محاولة اغتيال الكاظمي.. الدوافع والتداعيات

https://rasanah-iiis.org/?p=26503

مقدمة

تعرَّض رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي فجر يوم الأحد (07 نوفمبر 2021م)، لمحاولة اغتيال فاشلة، بواسطة طائرات مسيَّرة مُفخَّخة حاولت استهداف مقرّ إقامته في المنطقة الخضراء ذات التحصينات الكبيرة في بغداد، حسب بيان خلية الإعلام الأمني العراقية. وتداولت وسائل إعلام عراقية صورًا لسقوط صاروخ من طراز كاتيوشا استهدف منزل الكاظمي في التوقيت ذاته. وتحدَّثت تقارير إعلامية عن نقل الكاظمي إلى المستشفى بعد إصابة بسيطة في يده اليمنى. ونشرت وكالة الأنباء العراقية صورًا لتهشُّم بعض جدران السور الخارجي والأبواب الزجاجية لمنزل الكاظمي، مع وقوع إصابات طفيفة في صفوف أفراد حمايته.

وفي تغريدة له على حسابه في موقع التواصُل الاجتماعي «تويتر»، طمأنَ الكاظمي المواطنين على صحَّته، داعيًا إلى التهدئة وضبط النفس من الجميع، مؤكِّدًا أنَّه «مشروع فداء للعراق وشعب العراق»، وأنَّ «صواريخ الغدر لن تُثبِط عزيمته». وفي أوَّل ظهور مُتلفَز له بعد الحادث، كشف الكاظمي أنَّ منزله «تعرَّض لعدوان جبان»، وأنَّه ومن يعمل معه بألف خير، وأنَّ القوات العراقية البطلة تعمل على حماية العراق واستقراره، وأنَّ «الصواريخ الجبانة والطائرات المسيَّرة الجبانة لا تبني أوطانًا ولا تبني مستقبلًا، بينما نحن نعمل على بناء وطننا واحترام الدولة وقرارات مؤسَّساتها، وتأسيس مستقبل أفضل للعراقيين»، داعيًا الجميع للحوار الهادئ والبناء من أجل العراق ومستقبله.

أوَّلًا: الأطراف المتورِّطة في محاولة الاغتيال الفاشلة

تكشف طبيعة الأسلحة المُستخدَمة في محاولة الاغتيال الفاشلة عن الطرف المتورِّط؛ فهي من طراز «الكاتيوشا»، وهي مُتاحةٌ حصرًا في أيادي أذرُع إيران المسلَّحة في الساحتين اللبنانية والعراقية، ويقدِّمُها الحرس الثوري لميليشيات إيران في العراق بطُرق مختلفة. وأشارت العديد من التقارير الاستخباراتية الدولية إلى أنَّه بحسب النوع، فإنَّ ما يُسمَّى بـ «صواريخ كاتيوشا المصنوعة في إيران»، لطالما استهدفت ميليشياتُها بالعراق الأهدافَ والمصالح والقواعد الأمريكية بواسطة صواريخ الكاتيوشا عشرات المرّات، إن لم يكُن مئات المرّات في نحو أربع سنوات، وهي صواريخ يسهُل حملها ونقلها وتهريبها عبر الحدود.

وكذلك، تمتلك ميليشياتها بالساحة العراقية الطائرات المسيَّرةالمصنوعة في إيران؛ فعلى سبيل المثال لا الحصر، كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية مطلع يونيو 2021م، عن حصول ميليشيات إيران على أسلحة متطوِّرة، من بينها طائرات مسيَّرة، وزادت الصحيفة أنَّ الميليشيات تستخدم الطائرات المسيَّرة في تنفيذ هجمات على المصالح الأمريكية بالعراق. وشكا عسكريُّون أمريكيُّون من أنَّ الطائرات المسيَّرة في العراق تمثِّل أكبر مصدر قلق ضدّ الجنود الأمريكيين هناك، حيث كشف قائد القيادة الأمريكية الوُسطى كينيث ماكنزي، على سبيل المثال، في يونيو 2021م، أن الطائرات المسيَّرة تشكِّل تهديدًا خطيرًا على الجنود الأمريكيين بالعراق.

ثانيًا: دوافع المحاولة الفاشلة لاغتيال الكاظمي

تكشف تحوُّلات المشهد الانتخابي العراقي بموجب انتخابات برلمان 2021م، ومواقف ميليشيات إيران في الساحة العراقية منذ الإعلان عن نتائج الانتخابات المبكِّرة، وكذلك توجُّهات وسياسات الشخص المُستهدَف تجاه بناء الدولة العراقية بمفهومها الاستقلالي والسيادي والعروبي، عن تورُّط إيراني بواسطة الميليشيات المسلَّحة، في الوقوف وراء محاولة الاغتيال الفاشلة؛ لكونها تعيش في حالةً من القلق منذ الخسارة المدوِّية لأذرُعها السياسية، وتخشى من استمرارية تراجُع النفوذ في الساحة الأهمّ للنفوذ الإيراني الإقليمي.

  1. الخسارة المدوِّية لتحالُفات إيران في برلمان 2021م:

تلقَّت إيران وأذرُعها السياسية في العراق ضربةً مدوِّية من الناخب العراقي، في انتخابات برلمان 2021م، جعلتها في حالة من القلق الشديد على نفوذها، وذلك بعدم التصويت لأذرُعها مقابل التصويت للتحالُفات العابرة للطائفية والتحالُفات السنية. وتصدَّرت الكُتلة الصدرية العابرة للطائفية بحصولها على 73 مقعدًا، وأحرز تحالُف التقدمُّ الوطني، الذي يُعَدّ من أبرز التحالُفات السُنِّية التي خاضت من خلالها القُوى السُنِّية الانتخابات للعام 2021م، تقدُّمًا كبيرًا للغاية بإزاحته تحالُف الفتح المدعوم من إيران، والذي حظِي بالمرتبة الثانية في انتخابات 2018م، وذلك بتبوُّء «التقدُّم الوطني» المرتبة الثانية، بحصوله على 38 مقعدًا في انتخابات 2021م. ويكشف ذلك عن مؤشِّر غاية في الأهمِّية، يتمثَّل بعودة ثِقة الناخب السُنِّي في القيادات السُنِّية، وتراجُع تحالُف الفتح للمرتبة الخامسة، والتراجُع الكبير لتحالُفي النصر والحكمة بحصده 4 مقاعد فقط؛ ما يعني خسارتهم 58 مقعدًا عند المقارنة بعدد مقاعدهم في برلمان 2018م.

وبينما لم يكُن هناك اعتراض إيراني واضح على نتائج الانتخابات، هناك عدد من الكتّاب المحسوبين على إيران أبدوا اعتراضهم، فقد شكَّك الخبير في قضايا الشرق الأوسط حسن هاني زاده في نزاهتها: قائلًا: «تمَّ التلاعُب بالانتخابات»، مضيفًا: «البرلمان القادم سوف يتحرَّك نحو تخفيض مستوى العلاقات بين إيران والعراق». وكذلك انتقد الكاتب محمد وفابور الصدرَ، قائلًا: «الصدر ذو شخصية غير مستقِرَّة، لا يمكن الاعتماد على أقواله وأفعاله. وأنَّ التيّار الصدري هو سبب عدم استقرار البلاد في السنوات الأخيرة؛ فأعمال الشغب التي شهدتها الشوارع في السنوات الثلاث الماضية جميعها قادها أنصار الصدر»، وهو ما يعبِّر عن قلق الإيرانيين من نتائج الانتخابات، التي لفظت التحالُفات المدعومة من إيران.

يشير ذلك التطوُّر الانتخابي إلى إدراك إيراني بأنَّ قطار التخلُّص من الهيمنة والسيطرة الإيرانية في ساحة النفوذ الأهمَّ، التي تشكل العمود الفقري للنفوذ الإيراني الإقليمي، قد انطلق ودخل مرحلة اللا عودة، وأنَّ تكلُفة وقوفه باتت ثقيلةً للغاية، لا سيّما في توقيت تعاني فيه إيران أوضاعًا اقتصاديةً صعبة، وعُزلةً دوليةً ضاغطة، ومواقفَ إقليمية ودولية رافضة بشدَّة للنفوذ الإيراني، مع تصاعُد الأزمات مع العديد من دول جوارها، مثل الأزمة في أفغانستان، وتفاقُم الصراع مع أذربيجان، واتّساع دوائر التنافُس مع تركيا.

أذرُع إيران السياسية في العراق هي التي رفضت نتائج الانتخابات المبكِّرة، وميليشيات إيران لوَّحت بالتهديد بالنزول للشارع إذا ما أُلغيت النتائج، حيث أعلن الإطار التنسيقي للقُوى الشيعية وتحالُف الفتح رفضهم الكامل للنتائج الأوَّلية للانتخابات المبكِّرة، لما له من انعكاسات سلبية على النفوذ الإيراني بالعراق. وبعد ذلك تعالت التحذيرات في العراق من الدعوة إلى العُنف في أعقاب ظهور النتائج، خاصَّةً بعد دعوة ميليشيات لمنتسبيها للالتحاق بمعسكراتهم وإلغاء إجازاتهم، وتهديدها بمعاقبة كُلّ من يتغيَّب بالفصل الفوري. وكذلك كشف قيادي ميليشياوي لـ «رويترز»، بعد إعلان النتائج، «أنَّ الجماعات المسلَّحة مستعِدَّة للجوء إلى العُنف، إذا لزِم الأمر؛ لضمان عدم فُقدان نفوذها»، مضيفًا «أنَّه في خططهم النزول إلى الشوارع، أو حرق المباني التابعة للتيّار الصدري».

مع عدم تحقُّق رغبة أذرُع إيران تجاه نتائج الانتخابات، بتأكيد المفوضية العُليا المستقِلَّة للانتخابات العراقية صحَّة الانتخابات وعدم احتواء الطعون على أدلَّة تُثبِت التلاعُب في الانتخابات، وتأكيد بقيَّة المؤسَّسات العراقية والدولية على سلامة العملية الانتخابية، نفَّذت الميليشيات المسلَّحة، بإيعاز إيراني، تهديدها ووعيدها، بالنزول للشارع لقلب نتائج الانتخابات، ونشر الفوضى، ووضع العراق على صفيح ساخن؛ خوفًا على نفوذها. وبالفعل، خرج العشرات من أنصار تحالُفات إيران الخاسرة منذ يوم 5 نوفمبر 2021م، وأحرقوا الإطارات، وأغلقوا بعض الطرقات، مطالبين بإلغاء نتائج الانتخابات، وحمَّلت حركة حقوق الجناح السياسي لميليشيا كتائب حزب الله العراقي مفوَّضيةَ الانتخابات مسؤوليةَ تطوُّرات الأحداث.

2. الدور الكبير للكاظمي في نشأة ونمو ورعاية مسار الدولة:

تدرك إيران أنَّ الدور الأكبر في هذه النتيجة، التي آلت إليها الأوضاع في العراق بخسارة تحالُفاتها المدوِّية، بشكل يهدِّد نفوذها ليس في العراق فقط وإنَّما في الإقليم برمّته، تعود إلى سياسات الكاظمي وجهوده في الانتقال إلى مرحلة الدولة بمفهومها السيادي والاستقلالي والعروبي، وإنجاز الكاظمي خطوات غاية في الأهمِّية فيما عُرِف إعلاميًا بـ «معركة السيادة»، وهو ما لا ترتضيه الميليشيات، بإيعاز من إيران، بتمسُّكها في العراق بمرحلة اللا دولة؛ لتمرير المخطَّطات الإيرانية.

نجح الكاظمي في هذا الاتّجاه، رغم قِصَر المدَّة التي تولَّى فيها منصب رئاسة الوزراء، وهي أقلّ من عام ونصف تقريبًا، مقارنةً ببقية رؤساء الحكومات العراقيين المتعاقبين على الحُكم، الذين لم يولُّوا اهتمامًا كافيًا لنقل العراق لمرحلة الدولة القائمة على البناء المؤسَّسي وسيادة القرار، بينما بذل الكاظمي خلال فترة حُكمة القصيرة جهودًا مضنية لكسب معركة السيادة، متّخِذًا عدَّة إجراءات طالت المفاصل الحسَّاسة للدولة؛ لبسط السيادة والانتقال لمرحلة الدولة على النحو التالي:

أ- تغيير لغة الخطاب السياسي تجاه النفوذ الإيراني: نصَّ البرنامج الوزاري لحكومة الكاظمي على فرض هيبة الدولة، من خلال حصر السلاح بيدها، وفرض القانون والمواطنة، فضلًا عن إقامة علاقات خارجية على ركائز السيادة الوطنية، ومبدأ المعاملة بالمثل، والتوازُن في العلاقات الخارجية، والانفتاح على الدول الصديقة والشقيقة في المحيط العربي. وشكَّل ذلك تحوُّلًا كبيًرا في الخطاب العراقي، أدركته إيران منذ مجيء الكاظمي، وحاولت التأثير دون فائدة.

ب- تغــيير المناصب الأمنية لصالح مسار الانتـقال للـدولة: أجرى الكاظمي العديد من التغييرات في الجانب الأمني، بما يخدم توجُّهاته المناوئة لإيران، والدافعة نحو مسار الدولة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، أعفى فالح الفيّاض المُقرَّب من إيران من منصبي رئاسة جهاز الأمن الوطني ومستشار الأمن الوطني، وعيَّن قاسم الأعرجي مستشارًا للأمن الوطني، كما أعاد الفريق عبد الوهاب الساعدي المعروف برفضه للنفوذ الإيراني لرئاسة جهاز مكافحة الإرهاب.

جـ- تكثـيـف الجـهود الأمنـية لضبط المعابر الحدودية: تحرَّك الكاظمي لضبط الحدود والسيطرة على المعابر الحدودية البرِّية؛ لتصبح تحت سيطرة الجيش العراقي، وتحريرها من أيادي الميليشيات المسلَّحة المنتفعة من سيطرتها على المعابر، وتضييق الخناق على الميليشيات الإيرانية بإصداره قرارًا في نوفمبر 2020م بغلق المنافذ غير الرسمية الموجودة على الحدود العراقية، والتي تستغلّها الميليشيات المُقرَّبة للحرس الثوري الإيراني، مثل كتائب حزب الله ومنظَّمة بدر وميليشيا عصائب أهل الحق وميليشيا النُجباء، في نقل وتهريب السلاح والمخدَّرات إلى العراق. وحرمت هذه الإجراءات الميليشيات من أهمّ مصادر تمويل أنشطتها العسكرية على الساحة العراقية، في ظِل معاناتها لأزمة مالية؛ بسبب عجز الدعم الإيراني.

د- إعمال مبدأ المعاملة بالمثل فــي الزيارات الرسمية: أصدر الكاظمي أوامر بضرورة حصول المسؤولين الأجانب من الشخصيات العسكرية والسياسية من مختلف الدول دون استثناء، على تأشيرات دخول قبل زيارة العراق، وهو ما فرض على قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني إسماعيل قآاني، وغيره من الإيرانيين، الحصول على تأشيرة دخول قبل دخول العراق.

ه- حصار الميليشيات المسلَّحة الموالــية لإيران: في سوابق جريئة غير متوقَّعة لم يُقبِل عليها أيٌّ من رؤساء الحكومات العراقية المتعاقبة منذ بداية مرحلة ما بعد صدام، قيَّمها المراقبون على أنَّها أخطر وأصعب الإجراءات التي اتّخذها الكاظمي ضّد الميليشيات لحصر السلاح، داهمت القوّات العراقية مقرّات ميليشيات إيران في العديد من المرّات، واعتقلت قادةً ومقاتلين، دون أن تُلقي بالًا للسلاح الميليشياوي وانتشاره وقوَّته، وذلك في سبيل نقل العراق لمرحلة الدولة.

و- الانفتاح العراقي عـلى المحـيط العربي: في محاولات تبدو أكثر صلابةً من محاولات العبادي لإعادة التوازُن إلى العلاقات الخارجية، وجَّه الكاظمي بإعادة تشكيل الوفد العراقي في المجلس التنسيقي السعودي-العراقي؛ لتعزيز التعاون مع دول الجوار الخليجي، كما حدَّد السعودية كوجهةٍ أولى في جولته، التي كانت مقرَّرةً للسعودية وإيران والولايات المتحدة في يوليو 2020م، بغضّ النظر عن إرجائها لظروف صحِّية ألمَّت بالملك سلمان بن عبد العزيز. وقد حظيت العلاقات السعودية-العراقية بدفعة قويَّة خلال الاجتماع المرئي، الذي انعقد بين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والكاظمي في نوفمبر 2020م، بتأكيده على افتتاح منفذ عرعر الحدودي بعد 30 عامًا من إغلاقه، وتدشين مشروع الربط الكهربائي مع السعودية. وفيما يُعَدّ إدراكًا عراقيًا للدور الإيراني في تعقيد الأزمة الكهربائية، تساءل الكاظمي خلال اجتماعه بأعضاء خليَّة أزمة الكهرباء مطلع يوليو 2021م عن أسباب اكتفاء الحكومات طيلة الـ 17 عامًا الماضية فقط بـالربط مع إيران في ظِل تنويع كافَّة دول العالم مصادرها من الكهرباء؛ لذلك بادرت حكومته بطرح مشروع الربط الكهربائي مع دول الخليج والأردن ومصر، لتنويع مصادر الطاقة، وعدم الاكتفاء بمصدر واحد.

هذه السياسات والإجراءات لعبت الدور الأكبر فيما تواجههُ إيران من تحدِّيات وعقبات اليوم في الساحة العراقية، وشكَّلت هواجسَ وعُقَدًا لدى صُنَّاع القرار الإيراني من استمرارية الكاظمي خلال المرحلة القادمة. ويبدو أنَّ إيران باتت تعتبر أنَّ الكاظمي هو العقبة، وليس نتائج الانتخابات في حدِّ ذاتها، فقد استطاع بجهوده خلال فترة قصيرة نسبيًا في الحُكم من وضع العراقيل أمام إيران ومخطَّطاتها في العراق، وخلق رأي عام عراقي ضدّ النفوذ الإيراني بالعراق.

المشكلة الآن بالنسبة لإيران تنحصرُ في شخص الكاظمي، أكثر من معضلة نتائج الانتخابات، التي فجَّرت الموقف، مع أنَّه يمكنها التعاطي معها بالتصعيد تارةً والتهدئة تارةً ثانية. فاستمرارية الكاظمي تبدو لإيران استمراريةَ تراجُع النفوذ في العراق، ومن ثمَّ تتخوَّف من أن يكون الكاظمي رجل المرحلة المقبلة، وهو ما دفعها لهذا السيناريو، المتمثِّل في محاولة الاغتيال الفاشلة لضرب رمز مشروع الانتقال نحو الدولة. ويرى الكاتب حسن فحص أنَّ استهداف الميليشيات للكاظمي يُعَدّ بمثابة ردّ إيراني على التصعيد السعودي في بيروت، ذلك التصعيد الذي أربكَ حسابات طهران ورهاناتها على صيغة التفاهُم التي جاءت بالحكومة اللبنانية برئاسة نجيب ميقاتي؛ لتمرير هذه المرحلة تمهيدًا للوصول إلى محادثات فيينا.

يرسُم ما تقدَّمَ الصورةَ الواضحة حول منطقية استهداف أذرُع إيران للكاظمي، فها هو زعيم العصائب قيس الخزعلي قد ظهر في لقطات مصوَّرة وهو يطلق تهديدات ضدّ الكاظمي قبل ساعات من محاولة الاغتيال الفاشلة، لكن على ما يبدو قد جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن؛ لأنَّ الكثير من الخُبراء المعنيين بالشأن العراقي يروْن أنَّ المحاولة باتت في صالح الكاظمي، انسجامًا مع مقولة «الضربة التي لا تقضي عليك تقوِّيك»؛ فالكاظمي الذي نجا من المحاولة بدا في أوَّل ظهور مُتلفَز له بعد فشل المحاولة هادئًا قويًّا،  داعيًا لضبط النفس، ورفض أسلوب المفخَّخات في بناء العراق. ومن الممكن أن تتحوَّل المحاولة الفاشلة إلى أيقونة لفكّ حالة الاختناق السياسي التي يشهدها العراق منذ نتائج الانتخابات، لكن يبدو أنَّ الكاظمي بحاجة ماسَّة لصياغة موقف حكومي، وردّ قوي على المتورِّطين في الحادث؛ تجنُّبًا لتكرار المحاولة تجاه شخصيات عراقية عديدة.

ثالثًا: المواقف المحلِّية والإقليمية والدولية من المحاولة الفاشلة

توالت ردودُ الفعل المحلِّية والإقليمية والدولية المندِّدة بمحاولة الاغتيال الفاشلة للكاظمي، وجاءت أبرز المواقف من العراق والسعودية والإمارات ومصر والأردن وإيران والجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي.

  1. المواقف العراقية

بينما أعرب الرئيس برهم صالح عن تنديده بالحادثة أنَّه «لا يمكن أن نقبل بجرّ العراق إلى الفوضى والانقلاب على نظامه الدستوري». مع دعوته إلى وحدة المواقف في مواجهة «الأشرار المتربِّصين»، وصف زعيم الكُتلة الصدرية مقتدى الصدر المحاولة بأنَّها محاولة لإرجاع العراق إلى الفوضى والعُنف ومسار اللا دولة، واستهداف للعراق وشعبه ومساره الجديد، مطالبًا الجيش العراقي بالتصدِّي للمحاولات الفاشلة لعودة العراق قويًّا. وأدان زعيم تيّار الحكمة عمار الحكيم المحاولة، مؤكِّدًا أنَّها تطوُّر خطير يعرِّضُ هيبة الدولة للخطر، ويعصف بسُمعة العراق أمام الرأي العام العالمي، كما أدان رئيس إقليم كردستان العراق نيجرفان بارزاني المحاولة، قائلاً: إنَّ «هذا التطور يشكِّل عملًا إرهابيًا».

2. المواقف العربية والإسلامية

أ- السعودية: أعربت وزارة الخارجية السعودية عن إدانة المملكة بشدَّة لـ «العمل الإرهابي الجبان»، الذي استهدف الكاظمي، وأكَّدت وقوفها صفًّا واحدًا إلى جانب العراق، حكومةً وشعبًا، في التصدِّي لجميع الإرهابيين، الذين يحاولون عبثًا منعَ العراق من استعادة عافيته ودوره، وترسيخ أمنه واستقراره، وتعزيز رفاهه ونمائه.

ب- الإمارات: أعلنت الإمارات عن إدانتها الشديدة للمحاولة التي استهدفت الكاظمي، ووصفتها بالإرهابية.

جـ- الكويت: أعلنت إدانتها واستنكارها للمحاولة، وقالت الخارجية الكويتية إنَّ «المحاولة الإجرامية الآثمة لا تستهدف السيد الكاظمي فقط، وإنَّما ما تحقِّق للعراق وشعبه الشقيق من وحدة وإنجازات على كافَّة الأصعدة»، مؤكِّدةً قناعتها بوعي الأشقاء في العراق لتفويت الفُرصة على من أراد بوطنهم ووحدتهم السوء.

د- قطر: شدَّدت وزارة الخارجية القطرية على ضرورة ملاحقة الضالعين في المحاولة وتقديمهم للعدالة، مجدِّدةً موقف دولة قطر الثابت الداعم لوحدة واستقرار وسيادة العراق، وتطلُّعات شعبه الشقيق، في الأمن والاستقرار والتنمية.

هـ- مصر: أدان الرئيس عبد الفتاح السيسي المحاولة التي وصفها بالغاشمة، داعيًا الأطراف العراقية إلى التهدئة والتكاتف؛ من أجل الحفاظ على استقرار الدولة.

و- الأردن: أكَّدت وزارة الخارجية الأردنية وقوف وتضامُن المملكة الأردنية التام مع العراق وشعبه، ودعمها الكامل لأمنه واستقراره، ولجهود الحكومة العراقية في مكافحة الإرهاب، وتعزيز المسيرة الديمقراطية، والمحافظة على الإنجازات الوطنية، وشدَّدت الوزارة على إدانة واستنكار المملكة التام لكافَّة الممارسات والأعمال الإرهابية الجبانة، التي من شأنها تهديد أمن واستقرار العراق الشقيق.

ز- لبنان: أدان الرئيس ميشال عون محاولة اغتيال الكاظمي، معتبرًا أنَّها لا تستهدف فقط شخصه، بل كذلك الاستقرار والأمن في العراق، والجهود المبذولة في سبيل تعزيز الوحدة الوطنية العراقية، وأجرى رئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي اتّصالًا بنظيره العراقي، وهنَّأه بالسلامة، بعد نجاته من محاولة الاغتيال التي تعرَّض لها.

ح- مجلس التعاون الخليجي: ندَّد أمين عام المجلس نايف الحجرف بالمحاولة الفاشلة، مشيرًا إلى أنَّ أمن العراق من أمن دول المجلس.

ط- جامعة الدول العربية: أعرب الأمين العام للجامعة أحمد أبو الغيط عن استنكاره بأشدّ العبارات للمحاولة الدنيئة لاستهداف الكاظمي، مؤكِّدًا أنَّ العدوان الذي تعرَّض له منزل رئيس وزراء العراق بطائرات مسيَّرة مفخَّخة، إنما يستهدف هيبة الدولة العراقية وأمنها واستقرارها.

ي- منظَّمة التعاون الإسلامي: أدانت المنظَّمة بشدَّة المحاولة، وقالت في بيان لها: «تتابع الأمانة العامة للمنظَّمة ببالغ الانشغال تطوُّرات الوضع في جمهورية العراق، وتدين بأشدّ العبارات محاولة الاغتيال الدنيئة، التي تعرَّض لها رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي»، وأكَّد الأمين العام للمنظَّمة يوسف العثيمين أنَّ هذا الهجوم عملٌ إرهابي يستهدف وحدة العراق وأمنه واستقراره.

3. الموقف الإيراني

في أول ردٍّ إيراني، أدان أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي شمخاني المحاولة، قائلًا: إنَّها «فتنة جديدة ينبغي تعقُّبها في مراكز الفكر الأجنبية، التي دعمت المجموعات الإرهابية في العراق».

وكذلك كشفت مصادر إعلامية عن زيارةٍ أجراها قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني إسماعيل قاآني لبغداد، بنهاية يوم محاولة الاغتيال، التقى خلالها الكاظمي والرئيس العراقي برهم صالح، معلنًا رفض بلاده التعرُّض لأيّ مسؤول عراقي، كما التقى قآاني أيضًا قادة الميليشيات المسلَّحة لبحث نتائج الانتخابات العراقية؛ بهدف تهدئة الأوضاع بين الميليشيات والكاظمي، بعدما توجَّهت أصابع الاتّهام لميليشياتها بالتورُّط في المحاولة لشنِّها حملة تحريض ضدّ الكاظمي منذ إعلان النتائج الانتخابية.

تكشف هذه الزيارة عن رغبةٍ إيرانية في خفض التصعيد، وعدم انفلات الأوضاع في العراق، لا سّيما مع استمرارية التحريض الميليشياوي ضدّ الكاظمي بعد المحاولة. ففي تغريدة له، هاجم أمين عام «كتائب سيِّد الشهداء» أبو آلاء الولائي، الكاظمي، مهدِّدًا إيّاه بالحرمان من ولاية ثانية لرئاسة الوزراء، حيث كتب: «أقول لك (الكاظمي)؛ عليك أن تنسى أمرين، الأوَّل تكرار مهزلة تجديد رئاستك (للوزراء)، والثاني لن تُعاد حتَّى إلى منصبك السابق (رئاسة جهاز المخابرات)». وكذلك، قلَّل المسؤول الأمني لـ «كتائب حزب الله» أبو علي العسكري من أهمِّية الهجوم، وقال في تغريدة: إنَّه «لا أحد مستعِدٌّ لخسارة طائرة مسيَّرة لاستهداف منزل رئيس وزراء سابق»، مشيرًا إلى أنَّ «من يريد أن يضرّ بهذا المخلوق فهناك طُرُق أقلّ تكلُفة وأكثر ضمانًا».

4. المواقف الدولية

أ- الولايات المتحدة: سارعت الخارجية الأمريكية إلى التنديد بالحادث، واعتبرته إرهابيًا، وعبَّرت عن ارتياحها لعدم إصابة الكاظمي بأيّ أذى، مؤكِّدةً وقوفها إلى جانب شركائها العراقيين حكومةً وشعبًا، بالإضافة إلى التوضيح بأنَّ هناك اتّصالات وثيقة مع قوّات الأمن المكلَّفة بالحفاظ على استقلال وسيادة العراق. وأشارت الخارجية الأمريكية إلى أنَّها عرضت على الجانب العراق، المساعدة في التحقيق بشأن الهجوم على مقرّ إقامة الكاظمي، وهذا الموقف الأمريكي الداعم لمسار الكاظمي يثير الجدل حول مستقبل تنفيذ قرار الانسحاب الأمريكي بنهاية ديسمبر 2021م.

ب- مجلس الأمن الدولي: دان أعضاء مجلس الأمن الدولي المحاولة الفاشلة ضد الكاظمي، مؤكدين على دعمهم لاستقلال العراق وسيادته ووحدته وسلامة أراضيه، والعملية الديمقراطية، وأن الإرهاب بجميع أشكاله ومظاهره يشكل أحد أخطر التهديدات للسلم والأمن الدوليين، وضرورة محاسبة مرتكبي هذه الأعمال الإرهابية المشينة ومنظميها ومموليها ورعاتها وتقديمهم إلى العدالة. ما يؤكد على اتخاذ الأزمة لأبعاد عربية وإقليمية ودولية قوية منددة بالمحاولة، وتعبر هذه المواقف عن دعم إقليمي ودولي لمسار الكاظمي في بناء الدولة العراقية المستقلة ذات التوجهات الخارجية المتوازنة. وتكشف حملة الإدانات العربية والإقليمية والدولية الواسعة عن اتخاذ الأزمة لأبعاد إقليمية ودولية داعمة ليس فقط للكاظمي بل لمسار الانتقال نحول الدولة بمفهومها السيادي والاستقلالي والعروبي الذي يتبناه الكاظمي، وعن رغبة هذه الدول في استمرارية هذا المسار في المرحلة المقبلة لمعالجة الأزمات العراقية وبناء العراق الحديث وتلبية طموحات مواطنيه، لا سيما أن هذه الإدانات تأتي من فواعل إقليمية ودولية مؤثرة في القضايا الإقليمية مثل السعودية ومصر، والدولية مثل الولايات المتحدة؛ والأبرز إدانة مجلس الأمن الدولي، لأنه يضم الخمسة الكبار دائمي العضوية بمجلس الأمن (الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، روسيا، الصين، فرنسا)، وهؤلاء الأعضاء بالمجلس لهم التأثير الأكبر في مجريات الشؤون الإقليمية والدولية بحكم امتلاكهم حق النقض (الفيتو) على مشاريع القرارات الدولية، واستحواذهم على مقدرات عسكرية وموارد اقتصادية هي الأعلى مرتبةً في العالم، فالولايات المتحدة مثلًا الأولى عالميًا من حيث المقدرات العسكرية والأولى اقتصاديًا، والصين الثانية اقتصاديًا، ومن ثم هذه المواقف تجعل الكاظمي في موقف أكثر قوة، وقد توفر له خيارات أكبر للمناورة والمساومة لأنهاء حالة الاحتقان السياسي التي تشهدها البلاد منذ الإعلان عن نتائج الانتخابات البرلمانية المبكرة.

رابعًا: الخيارات المتاحة أمام إيران في الساحة العراقية

على ضوء التحوُّلات الكُبرى في المشهد العراقي بمحاولة اغتيال رئيس الحكومة للقضاء على مشروع مسار الدولة وبسط السيادة العراقية، يمكن تحديد ثلاثة خيارات أمام إيران وأذرُعها في الساحة العراقية:

الخيار الأوَّل: تكرار السيناريو اليمني

عبَّر الكثيرُ من العراقيين إثر نتائج الانتخابات، من مخاوفهم من احتمالات لجوء المجموعات التي لم تحقِّق نجاحاتها المأمولة في الانتخابات، إلى فرض الأمر الواقع بقوَّة السلاح، وإعادة استنساخ تجربة استيلاء جماعة أنصار الله اليمنية على صنعاء، في حال وجدت هذه المجموعات تهديدًا جدِّيًا لمصالحها، أو انتقاصًا من مكاسبها، أو محاولات لنزع أسلحتها بشكل أو بآخر. وقد يتحقَّق هذا السيناريو، في حال إدراكها ضياع نفوذها الشامل، الذي كلَّفها أثمانًا مادِّيةً وبشريةً عالية، لكن هناك تحدِّيات اقتصادية وسياسية وأمنية كبيرة تواجه إيران لتنفيذ هذا الخيار، فضلًا عن تأثير العامليْن الإقليمي والدولي في المعادلة العراقية.

الخيار الثاني: الفوضى الداخلية

باللجوء إلى تفجير الساحة الداخلية برمِّتها وإعلان وفاة العملية السياسية، وقد تلجأ إيران إلى هذا السيناريو في حالة ضياع نفوذها بشكل شامل في العراق، وتعنُّت الأحزاب الموالية لإيران بمواقفها، فإن البلاد ستكون أكثر قربًا من حربٍ أهلية، وهو ما لن يحدث، حيث خسرت أذرُعها نفوذَها السياسي في البرلمان، وقد يؤثِّر ذلك بالفعل على عملية الاتفاقيات المعلَّقة، إذا ما كانت هناك اتفاقيات، والاتفاقيات التي تعتزم توقيعها مع العراق لتعظيم نفوذها. لكن لا يزال نفوذها العسكري قائمًا، ونفوذها الاقتصادي والثقافي، ومن ثمَّ هذا السيناريو لن تلجأ إليه إيران، إلّا في حال ضياع نفوذها بمعناه الشامل، وهذا ليس بالسهل. كما أنَّ إيران بحاجة كبيرة للغاية للعراق، لكونه المتنفَّس الاقتصادي الأهمّ والرئة الاقتصادية الاستراتيجية، في ظِل العقوبات المستمِرَّة. كما أنُّه مع صعوبة التوصُّل إلى اتفاق خلال الأشهر المقبلة يؤدي إلى رفع العقوبات، أو مع انهيار المفاوضات مع القُوى الدولية تحت أيّ تطوُّرات سلبية؛ فإنَّ العراق يُعَدّ ورقةً مهمَّةً لإيران؛ ويصعُب بالتالي عليها أن تلجأ إلى تفجير الساحة العراقية.

الخيار الثالث: التصعيد المحسوب بهدف التفاهُم

تلجأ إيران إلى هذا السيناريو، من خلال استخدام أوراق ضغط عديدة في الساحة العراقية، لكنَّه ضغطٌ وتصعيدٌ محسوب؛ بهدف خلط الأوراق وتسهيل عملية تقاسُم السُلطة، في محاولة للقفز على نتائج الانتخابات، والتأثير على المعادلة العراقية الجديدة بعد خسارة أذرُعها السياسية، للأخذ في الاعتبار نفوذ إيران ومصالحها في الساحة العراقية في المرحلة القادمة، وإيصال رسائل لمن سيتصدَّر المرحلة المقبلة بأنَّ محاولات الاغتيال ستكون مصيرَ كُلّ من تسوِّل له نفسه إفقادَ إيران نفوذها بالعراق.

وقد تستمِرّ أذرُع إيران في الدعوة للاحتجاجات، والاستمرار بالتهديد في صفوف القيادات، مع المُضي قُدُمًا في حرمان العراق من حصَّته الكهربائية، والمطالبات المستمِرَّة بورقة التعويضات عن الحرب العراقية-الإيرانية، والاستعراضات العسكرية في الشوارع العراقية لفرد العضلات؛ لحين الوصول إلى صيغة تفاهُمات تضمن لإيران نفوذها في العراق، وهو ما قد يُطيل من مسألة تشكيل الحكومة الجديدة. ومن ثمَّ فهذه التحرُّكات الإيرانية في الساحة العراقية محسوبةٌ للغاية؛ لأنَّ إيران ببساطة في حاجة للساحة العراقية بشكل كبير للغاية؛ لأنَّ بغداد المتنفَّس الاقتصادي الأهمّ لها. وتتخوَّف إيران أيضًا من إشعال حرب داخل الشارع الشيعي؛ لأنَّ الفائز في الانتخابات (الكُتلة الصدرية)، كتلة عابرة للطائفية؛ لذلك تُدرك إيران أنَّه سيكون في صالح التحالُفات السُنِّية والتحالُفات العابرة للطائفية، وهو ما ينسجمُ مع سُرعة إرسالها قاآني للعراق بعد محاولة الاغتيال مباشرةً لخفض التصعيد.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير