تُمثل مذكرة التفاهم التي وُقّعت مؤخرًا بين الولايات المتحدة وإيران، تطورًا بارزًا في الأزمة الراهنة، ومن المتوقع أن تُمهد الطريق أمام مفاوضات مستقبلية، وتؤسس لإطار يفضي إلى خفض التصعيد. ومنذ توقيع المذكرة، تصاعدت النقاشات بشأن طبيعة الشروط التي تضمنتها، ومدى مراعاتها بصورة بنّاءة لمصالح دول الخليج العربية وهواجسها الأمنية.
ورغم الترحيب الخليجي العام بوقف الأعمال العدائية، اتسمت مواقف دول الخليج بتفاؤلٍ حذرٍ؛ فعلى الرغم من أنها لم تكن طرفًا مباشرًا في الحرب، كانت من أكثر الأطراف استهدافًا من جانب إيران. ومن هذا المنطلق، انصبّ اهتمامُها الأساسي على استعادة الاستقرار الإقليمي ومنع اتساع رقعة الصراع، وهو ما سخّرت من أجله مواردها الدبلوماسية بصورة مستمرة. وقد كشفت الحرب حجم المخاطر التي تواجهها دول الخليج، سواء من حيث احتمال تعرضها المباشر لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، أو من خلال إمكانية استخدام مضيق هرمز ورقةَ ضغطٍ في ساحة الحرب. وإدراكًا لهذه المخاوف، أجرى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، جولة إقليمية بعد وقت قصير من الإعلان عن الاتفاق، شملت الإمارات والكويت والبحرين، إلى جانب مشاورات مع حلفاء آخرين في الخليج. واكتسب توقيت الجولة أهمية خاصة؛ إذ تدرك واشنطن أنّ أيَّ مسار دبلوماسي ناجح مع إيران يتطلب طمأنة حلفائها الإقليميين، الذين كانوا الأكثر تعرضًا للهجمات الإيرانية. وخلال لقاءاته مع قادة الخليج، شدد روبيو على استمرار الولايات المتحدة في التزاماتها الأمنية، مؤكدًا في الكويت أن الولايات المتحدة ستبقى على «توافقٍ تامٍ» مع دول الخليج، ولن تسمح بأيّ مساسٍ بأمن حلفائها في المنطقة.
وتساور دول الخليج في المرحلة الحالية جملة من المخاوف والهواجس، أبرزها ما إذا كان أيُّ اتفاقٍ نهائي سيتجاوز الملف النووي ليشمل برنامج إيران للصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، فضلًا عن سلوكها الإقليمي، وهي جميعها قضايا لا تزال تمثل عناصر محورية في البيئة الأمنية للمنطقة. ولا تقل أهمية عن ذلك مسألة أمن مضيق هرمز، الذي حوّلته إيران خلال الصراع إلى أداة ضغط، بما أدى إلى تعطيل أحد أهم الممرات التجارية البحرية في العالم. وكانت هذه القضايا قد أُثيرت بالفعل خلال الاتفاق النووي لعام 2015م، الذي ركّز على الملف النووي دون أن يتناول الأنشطة الإقليمية لطهران. وفي ظل الظروف الراهنة، فإن أي اتفاق نهائي لا يأخذ في الاعتبار المعضلة الأمنية في المنطقة، سيواجه تحديات كبيرة.
وبموجب مذكرة التفاهم، ستجري إيران محادثاتٍ مع سلطنة عُمان، بالتشاور مع بقية الدول المطلة على مضيق هرمز، لوضع تصور بشأن الإدارة المستقبلية للمضيق، وتنظيم شؤونه البحرية بما يتوافق مع القانون الدولي. وحتى الآن، لا تزال التصريحات الصادرة عن طهران وواشنطن متضاربة بشأن هذه المسألة. ومن الواضح أن أي محاولة لتغيير الإطار القانوني القائم، ستواجه معارضة قوية على المستويين الإقليمي والدولي. وفي هذا السياق، جدد وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، التأكيد على ضرورة العودة إلى الوضع الذي كان قائمًا قبل الحرب، بما ينسجم مع أحكام القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.
كما فتح احتمال تخفيف العقوبات، وإتاحة الوصول إلى الأصول الإيرانية المجمدة، وتقديم مساعدات لإعادة الإعمار، بابًا واسعًا للنقاش في أنحاء المنطقة. ويرى كثير من المتشككين أن تجارب الانخراط السابقة مع إيران لم تؤدِّ فعليًا إلى تغيير سلوكها الإقليمي. وتظل تجربة الاتفاق النووي لعام 2015م أو ما يُعرف بـــــ «خطة العمل الشاملة المشتركة»، حاضرة بقوة في هذا السياق، إذ واصلت إيران خلالها تعزيز دعمها العسكري لوكلائها في المنطقة. وما إذا كان الاتفاق الحالي سيحقق نتائج مختلفة يبقى أمرًا رهنًا بالمستقبل، لا سيما أن آليات تخفيف العقوبات أفادت تاريخيًا الحرس الثوري الإيراني. وعلى الرغم من أن مذكرة التفاهم تُلزم الطرفين بوقف العمليات العسكرية، وتتضمن إشارات إلى لبنان، فإنها لا تحتوي على بنود صريحة تتناول علاقة إيران مع وكلائها.
ولا تزال القدرات الصاروخية الباليستية الإيرانية تمثل مصدر قلق رئيسيًا، خصوصًا بعد الهجمات المكثفة التي استهدفت أصولًا مدنية وبنى تحتية في دول مجاورة، كما يظل انتشار الأسلحة التقليدية والصواريخ الباليستية، إلى جانب مخاطر الانتشار النووي، من أبرز التحديات التي تواجه الأمن الإقليمي. وتكتسب هذه المخاوف أهمية مضاعفة بالنظر إلى التأثير المباشر الذي أحدثته القدرات والأنشطة العسكرية للوكلاء الإيرانيين في استقرار المنطقة. ومع ذلك، لا تتناول مذكرة التفاهم بصورة صريحة برنامج إيران الصاروخي، ولا يزال من غير الواضح إلى أي مدى يمكن أن تقدم طهران ضمانات موثوقة بشأن هذه القضية، خاصة في ظل الانتقادات الداخلية التي تواجهها الحكومة الإيرانية بسبب الاتفاق الحالي. وبالنسبة للدول الإقليمية التي تحملت العبء الأكبر من الهجمات الإيرانية، فإن أحد أهم مصادر انعدام الأمن لا يزال خارج نطاق المذكرة.
أما البرنامج النووي الإيراني، الذي ظل محور الخلاف الأساسي، فما يزال دون تسوية، ولم تتحدد بعد ملامح مستقبله. وتشير التقارير إلى استمرار الخلاف بين الولايات المتحدة وإيران، بشأن مدى التزام طهران بعمليات التفتيش النووي، ناهيك أن مصير مخزون إيران من اليورانيوم المخصب، ونطاق عمليات التفتيش المستقبلية، وآليات التحقق، كلها ملفات ستُناقش في المراحل المقبلة من المفاوضات. ومن ثم، فإن استدامة الاتفاق ستعتمد على مضمون الاتفاق النهائي وآليات تنفيذه، لا سيما أن مذكرة التفاهم الحالية لا تُقدم إلا إطارًا عامًا، مع تفاصيل محدودة بشأن الإجراءات التنفيذية وآليات الإنفاذ. ولطالما استخدمت إيران برنامجها النووي وقدرتها على تعطيل الملاحة عبر مضيق هرمز، باعتبارهما أداتي ضغط وإكراه سياسي. ومن دون آليات تنفيذ قوية وفعالة، لن تتمكن دول الخليج ولا المجتمع الدولي من الجزم بحدوث تحول حقيقي في السلوك والسياسات الإيرانية. لذلك، من المرجّح أن تتخذ دول الخليج خطوات إضافية لتعزيز قدراتها الردعية، استعدادًا لأي سيناريو مستقبلي محتمل.
وفي المحصلة، تعكس المرحلة الراهنة حالة من البراغماتية الحذرة، وهو ما يتجلى في مواقف دول المنطقة، إلا أن الأنشطة العسكرية الإسرائيلية قد تزيد من تعقيد الاتفاق، بما قد يعرقل مسار المفاوضات ويعيد إشعال التوترات الإقليمية، ناهيك أن أي تصعيد جديد في العلاقات الأمريكية-الإيرانية قد يقوض وقف إطلاق النار. وحتى الآن، لا توفر مذكرة التفاهم ضمانات واضحة للتعامل مع مثل هذه السيناريوهات. كما أن تحقيق سلام مستدام يتطلب تقليص فجوة انعدام الثقة بين إيران وجيرانها، وهي فجوةٌ اتسعت عقب الهجمات الإيرانية على دول الخليج. وسيكون إعادة بناء الثقة بين إيران ودول الخليج عملية طويلة الأمد، تستلزم من طهران إظهار حسن نية مستمر، وإحداث تغييرات ملموسة في نهجها الإقليمي. ومن دون هذه الإجراءات لبناء الثقة، ستظل فرص تحقيق استقرار إقليمي دائم غير مؤكدة، حتى وإن أفضت المفاوضات إلى نتائج إيجابية.
الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولاتعكس بالضرورة رأي المعهد