران.

كذلك يشكل الدور التركي عاملًا إضافيًا لتعزيز فرص نجاح الاجتماع، بالنظر إلى سعي أنقرة إلى ترسيخ مكانتها قوةً إقليميةً مؤثرةً، مع الحفاظ على قدرتها على التواصل مع مختلف أطراف الأزمة. وتبرز أهمية تركيا خصوصًا في قدرتها على الجمع بين الانخراط في اتفاقٍ دفاعي مع المملكة وباكستان، والحفاظ على قنوات اتصالٍ مع إيران، بما يتيح لها الإسهام في صياغة تفاهماتٍ لا تتطلب من الأطراف التخلي عن مصالحها الأساسية، وإنما تستهدف الحد من مخاطر الصدام. كما أنَّ حضور رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن في الاجتماع يعكس أهمية القنوات الأمنية في هذه المرحلة، لا سيما في القضايا التي تتطلب تفاهماتٍ غير معلنةٍ بشأن منع التصعيد وتبادل الرسائل.

ثالثًا: تحديات نجاح مخرجات اجتماع أعضاء «حلف مكة» مع إيران

يواجه اجتماع طهران بيئةً ملغمةً بالعوائق والتحديات التي قد تعرقل أهدافه الرئيسية، من بين هذه العوائق والتحديات ما يأتي:

1. انعدام الثقة في ظل استمرار هجمات الوكلاء

يمثل إصرار جماعة الحوثي الإرهابية على شنِّ هجماتٍ على البنية التحتية السعودية، خرقًا لجدار الثقة الذي يسعى اجتماع طهران إلى بنائه، إذ لا يمكن أن تواصل المملكة جهودها من أجل احتواء التصعيد بينما تتعرض أراضيها لهجماتٍ من جماعةٍ محسوبة على إيران، ومن ثم فإنَّ عدم التهدئة على جبهة اليمن يمكن أن يكون العقبة الأهم أمام نجاح اجتماع طهران، إذ إنَّ هذه الهجمات تقوِّض الثقة، وتبدِّد فرص التهدئة.

2. الملفات المعقدة

 هناك إشكالية، هي أنَّ أمام نجاح اجتماع «تحالف مكة» تحديًا مركبًا يتمثل في إمكانية حلحلة الملفات معًا، وليس تسوية كل ملفٍ على حدة، فعلى سبيل المثال الحوثي له أجنداتٌ خاصةٌ، وقد لا يستجيب لضغوط إيران، وهو ما قد يعطل مخرجات الاجتماع في بدايتها، إضافةً إلى أنَّ نهج الميليشيا العدائي تجاه المملكة مدفوعٌ أيضًا بضغط إيران التي ترغب في أن تستخدم الجماعة كورقةٍ في صراعها الراهن مع الولايات المتحدة، ومن ثم فإنَّ وقف هجمات الحوثيين، كبادرةٍ يمكن البناء عليها لنجاح مخرجات الاجتماع، لا ينفكُّ عن رفع الحصار الأمريكي على إيران، وهذا بدوره يحتاج إلى تفاهماتٍ أمريكية- إيرانية بالعودة للمفاوضات وقبول الحلول الوسط من الجانبين، والشاهد أنَّ كل الجهود الدبلوماسية من أجل احتواء التصعيد ودفع الدبلوماسية قدمًا تتعثر أمام التعنت الأمريكي والإيراني، واعتقاد الأطراف بأنها لا تزال تمتلك قدرةً على الردع والتأثير، بحيث تخرج من المعركة بمكاسب كاملة في مواجهة الطرف الآخر. 

3. الموقف الأمريكي والإيراني والتجاوب مع مساعي القوى الإقليمية

 لا تزال إيران عالقةً عند مذكرة التفاهم التي انهارت، وتتطلع إلى أن تفضي أي جهودٍ دبلوماسيةٍ إلى إعادة إحيائها، في حين أنَّ الولايات المتحدة لم تعد ترى أنَّ المذكرة تخدم مصالحها، ومن ثم يبقى نجاح اجتماع طهران مرهونًا بقدرة أطرافه الإقليمية على إقناع الولايات المتحدة وإيران على التراجع عن مواقفهما الحدّية والمتشدِّدة، والقبول بحلولٍ وسط يمكن من خلالها نزع فتيل الأزمة وعدم تجدد الحرب، لكن الواضح أنَّ ترامب يراهن على الحصار الاقتصادي والقوة العسكرية في إرغام النظام الإيراني على القبول بشروطه كاملة. ومن جانبها، تراهن إيران على وسائلها غير المتماثلة في إجبار واشنطن على التراجع عن حصارها ونهج القوة الذي تتبناه، وهكذا يبقى الاجتماع معطلًا حتى تغيير وجهات النظر في طهران وواشنطن.

4. قطع إسرائيل الطريق على التفاهمات والاستعداد للتصعيد الاستباقي

ترى إسرائيل هذا الاجتماع بمثابة خطرٍ إستراتيجي، إذ إنَّ أي تهدئةٍ بين إيران ودول الخليج إضافةً إلى باكستان وتركيا يمنح النظام الإيراني شرعيةً إقليميةً بما يقوض نتائج المواجهة مع ميليشياتها على مدار السنوات الماضية، كما يعيد رسم المشهد الإقليمي، بما يقوض تطلعاتها ومكتسباتها، بما في ذلك إعادة تشكيل المنطقة. ففضلًا عن أنَّ هذا الاجتماع يضع ضغطًا على الولايات المتحدة بما قد يدفعها إلى العودة إلى الدبلوماسية مع إيران والتراجع عن إستراتيجية الضغط الراهنة، وهو ما قد يعطي النظام شرعيةً وفرصةً في البقاء، مع ما يمثله ذلك من تحدٍ لإسرائيل، فإنَّ هذا الاجتماع يقرِّب دول «حلف مكة» من إيران، ويعيد تشكيل توازن القوة الإقليمي في غير صالح إسرائيل. كما يقضي على بصيص الأمل في الضغط على المملكة لقبول الانضمام لمسار «اتفاقيات إبراهام»، وربما يقوِّض ذلك كله مكتسبات إسرائيل ما بعد السابع من أكتوبر 2023 ويعزلها إقليميًا ودوليًا، وقد يدفع هذا إسرائيل إلى شنِّ هجومٍ على إيران، أو الضغط على واشنطن من أجل عدم قبول أي وساطاتٍ للعودة إلى التهدئة.

5. التحالفات المتناقضة لإيران وأعضاء «حلف مكة»

 تقف الأطراف على مسافاتٍ متباعدةٍ فيما يتعلق بتحالفاتها وتموضعها الإقليمي ومصالحها المتضاربة، وقد يكون من الصعب تجسير هذه الفجوة، فما بالك بدمج إيران ضمن تحالفٍ واحد مع أعضاء «حلف مكة»، فإيران تعتبر الوجود الأمريكي في المنطقة تهديدٌ أمني وإستراتيجي لمصالحها وبقاء نظامها، وتعمل على تحييد هذا العامل كأحد كوابح نفوذها الإقليمي، لكن أطراف «حلف مكة» ترتبط بعلاقاتٍ إستراتيجيةٍ ودفاعيةٍ حيوية بالولايات المتحدة، ولا تزال مظلة الحماية الأمريكية ضرورية وفعالة في الإقليم ولهذه الدول، بما في ذلك ارتباطاتها الأمنية بواشنطن، مثل عضوية تركيا في الناتو أو الشراكة الأمنية السعودية-الأمريكية.

6. تضارب التوجهات الأيديولوجية والمصالح الإقليمية

تغذي سياسة إيران الإقليمية نزعةٌ أيديولوجيةٌ تحفزها على الهيمنة، وتستخدم أدواتٍ ذات طابعٍ ديني ومذهبي، وقد تقاطعت مصالح إيران مع هذه الدول في سوريا ولبنان واليمن والعراق، وغيرها، ومن ثم فإنَّ نهج إيران يخلق معضلةً أمنيةً في إقليمٍ تتشارك فيه مع السعودية وتركيا وباكستان باعتبارهم قوى إقليمية وإسلامية تتقاطع نفوذها مع نفوذ إيران الإقليمي. وفي ظل النزعة التوسعية الإيرانية، واستخدام الجماعات المسلحة كأدواتٍ للسيطرة وتكريس النفوذ الإقليمي، فإنَّ الوضع قد يتطور نحو مواجهةٍ بين إيران وأحد أطراف «حلف مكة»، وفي ظل التزامات أعضاء الحلف الدفاعية تجاه بعضها البعض، فإنَّ إيران بدلًا من التعاون والاندماج في هيكلٍ أمني إقليمي، فإنها ستكون في مواجهةٍ مع المملكة. لا ريب أنَّ بناء أي هيكلٍ إقليمي يضم إيران يحتاج إلى تخليها عن نزعتها التوسعية تحت شعاراتٍ أيديولوجية وعدم التدخل في شؤون دول المنطقة، وهو ما يزال أمرًا بعيد المنال في ظل توجهات النظام الإيراني الحالي، ما يعنى أنَّ هناك تحديًا أمام اجتماع طهران، يجب تجاوزه أولًا قبل الشروع في الحديث عن تعاونٍ أو اندماجٍ إقليمي يضم إيران.

السيناريوهات المحتملة

تتوقف سيناريوهات نجاح «تحالف مكة» الثلاثي في خفض التصعيد الإقليمي على مسار المواجهة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وإيران، كون التحالف الدفاعي ليس طرفًا في الصراع الجاري، وانطلاقًا من هذا يمكن رسم سيناريوهين لتطورات الأزمة قد تقود تصورات الأطراف المشتبكة إلى حدوث أحدهما:

السيناريو الأول: توجه الأطراف المتصارعة نحو الاستمرار في التهدئة والتفاوض، بحيث يقدِّم الجميع تنازلاتٍ وصولًا إلى اتفاقٍ ينهي الحرب، ويكون هنا دور «حلف مكة» عاملًا مؤثرًا عبر الوساطة من جهةٍ، ومن جهةٍ أخرى الحد من تشدد القوى المتصارعة من خلال إدراك طهران خطورة دفع القوى الإقليمية المجاورة إلى تفعيل اتفاقها الدفاعي، وأيضًا دفع الولايات المتحدة وإسرائيل إلى التخلي عن فكرة توريط هذه الدول في الحرب إلى جانبها ضد إيران.

أما السيناريو الثاني فيتمثل في عودة القوى المتصارعة إلى الحرب مجددًا، وتحت هذا السيناريو هناك سيناريوهين فرعيين يرتبطان بمستوى التصعيد، إذ قد يكون تصعيدًا جزئيًا محدودًا هدفه دفع إيران إلى تقديم تنازلاتٍ أكثر والرضوخ للمطالب الأمريكية والإسرائيلية. وفي هذه الحالة على الأرجح سيكون الرد الإيراني بالمستوى نفسه، ويستبعد أن تشنَّ هجماتٍ على المملكة العربية السعودية بشكلٍ مباشر؛ إذ من مصلحتها الحفاظ على علاقاتها الحالية مع الجوار الإقليمي نظرًا لحاجتها الكبيرة لتركيا وباكستان اللتين تربطهما بها حدود برية تساعدها على التقليل من تداعيات الحصار البحري المفروض عليها من طرف الولايات المتحدة الأمريكية، فضلًا عن الحاجة لهذه القوى في الوساطة. أما في حالة التصعيد الشامل الهادف إلى إسقاط النظام فقد يوظف النظام الإيراني كل الأوراق المتاحة له لمنع إسقاطه عبر رفع تكلفة الحرب عالميًا، وهنا ستكون للمملكة العربية السعودية بشكلٍ خاص ودول الخليج بشكلٍ عام أهدافٌ كثيرة تخدم هذا التصور، مما يدفع دول «تحالف مكة» إلى الاضطرار لتفعيل بنود «الاتفاق الدفاعي» إضافةً إلى مصر، مما يؤدي إلى حربٍ إقليمية. وهذا يصبُّ في المصلحة الأمريكية والإسرائيلية اللتين تهدفان إلى توريط دول المنطقة في الحرب إلى جانبهما. هذا السيناريو ليس من مصلحة إيران وعلى الأرجح سيكون مرتبطًا بحجم الهجوم الأمريكي- الإسرائيلي والمساحة التي يتركها للتوصل إلى اتفاق، إذ إنَّ تفعيل التحالف سيؤدي إلى نهاية الوساطة الباكستانية وتوسع دوائر الحرب وغلق الحدود مع هذه الدول مما يجعل النظام الإيراني في معادلةٍ صفريةٍ خالصة كما سبق الإشارة. بناءً عليه، يمكن في حساباتٍ أخرى أن تركِّز إيران على كل الأهداف التي ترفع فيها التكلفة على الولايات المتحدة والمحافظة على علاقاتها الاقليمية، ووفق بنك الأهداف المعلن هناك الكثير من الأهداف التي تحقق هذا الغرض، وفي مقدمتها كابلات الاتصالات العالمية، والأهداف الأمريكية في الخليج خارج إطار التحالف، وإمكانية إسناد ضرب المملكة للحوثيين كما هو جارٍ حاليًا. وفي كل الأحوال فإنَّ القدرات الردعية لـ«تحالف مكة» الثلاثي ستكون محل اختبارٍ خلال الأسابيع القادمة إذا ما مضى الرئيس ترامب في خططه الهجومية.

ختامًا، يمكن القول إنَّ اجتماع وفد «تحالف مكة» الثلاثي بكبار المسؤولين الإيرانيين بالعاصمة طهران، قد أحدث اختراقًا دبلوماسيًا نوعيًا يصبُّ في اتجاه نزع فتيل الأزمة ومنع الحرب الإقليمية الشاملة. يعكس هذا التحرك السعودي- التركي- الباكستاني، الانتقال العملياتي لدول «تحالف مكة» من مرحلة البناء والتنسيق إلى فرض معادلة ردعٍ واستقرارٍ جديدة تضع القوى الكبرى والإقليمية أمام مسؤولياتها. ومع ذلك، يظل نجاح نتائج اجتماع طهران معلقًا على مدى استعداد ورغبة إيران في تقديم تنازلاتٍ ملموسة، وبشكل أكثر حسمًا، إبداء كل من الولايات المتحدة وإسرائيل المرونة اللازمة في التعامل مع أي تنازلاتٍ إيرانيةٍ محتملة.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير