سلَّط الإعلام الإيراني الضوء على القفزات المتسارعة في معدلات الجريمة، وتدني مستويات الأمن العام في البلاد، نتيجةً للعديد من التحولات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، التي شهدها المجتمع الإيراني منذ بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية، وتراجع الثقة في النظام في ظل الضغوط الاقتصادية الناجمة عن العقوبات الدولية، وما صاحبها من تضخم حاد، بالتزامن مع الاضطرابات الاجتماعية القائمة على احتجاجات وغضب الشارع الإيراني. ونظرًا لتعدد أبعاد الجريمة وتنوعها، من فساد وسرقات واحتيال وعنف ومخدرات وقتل وانتحار وغيرها، ونظرًا لما يشكله الاستقرار الاجتماعي من تأثير على تماسك الدولة، والخيارات الصعبة للنظام الإيراني أمام التحديات والأزمات المتنامية جراء الظروف التي يمر بها النظام الإيراني، وانسداد أي أفق قد يفضي إلى حلول قريبة، سنناقش في هذا التقرير هذه التداعيات في محورين، الأول حول واقع انتشار الجريمة ومستويات الأمان في إيران، فيما يتناول الثاني سياسات النظام الإيراني للحد من انتشار الجريمة.
أولًا: واقع انتشار الجريمة ومستويات الأمان في إيران
تُشير البيانات والمؤشرات المتاحة إلى أن ارتفاع معدلات الجريمة وتنوعها في إيران، يعكس بصورة مباشرة الأزمات الهيكلية التي يعاني منها المجتمع، فقد خلّفت الحرب وتداعياتها آثارًا فادحة ذات أبعاد اقتصادية عمقت ظاهرة الفقر، وأثرت بشكل مباشر على البنية التحتية والحياة اليومية للمواطنين في القطاعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. كما انعكست هذه التداعيات على مستويات الأمن والثقة في المؤسسات الحكومية، وعلى قدرتها على توفير الحماية اللازمة للسكان، ومواجهة القضايا الاجتماعية والنفسية والأوضاع الاقتصادية المتردية، فعندما يعجز الشخص عن تلبية احتياجاته الأساسية بالوسائل القانونية والشرعية، يتولد لديه شعور بالحرمان والإحباط، مما يجعله عرضة لتبني ميول غير سوية وسلوكيات إجرامية كوسيلة للتعويض عن العجز المالي. وقد تمتد هذه الميول إلى الجرائم العنيفة كالقتل والإصابات المتعمدة أو إيذاء النفس والانتحار، ولا سيما في ظل غياب الدعم الاجتماعي والنفسي الكافي. ولم تقتصر هذه الظواهر على الطبقات الاجتماعية الدنيا، بل امتدت لتشمل جميع الطبقات ومختلف الفئات الاجتماعية والعمرية. وترتفع معدلات الجريمة، بما في ذلك السرقة والاحتيال والقتل والانتحار، نتيجة ارتفاع معدلات التضخم التي تجاوزت الـ 100 % في عدد من المحافظات الإيرانية، إلى جانب التدهور الاقتصادي والبطالة وعدم المساواة في توزيع الدخل، والضغوط النفسية والاجتماعية، وتراجع الثقة والأمن العام، خاصة في المناطق المحرومة. وقد أشارت العديد من منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، إلى قضايا القتل داخل الأسر الإيرانية الناجمة عن الخلافات المالية أو العوامل الاجتماعية والنفسية، وإلى الشعور بالعجز المادي الذي أفقد أرباب الأسر القدرة على توفير الاحتياجات الأساسية، كما انتشرت عصابات الاحتيال والتزوير التي احتالت مؤخرًا على نحو 40 مواطنًا بمبالغ مالية بلغت قيمتها نحو 200 مليار تومان(نحو 741 مليون دولار)، تحت غطاء شركات استثمارية، فضلاً عن سرقة الحسابات البنكية وعمليات الاحتيال عبر الإنترنت. وأعيد إنتاج ظاهرة السحر والدجل والعرافة نتيجة إضعاف رؤوس المال الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، في ظل ما يواجه المجتمع من أزمة الكفاءة والتضخم المزمن، وحالة عدم اليقين بشأن المستقبل، وتراجع ثقة الجمهور في المؤسسات الرسمية والأوساط الأكاديمية وهياكل صنع القرار.
تعد جريمة السطو من أبرز أنماط الجريمة التي انتشرت في إيران مؤخرًا، حيث تم تسجيل 15,060 تهمة، تأتي بعدها جريمة إهانة الأشخاص العاديين بـ13,737 تهمة، ثم الاعتداءات المتعمدة بنحو 12,373 تهمة، والقيادة دون رخصة رسمية بـ9,587 تهمة، والتهديدات بـ8,855 تهمة، والتدمير بـ7,463 تهمة، والاحتيال بـ6,09 تهمة، والتشهير بـ4,391 تهمة، والاستحواذ على ممتلكات بطرق غير مشروعة بـ3,543 تهمة.
وفيما يلي أبرز أنماط الجريمة المنتشرة في إيران مؤخرًا:
| نوع الجريمة | معدلاتها |
| جريمة السطو | 15,060 تهمة |
| جريمة إهانة الأشخاص العاديين | 13,737 تهمة |
| الاعتداءات المتعمدة | 12,373 تهمة |
| القيادة دون رخصة رسمية | 9,587 تهمة |
| التهديدات | 8,855 تهمة |
| التدمير | 7,463 تهمة |
| الاحتيال | 6,09 تهمة |
| التشهير | 4,391 تهمة |
| الاستحواذ على الممتلكات بطرق غير مشروعة | 3,543 تهمة |
المصدر: مركز الدراسات والبحوث بالمعهد الدولي للدراسات الإيرانية (رصانة)
ومما فاقم من حدة الوضع، تصاعد الضغوط الاقتصادية وانعدام الأمان السياسي والحرب وعمليات القمع التي دفعت المجتمع الإيراني نحو المزيد من الأزمات النفسية والاجتماعية، وهي ظروف يمكن بحسب المختصين، أن تفاقم مشاعر اليأس والاكتئاب وترفع من خطر اللجوء للانتحار. ورغم صعوبة الحصول على إحصائيات دقيقة وموثوقة، لكن بعض الأخصائيين الاجتماعيين في إيران يؤكدون أن هذه الظواهر آخذة في التفاقم، وباتت تطال جميع الفئات العمرية بما فيها الأطفال، لكنها أكثر شيوعًا بين النساء، كما أشارت مصادر محلية في مستشفيات وعيادات محافظة أرومية إلى تسجيل أكثر من 15 محاولة انتحار يوميًا في المتوسط، ونحو 10 حالات وفاة نتيجة الانتحار خلال أسبوعين فقط، وذلك خلال احتجاجات يناير 2026.
وبناءً على تصريح نائب الصحة الاجتماعية في دائرة الرعاية الاجتماعية بمحافظة طهران، سُجل ارتفاع ملحوظ في المكالمات المتعلقة بالأضرار الاجتماعية، بما فيها إساءة معاملة الأطفال وكبار السن والزوجة والانتحار، حيث بلغت 7,558 مكالمة ارتبطت 30% منها بأفكار ومحاولات انتحارية على الخط الساخن 123 في عام 2025م. وسجلت مدينة شيمرانات بالعاصمة طهران، أعلى عدد من المكالمات، وبلغت نسبة العزاب من المتصلين نحو 59%، في حين شكلت حالات المتعاطين للمخدرات 46%، وكانت الفئة العمرية من 18 إلى 26 عامًا تمتلك الحصة الأكبر بنسبة 24%. كما اتخذ بعض المواطنين منازلهم مراكز لتعاطي وتصنيع وتجارة المخدرات عُرفت بـ“البيوت الحمراء”، وأغلق النظام 140 منزلاً منها في وقت سابق، واعتقل أكثر من 7000 تاجر وموزع، وحدد أكثر من 780 عصابة نشطة في هذا المجال.
ثانيًا: سياسات الحكومة للحد من انتشار الجريمة
اتخذت الحكومة الإيرانية والأجهزة المعنية إجراءات تهدف إلى الحد من انتشار الجريمة، التي تُحدث خللاً في أمن البلاد وتخلق اضطرابات داخلية وانقسامات مجتمعية، كما أدرك النظام أنه لا يمكن القضاء على الجريمة من خلال العقوبات التأديبية وحدها، بل لا بد من تبني إجراءات وقائية تعزز الأمن الاجتماعي، ووضع آلية منظمة تحقق التعاون بين القطاعات الحكومية والخاصة، مع ضمان المتابعة والمساءلة والتقييم المستمر. ولهذا الغرض، شُكّل فريق عمل للتنسيق بين الجهات الحكومية الأعضاء في المجلس الأعلى للوقاية من الجريمة. وأكد أميري أصفهاني، نائب الشؤون الاجتماعية والوقاية من الجريمة في السلطة القضائية، أن الوقاية من الجريمة تقع على عاتق السلطة القضائية بموجب الدستور الإيراني، مع ضرورة تعاون جميع الأجهزة والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية، وأهمية إجراء التحقيقات الميدانية والبحوث العلمية، كما شملت الإجراءات المتخذة تكثيف الدوريات الأمنية في الشوارع لتصل إلى نحو 700دورية، والاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتطوير أنظمة كاميرات المراقبة لتغطية مساحات واسعة، وتحويل نظام إحالة القضايا من الأسلوب اليدوي إلى الإحالة الذكية، والتعاون مع مجموعات خبراء خارجية. كما أُسند دور بارز إلى الإعلام والفضاء الإلكتروني والثقافة القانونية والشخصيات المؤثرة، مع تعزيز المشاركة الشعبية وتحويل قضية الوقاية إلى خطاب عام، وتقليل الأضرار الاجتماعية بشكل أكثر جدية واستدامة. وفي مجال الوقاية من الانتحار، بادر النظام في 9 سبتمبر بمناسبة اليوم العالمي للوقاية من الانتحار، بعقد ورشة عمل حول الصمود والعناية الذاتية في مقر وزارة الصحة، بهدف تقديم الدعم وتعزيز الصحة النفسية والاجتماعية وتحسين أوضاع الناجين والمعرضين للخطر. كما نُشر دليل إرشادي لوسائل الإعلام حول التغطية المسؤولة لأخبار الانتحار، وزيد عدد عيادات مركز “سراج” ومراكز الصحة النفسية والاجتماعية الحكومية المجانية إلى 148 مركزًا.
أما في مجال جرائم المخدرات، فقد نُفذت المرحلة الثلاثين من مشروع “الطمأنينة في المدينة“، الذي يهدف إلى جمع المدمنين واعتقال التجار وتنظيف البيئة التعليمية من المخدرات، كما أكد مكتب مكافحة المخدرات على أهمية المتابعة المستمرة للأشخاص الذين لديهم تاريخ من محاولات الانتحار، بهدف تقليل خطر تكرارها، وشدد على ضرورة تعزيز التعاون بين منظمة مكافحة المخدرات (SWO) والجامعات، وتعزيز الدور الرقابي للشرطة، التي تمكنت مؤخرًا من مصادرة أكثر من 125 كيلوغرامًا ومئات الآلاف من الطرود.
وفي مجال جرائم السرقة، جرد القضاء بعض الجناة من امتيازات السجون مثل الإجازة، كما تعامل النظام بقوة مع الجرائم العنيفة واستخدام الأسلحة ضد عناصر الشرطة، بهدف إيصال رسالة ردع واضحة، وخصصت الشرطة السيبرانية الإيرانية المعروفة اختصارًا بــ”FATA”، رقمًا يعمل على مدار الساعة لمكافحة الاحتيال عبر الإنترنت، حيث يتم تجميد الحسابات البنكية وتتبع العمليات فور تلقي البلاغ. ويبقى التعاون الإستراتيجي بين الدولة وأجهزتها والمجتمع ضروريًا للحد من الجريمة بكافة أنماطها.
الخاتمة:
تظل المحاولات التي يبذلها النظام الإيراني، والمتمثلة في وضع القوانين والإجراءات والسياسات القضائية، محدودة الأثر أمام الارتفاع المتزايد في معدلات الجريمة، الذي يشكل تحديًا جوهريًا أمام تحقيق التنمية المستدامة. وقد لا تحقق هذه الجهود فعاليتها الكاملة ما لم تقترن بتحسين الأوضاع الاقتصادية، والتخفيف من وطأة العقوبات الدولية، وفتح مسارات دبلوماسية تُخرج البلاد من عزلتها وتعيد التوازن الاجتماعي والأمني. وفي حال توسعت هذه الجرائم، لا سيما في ظل حالة “اللا حرب ولا سلم” التي تشهدها إيران، فقد تعلو موجة السخط الشعبي، والتي ستعمق من هشاشة الأوضاع الأمنية في البلاد، وتجعلها عرضة للتهديدات والتدخلات الخارجية.