اجتماع «منظمة التعاون الإسلامي» الأخير في بغداد: النتائج والتحديات

https://rasanah-iiis.org/?p=39606

وسط تصاعد الصراعات الإقليمية وحالة عدم الاستقرار عُقدت مؤخرًا في بغداد الدورة الـــ52 لمجلس وزراء خارجية «منظمة التعاون الإسلامي»، بمشاركة ممثلين عن 55 دولة من الدول الأعضاء والمراقبة. وعكَس جدول أعمال هذا العام إدراكًا متناميًا لدى الأعضاء للحاجة إلى التنسيق الدبلوماسي والتعاون الاقتصادي فيما بينهم، كما أبرَز الاجتماع تبايناتٍ بين إيران ودولٍ أعضاء أخرى بشأن الأمن الإقليمي، ولا سيما الوضع الراهن في اليمن.

واحتلَّ الأمن الإقليمي موقعًا بارزًا على جدول أعمال الاجتماع، على رأسها هجمات الحوثيين على المملكة العربية السعودية؛ فقد تكثفت خلال الأشهر الأخيرة الهجمات الحوثية على المطارات السعودية ومنشآت الطاقة والبنية التحتية المدنية، مما أثار مخاوف بشأن الأمن الوطني والتداعيات الأوسع على الاستقرار الإقليمي. ومن جانبه، أدان الأمين العام للمنظمة إسماعيل ولد الشيخ أحمد هذه الهجمات لما تنطوي عليه من انتهاكٍ للسيادة السعودية وقتل للمدنيين، وأعربت المنظمة عن تضامنها الكامل مع السعودية وأيدت حقها في حماية سيادتها وسلامة أراضيها.

وبالنسبة إلى العراق، حملت استضافة الاجتماع للمرة الأولى منذ عام 1981 دلالةً سياسيةً كبيرة، إذ أتاحت لبغداد فرصةً لتعزيز مكانتها الدبلوماسية وتأكيد رغبتها في الاضطلاع بدور الوسيط لتهدئة التوترات الإقليمية. واقترح رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي تعميق التكامل الاقتصادي بين دول المنظمة من خلال الربط بين شبكات الكهرباء والنقل والاتصالات الرقمية، وإقامة مناطق صناعية، رابطًا الاستقرار الإقليمي بالترابط الاقتصادي. وتسعى الحكومة العراقية بنشاطٍ إلى توثيق علاقاتها مع شركائها الخليجيين والدول المجاورة الأخرى، بالتوازي مع محاولاتها الحد من نفوذ الميليشيات، لكن يواجه العراق تحدياتٍ ترتبط بعوامل سياسية داخلية واستمرار النفوذ الإيراني، مما يسلِّط الضوء على صعوبة ترجمة طموحات بغداد الدبلوماسية إلى نتائج ملموسة. وقدَّم الاجتماع للعراق فرصةً لتأكيد دوره الإقليمي وطمأنة جيرانه إلى التزامه بالاستقرار في المنطقة؛ إذ أعلن وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين خططًا لتيسير عقد اجتماعٍ بين إيران ودول الخليج في بغداد، وانسجم هذا المقترح مع مصلحة العراق الأوسع في منع تحول التنافس الإقليمي إلى صراعاتٍ قد تهدد أمنه. كذلك، تشير المكالمة الهاتفية التي جرت بين حسين ووزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان عقب الاجتماع إلى استمرار التواصل الدبلوماسي ومحاولات معالجة الشواغل المشتركة. ورغم جهود العراق المتواصلة لخفض التوتر بين شركائه الخليجيين وإيران، ستبقى قدرته على الوساطة مرهونةً بثقة الشركاء الإقليميين، وبخطواته الملموسة لضبط التأثيرات الخارجية من خلال كبح جماح الميليشيات.

وبقيت القضية الفلسطينية محورًا رئيسيًا للمناقشات، مما يعكس مكانتها الراسخة على جدول الأعمال السياسي للمنظمة، حيث جدَّد الإعلان الختامي تأكيد دعم حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولةٍ فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس، كما شدَّد المشاركون على أهمية تثبيت وقف إطلاق النار في غزة، وتيسير إيصال المساعدات الإنسانية، ودعم جهود إعادة الإعمار. وتحتل القضية الفلسطينية موقعًا محوريًا في الهوية المؤسسية للمنظمة وشرعيتها السياسية، إذ توفِّر أرضيةً دبلوماسيةً مشتركة رغم تباين المصالح الإستراتيجية للدول الأعضاء. ويعزِّز استمرار تقارب المواقف بشأن فلسطين دور المنظمة في إبقاء القضية موضع اهتمامٍ دبلوماسي دولي، وحشد الدعم الجماعي للمساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار والتوصل إلى تسويةٍ سياسيةٍ تفاوضية.

وناقش الاجتماع أيضًا التطورات في اليمن، إذ اتهمت وزيرة الخارجية وشؤون المغتربين اليمنية، الدكتورة أفراح عبدالعزيز الزوبة، طهران بتسليح ميليشيا الحوثي وتدريبها ودعمها، فيما تقدم نفسها في الوقت ذاته وسيطًا محتملًا. ورفضت توصيف الصراع اليمني بأنَّه نزاعٌ ثنائي، مؤكدة أنَّه «انقلاب ميليشيا مسلحة على دولةٍ عضوٍ» في منظمة التعاون الإسلامي. وفي عرضها للوضع في اليمن، قالت: «وقد دفع الشعب اليمني ثمنًا باهظًا من أرواحه وأمنه وموارده ومستقبل أبنائه. فالميليشيات، في مناطق سيطرتها، تقمع أهلنا بقوة السلاح، وتنهب أرزاقهم، وتُجَنِّدُ أطفالهم قَسْرًا، وتفرض عليهم التَّلْقِين الأيديولوجي، وتعبث بالهوية الوطنية لمؤسساتهم التعليمية. إنَّ قضيتنا تحرير بلادنا وأهلنا، واستعادة مؤسسات الدولة التي تضمن أمن اليمنيين جميعًا، ويسودها القانون، وتُصانُ فيها الحقوق والكرامة الإنسانية». وتبرز تصريحاتها التباين بين التزام إيران المعلن بالحوار الإقليمي، والمخاوف التي تعرب عنها الحكومة اليمنية إزاء دعم طهران للحوثيين.

وشارك وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في الدورة أيضًا، وسلَّط الضوء في تصريحاته على موقف بلاده من اليمن؛ إذ يظل الموقف الإيراني مؤثرًا بالنظر إلى علاقة طهران بالحوثيين وسلوكها الإقليمي. وادعى المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أنَّ طهران منعت إدراج فقرتين بشأن اليمن في البيان الختامي لاجتماع المنظمة في بغداد، بحجة أنهما قد تقوضان الوحدة الإسلامية. ورغم التبرير الذي قدمه المسؤولون الإيرانيون، يمكن تفسير التدخل الإيراني بأنَّه محاولة لمنع توجيه انتقاداتٍ جماعيةٍ إلى الحوثيين، والحد من قدرة المنظمة على بلورة موقفٍ موحد إزاء الشواغل الأمنية الإقليمية. ويبيّن ذلك كيف يمكن لخصومات إيران الإقليمية أن تُقيّد قدرة المنظمة على التصدي لتهديدات أمن الدول الأعضاء وسيادتها، بما فيها السعودية. وكانت المنظمة قد أدانت سابقًا هجماتٍ إيرانيةٍ على دول الخليج، فيما هددت طهران مؤخرًا بشنِّ هجماتٍ جديدةٍ على هذه الدول إذا هاجمت الولايات المتحدة إيران.

وتتجاوز تداعيات هجمات الحوثيين السعودية ومحيطها الإقليمي المباشر،  ووصل إلى تهديد سلاسل الإمداد العالمية؛ إذ تمرُّ عبر قناة السويس نحو 12 إلى 15% من التجارة العالمية، بينما يضيف تحويل مسار السفن حول رأس الرجاء الصالح نحو 12 يومًا إلى الرحلات بين آسيا وأوروبا، ما يبرز الحاجة إلى تحركٍ دولي منسق. وبحسب تقارير، دفعت هجمات الحوثيين على البنية التحتية المدنية ومنشآت الطاقة السعودية سعر خام برنت إلى قرابة 115 دولارًا للبرميل. ولا يمكن فهم التحديات الأمنية التي تواجه السعودية حصرًا في إطار نزاعٍ ثنائي أو إقليمي، لأنها تتصل أيضًا بحماية البنية التحتية والشبكات التجارية التي يعتمد عليها الاقتصاد الدولي الأوسع، ناهيك أنَّ هجمات الحوثيين التي تستهدف البنية التحتية المدنية وتوقع ضحايا مدنيين تقوض القانون الدولي والقواعد الراسخة لحماية المدنيين، وترسي سابقةً خطيرةً تجعل استهداف المنشآت المدنية أمرًا معتادًا في الصراعات الإقليمية.

ويبرز اجتماع بغداد دور «منظمة التعاون الإسلامي» بوصفها منتدىً للتشاور الدبلوماسي، ولا سيما في فترات عدم الاستقرار الإقليمي، لكن ثمة قيودٍ تحدُّ من قدرتها على ضمان التنفيذ الفعلي لقراراتها، خصوصًا أنها لا تتمتع عمومًا بطابعٍ ملزمٍ قانونًا. ولا يمكن التقليل من شأن التحديات المؤسسية والهيكلية التي تواجه المنظمة عند تقييم مدى تأثير أيٍّ من نتائجها، ولا سيما في ظل صعوبة التوصل إلى توافقٍ في الوقت المناسب بشأن القضايا الحساسة والخلافية، بما فيها الصراعات الإقليمية.

كما يثير غياب استجابةٍ جماعيةٍ أكثر فاعلية تساؤلاتٍ بشأن الإجراءات التي تُتخذ للتصدي للهجمات التي تطلقها جهاتٌ مسلحةٌ عنيفة من غير الدول، من دون آلياتٍ موازيةٍ للردع أو المساءلة أو تسوية النزاعات؛ فتكرار الهجمات على الدول ذات السيادة والبنية التحتية المدنية الحيوية، من دون منع تجددها، قد يعزِّز الانطباع بأنَّ هذه الممارسات يمكن أن تستمر من دون استجابةٍ دوليةٍ منسقة بالقدر الكافي، ويقوض ذلك أيضًا القانون الدولي ومصداقية الالتزامات الجماعية بمبدأي السيادة وعدم التدخل.

وفي السياق الراهن، تكشف معارضة إيران للبنود المتعلقة باليمن كيف تعرقل الخصومات الإقليمية التوافق الذي تؤيده الأغلبية؛ ورغم القيود الهيكلية التي تواجهها «منظمة التعاون الإسلامي»، فإنها تحتفظ بدورٍ مهم في صياغة القواعد الحاكمة للعلاقات الإقليمية وتيسير التواصل الدبلوماسي. وعلى الرغم من الإدانة الواسعة لهجمات الحوثيين بين الدول الأعضاء، فإنَّ تدخل إيران لمنع توجيه انتقاداتٍ صريحةٍ إلى الجماعة يبرز كيف يمكن لتضارب المصالح الجيوسياسية أن يقوِّض الجهود الجماعية الرامية إلى صون القانون الدولي، وحماية أرواح المدنيين، والتصدي لتهديدات الأمن الإقليمي داخل المحافل المتعددة الأطراف، مثل «منظمة التعاون الإسلامي».

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير