تآكل الثقة ومستقبل العلاقات الإيرانية-الخليجية

https://rasanah-iiis.org/?p=38913

بواسطةنديم أحمد مونكال

لقد غيَّرت الحرب الإيرانية، على نحوٍ لا لبس فيه، طبيعة الديناميات الإقليمية في الشرق الأوسط. ومع مُضيّ إيران في إستراتيجيتها الرامية إلى تنويع مسارات التصعيد لزيادة كُلفة الحرب، أضرَّت وبشدَّة بما أُنجِز خلال السنوات الأخيرة من تقدُّمٍ في إنشاء آليات وقنوات بين إيران ودول الخليج لخفض مستوى انعدام الثقة والشكوك المُتبادَلة بين الطرفين. وبقِيَ انعدام الثقة بين إيران ودول الخليج قائمًا منذ ثورة عام 1979م، مستندًا إلى الأُسُس الأيديولوجية لـ«الجمهورية الإيرانية»، ومعزَّزًا بخطابها الأزلي وتهديداتها المتكرِّرة لدول المنطقة. كما يعكس نهْج إيران إزاء مفاوضات وقْف إطلاق النار الأخيرة أولويةً واضحة لمنطق الكسب الإستراتيجي، على حساب المساعي الجادَّة لخفض التصعيد، وهو ما يزيد من تعقيد موقعها في المنطقة. وقد أدَّت موجات التصعيد الأخيرة إلى تعميق الشكوك حيال إيران بصورة أكبر، بما سيؤثِّر في تشكيل الديناميات الإقليمية لسنوات مقبلة.

وقد أكَّد التنديد الجماعي الصادر عن مجلس التعاون لدول الخليج العربية بالضربات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيَّرة، وجود إجماع على أنَّ سلوك إيران قد تجاوز كلَّ الخطوط الحمراء. ويُنظَر إلى هذا السلوك على أنَّه طعنةٌ في الظهر في مواجهة المحاولات السابقة، التي بذلتها دول الخليج للوساطة وخفْض التوتُّر بين الولايات المتحدة وإيران. وفي بيان نُشِرَ مؤخَّرًا، جدَّد مجلس التعاون تأكيد حقّه، بموجب المادَّة 51 من ميثاق الأُمم المتحدة، في اتّخاذ ما يلزم من تدابيرٍ دفاعية جماعية أو فردية عن النفس لحماية سيادته وأمنه. وتكتسب هذه المسألة أهمِّية خاصَّة؛ لأنَّ دول الخليج كثيرًا ما اختلفت فيما بينها بشأن كيفية التعامل مع إيران، ومدى إمكان استيعاب المصالح الإيرانية ضمن الإطار الإقليمي. بيْد أنَّ الهجمات الأخيرة قلَّصت هذه الخلافات، وأفضت إلى تأكيدٍ أقُوى لوحدة إدراك التهديد داخل المجلس إزاء دور إيران في المنطقة.

وكما ذُكِر سابقًا، فإنَّ جوهر هذه القضية يتمثَّل في تآكُل الثقة؛ فالثقة في العلاقات الدولية ترتبط بالالتزام بالقواعد والأعراف. واستهداف إيران للبِنية التحتية المدنية، بما في ذلك الموانئ والمطارات ومنشآت الطاقة، شكَّل سابقةً خطيرة عبر انتهاكٍ صارخ للقوانين الدولية. وبالنسبة إلى دول الخليج، فإنَّ هذا لا يعني مجرَّد تصعيد، بل إعادة تعريف لقواعد اللعبة؛ فقد ظلَّت البِنية التحتية المدنية والحيوية، إلى حدٍّ ما، بمنأى عن المواجهة المباشرة، أمّا استهدافها الآن فيُشير إلى أنَّ أيَّ منشأة لم تعُد خارج نطاق الاستهداف بالنسبة للنظام الإيراني. وتزداد خطورة ذلك في ضوء تأكيد دول الخليج، في مناسبات متعدِّدة، أَّنها لن تسمح لقُوى خارجية باستخدام أراضيها لشنّ هجمات على إيران. وإضافة إلى ذلك، فعلى الرغم من الاعتذارات الأولية، التي قدَّمها الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان  عن هذا الهجمات لدول الخليج، استمرَّت الضربات؛ الأمر الذي أثار شكوكًا بشأن نيّات إيران. ومن المهم الإشارة إلى أنَّ إيران استهدفت دول الخليج أكثر ممّا استهدفت إسرائيل، وهذا ما أكَّدته التقارير، إذ يُقدَّر نحو 83% من هجماتها الصاروخية وهجماتها بالطائرات المسيَّرة وُجّهت إلى دول الخليج، مقابل 17% فقط استهدفت إسرائيل.

وستبقى المخاوف من شبكات الوكلاء الإيرانية في المنطقة عاملًا رئيسيًا في تشكيل الديناميات المقبلة؛ فالهجمات على خطوط الملاحة، لا سيّما قُرب المضائق الحيوية مثل باب المندب، تعزِّز الرؤية القائلة إنَّ إستراتيجية إيران بات من الصعب احتواؤها عبر الردع التقليدي. وبناءً على ذلك، فإنَّ أيّ انخراط مستقبلي مع إيران لن يعود مقتصرًا على تطمينات ثنائية، بل سيتطلَّب قيودًا قابلة للتحقُّق على أنشطة وكلائها وسلوكها الإقليمي. وعلى الرغم من أنَّ دول المنطقة سبَقَ أن حذَّرت من هذه القضايا، فإنَّ التطوُّرات الأخيرة أبرزت أكثر أنَّها عوامل مركزية لا هامشية في استقرار المنطقة وأمنها.

كما أصبحت القُدرات الصاروخية نقطة خلاف محورية أخرى، وسيتعيَّن على دول الخليج العمل نحو فرْض حدود قابلة للتحقُّق على مدى الصواريخ الإيرانية وآليات نشرها، باعتبارها الممكِّن الرئيسي للهجمات الأخيرة. وبالمثل، سيبقى البرنامج النووي الإيراني مصدر قلق دائم. فالتساؤلات المحيطة بمستويات التخصيب والمخزونات، واحتمالات تحويل القُدرات النووية إلى سلاح، ستواصل إلقاء ظلالها على الجهود الدبلوماسية. وأيُّ فشلٍ في إدراج هذه الهواجس ضمن أيّ اتفاق، من شأنه أن يرفع احتمالات سباق تسلُّح إقليمي وديناميات انتشار أوسع نطاقًا.

ويبرُز مضيق هرمز بوصفه عاملًا آخر في تفاقُم انعدام الثقة؛ فمحاولات إيران توظيف المضيق كسلاح، سواءً عبر التهديدات أو التعطيل أو اقتراح آليات لفرض رسوم عبور، يُنظَر إليها على نطاقٍ واسع في الخليج، باعتبارها شكلًا من أشكال العدوان والإكراه. وبالنسبة إلى الدول، التي تعتمد شرايينها الاقتصادية على التدفُّق غير المنقطع لصادرات الطاقة، فإنَّ أيّ إيحاء بسيطرة إيرانية على المضيق يُعَدُّ أمرًا غير مقبول. وهذه القضية تحمل أيضًا تداعيات عالمية، كما يتّضِح من المشكلات الناجمة عن اضطرابات الإمداد. وتعكس مواقف المجتمع الدولي هذه المخاوف بوضوح، إذ عارضت غالبية الدول دفْع رسوم عبور لإيران مقابل المرور الآمن. فعلى سبيل المثال، رفضت سنغافورة صراحةً التفاوض مع إيران بشأن الرسوم المًقترَحة في مضيق هرمز، مؤكِّدةً أنَّ حق المرور العابر حق قانوني تكفله قواعد القانون الدولي، وليس امتيازًا قابلًا للمساومة. ومن منظورها، فإنَّ الدخول في مثل هذه المفاوضات، من شأنه أن يُضفي مصداقية على مزاعم إيران، وقد يشجِّعها على مزيد من السلوك الإكراهي. كما أنَّ مطالب إيران بالسيطرة على مضيق هرمز خلال المفاوضات، عكست موقفًا متشدِّدًا إلى حدٍّ بعيد، اقترن بشروط عُدَّت على نطاق واسع غير واقعية وغير قابلة للقبول؛ ما قلَّص بصورة كبيرة فرص نجاح تلك المفاوضات.

وقد أشارت دول مجلس التعاون إلى تفضيلها خفْض التصعيد والاستقرار، من خلال مواصلة اتّباع نهْج دفاعي خلال الحرب، غير أنَّ غياب المعاملة بالمثل من جانب إيران، عمَّق الشكوك بشأن استعداد طهران التعامل بحُسن نيَّة. ويعزِّز هذا التباين الانطباع بأنَّ إيران مستعدَّة لاستغلال ضبْط النفس، بوصفه ميزة إستراتيجية بدلًا من أن تبادله بالمثل، وهو ما يعقِّد فرص اتّخاذ أيّ تدابير لبناء الثقة. وأيًّا كان التقُّدم الذي تحقَّق، مثل التقارب السعودي-الإيراني برعاية صينية، فقد أفسد بشدَّة بسبب افتقار إيران إلى الصدق.

كما تكشف الأزمة عن تعقيد التعامل مع هياكل صُنع القرار الداخلية في إيران؛ فالتصوُّر القائل بوجود مراكز قُوى متعدِّدة تعمل بالتوازي في زمن الحروب، يعقِّد جهود التفاوض وتنفيذ الاتفاقات. وبالنسبة إلى دول الخليج، يُثير ذلك تساؤلات بشأن موثوقية الالتزامات، ومدى إمكان الحفاظ على الثقة. وحتى عندما تتوصَّل الأطراف إلى  اتفاقات، فإنَّ خطر التباين بين مختلف الفاعلين داخل إيران يظل مصدر قلق، لا سيّما أنَّ الحرس الثوري الإيراني اعتمد باستمرار نهج عدواني وتصعيدي. كما أنَّ جهود وقْف إطلاق النار الأخيرة بوساطة باكستان، وما تردَّد عن صعوباتٍ في التوصُّل إلى أرضية مشتركة، تسلِّط الضوء على الموقف الإيراني المتشدِّد والمتماهي مع الحرس الثوري. وبينما تعاملت دول الخليج مع هذه الجهود بتفاؤل حذِر، إدراكًا منها لضرورة المُلِّحَة لخفض التصعيد، بقِيَ الموقف الإيراني جامدًا ومتصلِّبًا.

ولعلَّ الأثر الأبرز تمثَّل في تآكُل الثقة الشعبية تجاه إيران، في ظل تنامي التصوُّرات السلبية لدورها الإقليمي، بعدما أسفرت الهجمات على دول الخليج عن سقوط قتلى ووقوع إصابات بين المدنيين. كما أنَّ السرديات الإيرانية، التي تصوِّر دول الخليج بوصفها أهدافًا وأعداءً، تزيد من تعميق الانقسامات. فهذا التأطير يقدِّم دول الخليج باعتبارها طرفًا معاديًا؛ ما يجعل آفاق التعامل معها شديدة الصعوبة، لا سيّما في ظل تصاعُد الاستقطاب. وهو ما يفرض قيودًا على الحكومات الساعية إلى انتهاج تفاعل دبلوماسي، إذ أنَّ أيّ تنازُل يُنظَر إليه على هذا النحو قد يُواجَه بردّ فعل عكسي. وإلى جانب ذلك، فإنَّ الروابط بين الشعوب ستتأثَّر هي الأخرى. فقد تواجه الجاليات الإيرانية المقيمة في الخليج، وكذلك الشركات الإيرانية، التي أسهمت في تعزيز الروابط الاقتصادية وتدفُّقات التحويلات المالية، مزيدًا من التدقيق والقيود. وهذا الضرر، الذي يلحق بالروابط الاجتماعية والاقتصادية، يضيِّق أكثر فأكثر مساحة إعادة بناء الثقة. ويمكن أيضًا فهْم تداعيات أفعال إيران في ضوء صراعات إقليمية سابقة، إذ أنَّ الهجمات غير المسبوقة على دول الخليج قد أفضت إلى عداء جماعي ومعارضة موحَّدة. وكما حدَثَ بعد الغزو العراقي للكويت، فإنَّ مثل هذه الحسابات الخاطئة تقود إلى ضرر طويل الأمد في السُمعة، وعُزلة إقليمية. وعند النظر إلى حجم الهجمات، التي شنَّتها إيران، يتَضِح أنَّ فكرة إيران بوصفها شريكًا موثوقًا بالنسبة إلى مجلس التعاون قد تدمَّرت. فالأزمة الراهنة لن تُنسى بسهولة؛ بل ستغدو مرجعية حاضرة في التفاعلات المستقبلية، تشكِّل التصوُّرات والسياسات لعقود مقبلة.

وفي السياق الراهن، وبسبب تداعيات الهجمات على دول الخليج وما ترتَّب عليها من تبِعات أوسع على المجتمع الدولي، سيُنظَر إلى إيران بعين الريبة والحذر؛ فقد عزَّز نهْج إيران تجاه المنطقة تصوُّرات التهديد وفاقمها. ومن المرجَّح أن تعمل دول الخليج خلال السنوات المقبلة على تعزيز الردع، مع الإبقاء على دبلوماسية بسقفٍ محدود وشديدة المشروطية مع إيران.


الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولاتعكس بالضرورة رأي المعهد

نديم أحمد مونكال
نديم أحمد مونكال
باحث في معهد الدولي للدراسات الإيرانية «رصانة»