دوافع حملة «جانفدا» الإيرانية وتداعياتها

https://rasanah-iiis.org/?p=39532

قدَّمت السُلطات الإيرانية حملة التعبئة «جانفدا»، أو «فدائي» باللغة العربية، بوصفها نجاحًا هائلًا، تستعرض من خلالها قوَّتها وتضامُن شعبها وقُدرتها على حشْد الشعب، على الرغم من التوتُّرات المتصاعِدة. فما بدأ في مارس 2026 حملةً تشجِّع المواطنين على إظهار استعدادهم لدعم البلاد، أخذ يكتسب أبعادًا عسكرية وأمنية منظَّمة على نحوٍ متزايد. وعلى الرغم من محاولات ترسيخ الشرعية والمصداقية عبر مثل هذه الحملات، لا تزال السُلطات الإيرانية تواجه تحدِّيات متنامية، وعليه يمكن فهْم الحملة الأخيرة، باعتبارها محاولة لتعزيز شرعية الدولة، وإظهار الوحدة الوطنية، في ظل الاستياء الداخلي والتحدِّيات الناجمة عن استمرار الصراع.

وقال العميد في الحرس الثوري الإيراني حسن حسن زاده، إنَّ مئات الآلاف سجَّلوا أسماءهم في حملة التعبئة الجارية. وبحسب تصريحات مسؤولين إيرانيين، تعتزم إيران تشكيل ألف كتيبة مقاومة، ويمكن للمشاركين الإسهام ليس فقط في الأنشطة العسكرية والأمنية، بل أيضًا في الخدمات الاجتماعية والعمل الإعلامي والدعم المالي. ووفقًا للسُلطات الإيرانية، شارَكَ في الحملة وسجَّل فيها 313 ألف شخص، غير أنَّ هذا العدد لم يُتحقَّق منه بصورة مستقِلَّة. وشملت الحملة قوّات البسيج وغيرها من القوّات المنظَّمة، إلى جانب مدنيين، بينهم نساء وأطفال، وحضَرَ الرئيس مسعود بزشكيان فعالية التعبئة، بما يؤكِّد أهمِّيتها. ووصَفَ قائد البسيج حسين طائب التعبئة، بأنَّها دليل على المقاومة الوطنية والاستعداد للدفاع الشامل. وتضمَّنت الحملة تدريبات على استخدام الأسلحة، فيما أظهرت مقاطع منشورة على وسائل التواصل الاجتماعي تمارين عسكرية في الشوارع.

ولطالما استُخدِمت التنظيمات المرتبطة بالأجهزة الأمنية الإيرانية لقمع المعارضة السياسية، وتعكس محاولة تأطير التعبئة باعتبارها واجبًا دينيًا ومسؤولية وطنية إستراتيجيةً راسِخة سعت السُلطات الإيرانية من خلالها إلى تعزيز شرعيتها ومصداقيتها السياسية، لا سيّما في ظل تنامي الاعتراض والخلاف في الداخل. كما تتجاوز التعبئة المؤسسات العسكرية الرسمية، مع استخدام أماكن مثل المساجد مواقعَ للتدريب العسكري. وقال المتحدِّث باسم الحملة، ساسان زارع، إنَّ الحكومة خصَّصت عددًا من المساجد لهذا الغرض، وإن الهدف على المدى الأبعد هو إنشاء مواقع نشِطة في أنحاء طهران، وبهذه الخطوات تُطمَس الخطوط الفاصلة بين البُنى التحتية المدنية والأمنية. ويظهر هذا النمط جليًا خارج طهران أيضًا، خصوصًا في المناطق التي تُنفَّذ فيها الحملة وسط توتُّرات اجتماعية وسياسية قائمة.  ففي سيستان وبلوشستان، تجمَع حملة «جانفدا» بين التدريب العسكري والتعبئة الجماهيرية، مع التشديد على اللُحمة الاجتماعية. ويمكن النظر إلى ذلك أيضًا باعتباره إجراءً لمواجهة الضغط الشعبي في منطقة تعاني حرمانًا اجتماعيًا واقتصاديًا مزمنًا، وتناميًا في الاعتراض المحلِّي.

ويُثير إشراك الأطفال في الحملة قلقًا خاصًّا، فقد وثَّقت منظَّمة العفو الدولية تجنيد أطفال لا تتجاوز أعمارهم 12 عامًا، بينهم قاصرون يحملون بنادق ومُكلَّفون بالخدمة عند نقاط التفتيش وفي الدوريات؛ ما يكشف عن توسُّع عسكرة الأطفال وتعريضهم للخطر، في انتهاكٍ واضح للقانون الدولي. ومن جانبهم، برَّر مسؤولون إيرانيون هذا التصرُّف، بأنَّ الفتيان الذين تزيد أعمارهم على 15 عامًا سُمِح لهم بالتسجيل، وأنَّ ثمَّة خِطَطًا تتعلق بالمشاركين الأصغر سنًّا، مقدِّمين ذلك بوصفه مسعى لتعريف الأجيال الناشئة بمعاني التضحية والمقاومة.

وأطلقت السُلطات الإيرانية أيضًا برنامجًا أمنيًا باسم «علاج»، يشجِّع المواطنين على تقديم معلومات عن المعارضين الإيرانيين ومنتقدي السُلطات المقيمين في الخارج. وتُشير هذه التطوُّرات مجتمعةً إلى محاولة توسيع قُدرة الدولة على المراقبة، لتتغلغل أكثر في المجتمع وتمتَدّ إلى ما وراء الحدود الإيرانية، لا سيّما أنَّ برنامج «علاج» يسعى لتحديد هويّات من تُعِدُّهم السُلطات خصومًا لها، وقد روَّجت وسائل الإعلام الحكومية له باعتباره آلية لتحديد هويّات إيرانيين في الخارج تصِفهم بأنَّهم «خونة» ومعاقبتهم. وبحسب تقارير، نشرت المنصَّة معلومات شخصية عن إيرانيين مقيمين في الخارج، مشجِّعةً المواطنين على تقديم معلومات إضافية عبر موقعها الإلكتروني وقنواتها على تطبيقات المراسلة. ويزعم القائمون عليها أنَّهم حدَّدوا هويّات نحو 1600 شخص، بينهم نحو 600 قِيل إنَّ التعرُّف إليهم تمَّ عبر بلاغات من الجمهور. وتكمُن أهمِّية «علاج» في نقله نموذج المراقبة الداخلية إلى ما وراء الحدود الإيرانية؛ فقد سبَقَ لإيران أن طوَّرت آليات تُتيح للمواطنين الإبلاغ عن المتظاهرين، والانتهاكات المزعومة لقواعد الحجاب الإلزامي، وغيرها من الأنشطة، التي تُعِدُّها السُلطات تهديدًا.

أمّا التداعيات الأكثر مباشرة لهذه البرامج، فتتّصِل بالأمن الداخلي وسيطرة الدولة؛ فتشكيل شبكات متنوِّعة مرتبطة بالبسيج والحرس الثوري قد يوفِّر للدولة مزيدًا من الأفراد والقُدرات التنظيمية خلال فترات الاضطراب أو الطوارئ. ويبدو أنَّ السلطات الإيرانية توسِّع نطاق تعبئة البسيج إلى ما يتجاوز تشكيلاته القائمة لبناء احتياطي دفاعي وأمني أوسع يستند إلى السُكّان أنفسهم. وبناءً على ما ناقشنا سالفًا، تُشير حملتا «جانفدا» و«علاج» إلى عملية أوسع لإخضاع المجتمع للمنطق الأمني، إذ تعزِّز دمْج الممارسات العسكرية والأمنية في المؤسسات المدنية ومجالات الحياة المدنية.

وتعكس هذه الجهود إخضاع الحياة الاجتماعية اليومية للمنطق الأمني، بما يُتيح للسُلطات التلاعب بالولاء السياسي، وتوسيع قُدرتها على مراقبة الاعتراض. ولذلك، لا تمثِّل هذه المنظومة الأمنية الصاعِدة مجرَّد تعبئة للدفاع في مواجهة الخارج، بل إرساءً للسيطرة على المجتمع والتجسُّس عليه ضمن أُطُر مؤسسية، بذريعة الأمن القومي. وتصوغ السُلطات خطابها حول التضحية والمقاومة والدفاع الوطني لإضفاء الشرعية على إجراءات استثنائية. ويجري هذا التوسُّع في إخضاع المجتمع للمنطق الأمني بالتزامن مع اشتداد الإجراءات القمعية ضدّ المعارضين. فبحسب تقارير منظَّمات حقوقية، أعدمت السُلطات الإيرانية بين مارس وأغسطس 2026 ما لا يقِلّ عن 59 شخصًا بتُهَم تتعلَّق بالأمن القومي، بينهم 29 شخصًا ارتبطت قضاياهم باحتجاجات 2025–2026. وشمِلَ من أُعدِموا عددًا من المراهقين وكثيرًا من الشباب في أوائل العشرينيات، فيما أفادت تقارير بأنَّ أعدادًا أخرى لا تزال تواجه خطر الإعدام الوشيك، وتظاهر آلاف الأشخاص أمام مقرّ الأُمم المتحدة في نيويورك، مطالبين بوقف هذه الإعدامات وبالتغيير الديمقراطي في إيران. وفي هذا السياق، تعكس «جانفدا» و«علاج» في جوهرهما استمرار عملية إخضاع المجتمع للمنطق الأمني، إذ تقدِّم السُلطات الإيرانية التهديدات التي تواجهها باعتبارها أخطارًا وشيكة تهدّد بقاء الأُمَّة، فتجعل أمنها واستقرارها مرادفَين للأمن القومي. وهذا يغيِّر بالضرورة طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، ويوسِّع قُدرة السُلطات الإيرانية على مراقبة المعارضة  وقمعها.

ويمكن أيضًا النظر إلى حملة «جانفدا» بوصفها وسيلة لإرسال رسائل ردْع في ظل التهديدات الأمريكية؛ فمن خلال إظهار المشاركة الجماهيرية والتضامن المجتمعي، تبعث إيران برسالة مفادها أنَّ المواجهة العسكرية قد تستدعي مقاومةً تتجاوز ساحة المعركة، وتُعَدُّ هذه الحملات أيضًا عناصر يمكن أن تُكمِّل قُدرات الردع التقليدية وغير المتكافئة لدى إيران. لكن تعزيز دمْج المزيد من المدنيين في الهياكل الأمنية يمهِّد لمخاطر غير مسبوقة، فمع تداخُل الحيّزَين المدني والأمني، قد يصبح المدنيون أكثر عُرضة للخطر في أيّ تصعيد مقبل، وقد يفاقم ذلك من احتمالات وقوع أضرار جانبية وسقوط ضحايا مدنيين، إذا أصبحت البِنية التحتية المدنية المرتبطة بالأجهزة الأمنية جزءًا من الصراع، ناهيك عن أنَّ إشراك الأطفال في هذا السياق  له أهمِّية خاصَّة من منظور حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.

وفي المحصِّلة، تكشف الحملات الإيرانية الأخيرة عن إستراتيجيةٍ ترتكز على إخضاع المجتمع للمنطق الأمني، وتوظيفه في خطاب التهديدات الخارجية والحرب؛ فلم يعُد تحوُّل «جانفدا» من التعبئة الرمزية إلى التدريب العسكري والتمرينات الجماهيرية مجرَّد مؤشِّر، بل إثباتًا عملياً لعسكرة المجتمع؛ حيث تهدُف هذه المبادرات في عُمقها إلى تعزيز قُدرة السُلطات على المراقبة وبسْط سيطرتها في المجتمع الإيراني.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير