قمة بكين: ترامب وشي يسعيان للاستقرار في التجارة والذكاء الاصطناعي وتايون وإيران

https://rasanah-iiis.org/?p=39030

بواسطةكلمون تيرم

شملت زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى بكين -حيث التقى نظيره الصيني شي جين بينغ- أوسع الأجندات وأكثرها تأثيرًا في التاريخ الحديث. عُقدت القمة من 14 مايو إلى 15مايو 2026، وناقشت نطاقًا واسعًا من القضايا، على رأسها الاضطرابات التجارية، والذكاء الاصطناعي، والسيطرة على التصدير ومعادن الأرض النادرة، والحرب الإيرانية.

والجدير بالذكر أن القمة شهدت زيارة أول رئيس أمريكي للصين، منذ قرابة عقد من الزمن، وجاءت بعد أسابيع من تصاعد التوترات بين الجانبين. ومن جانبه وصف الرئيس الصيني شي جين بينغ هذا اللقاء، بأنه بداية مرحلة جديدة في العلاقات الأمريكية-الصينية، مبنيةً على العلاقات المستقرة والتنافس المنضبط، كما ناقش الرئيسان عدة قضايا حساسة أخرى،  مثل تايون، التي أكدَّ الرئيس الصيني أنها ستبقى «أهم قضية في العلاقات الصينية-الأمريكية» محذرًا من أنها ستتزلق لــ «حالة خطيرة جدًا» إن جرى التعامل معها بشكل خاطئ.   

كما ألقت الحرب الإيرانية وأزمة الطاقة العالمية التي أتت على إثرها بظلالها على القمة، حيث ناقش الرئيسان، بحسب ما ورد في الإعلام الصيني، التطورات في الشرق الأوسط، والتوترات المتصاعدة من مضيق هرمز الممر الإستراتيجي لتجارة النفط العالمية. وكان متوقعًا، حسب تقارير، أن يحث ترامب بكين على استخدام نفوذها على إيران، لدفعها لفتح المضيق، والمساعدة في استقرار أسواق الطاقة.

وليس بالأمر العجب أن تتوسط الحرب الإيرانية قلب نقاشات القمة بين الرئيسين؛ حيث حث ترامب شي أن يقلل دعم الصين لطهران، ولاسيما فيما يتعلق باستخدام التقنيات ذات الاستخدام المزدوج، والإلكترونيات وغيرها من المكونات التي تعتقد واشنطن أنها تُسهم في تطوير قدرات إيران في الصناعات العسكرية. فقد فرضت الولايات المتحدة في 8 مايو 2026م عقوباتٍ على أربع شركات صينية لــ«تزويدها صورًا فضائية دعمت الضربات العسكرية الإيرانية على القوات الأمريكية في الشرق الأوسط»، مما أثار تنديدًا شديد اللهجة من الجانب الصيني.

وعلى الجانب الدبلوماسي، يرتبط التقدم في المحادثات الجارية بين واشنطن وطهران ارتباطًا وثيقًا باستعداد بكين العمل على تسهيل القنوات الدبلوماسية، وحث الأطراف على ضبط النفس. وقد شارك وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في قمة وزراء الخارجية لمجموعة بريكس، التي عقدت في نيودلهي  خلال زيارة ترامب، فيما تستمر فواعل إقليمية أخرى مثل باكستان والمملكة العربية السعودية وقطر وتركيا ومصر في  لعب أدوارٍ مهمة خلف الكواليس. ويبدو أن الصين تعزز تموضعها كوسيط دبلوماسي صامت لا يمكن الاستغناء عنه.

وبالنسبة للرئيس شي، فالمخاطر عالية، إذ يعتمد استقرار الاقتصاد الصيني بشدة على استمرار تدفقات الطاقة من الخليج دون انقطاع، مما يجعل الأمن البحري لمضيق هرمز أولوية إستراتيجية، ولهذا تحث الصين على خفض التصعيد، وتعارض أي تصعيد عسكري قد يؤدي إلى مزيدٍ من عدم الاستقرار في أسواق الطاقة العالمية، وفي الوقت نفسه تقدم مبادرة وساطة لحل الصراع عبر القنوات الدبلوماسية.

وكان من المقرر أن يزور ترامب بكين سابقًا، لكن اندلاع الحرب الإيرانية أخرها، فقد أدت الحرب إلى إضرابات في أسواق الطاقة العالمية، وأصبح مضيق هرمز من أكثر مضائق العالم الإستراتيجية اضطرابًا. وتتمتع، كونها أكبر مستورد للنفط الإيراني، بأوراق ضغط كبيرة يمكن استخدامها لمحاولة خفض التصعيد مع إيران.

وقد تدهورت العلاقات الثنائية بين  الصين والولايات المتحدة في السنوات الأخيرة، بسبب قيود واشنطن على التصدير التي استهدفت أشباه الموصلات المتقدمة، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، وقيود الصين على  صادرات المعادن الأرضية النادرة، بالإضافة إلى الاتهامات المتبادلة بين الجانبين، والتحايل على العقوبات، واستخدام أدوات الإكراه الإستراتيجي.

وعلى الصعيد الاقتصادي، التقى الرئيس شي بعدد من رجال الأعمال البارزين من الولايات المتحدة، الذين رافقوا ترامب في رحلته إلى بكين، وكان من ضمنهم الرئيس التنفيذي لشركة «أبل» تيم كووك، والرئيس التنفيذي لشركة «سبيس إكس» إيلون ماسك. وصرح ترامب أن زيارة الرئيسان التنفيذيان للصين، جاءت بهدف تعزيز العلاقات التجارية والتأكيد على أهمية العلاقات الثنائية بين البلدين. وكبادرة حسن نية لزيارة ترامب، ستجدد الصين تراخيص تصدير اللحوم البقرية للشركات الأمريكية.

وخلال الزيارة، قدم ترامب إجراءات تهدف إلى تقليص العجز التجاري الأمريكي المستمر، وتوسيع وصول الشركات الأمريكية إلى الأسواق الصينية، وشملت النقاشات أيضًا تمديد الهدنة الحالية على المعادن الحيوية، ولاسيما العناصر الأرضية النادرة والضرورية لتصنيع الإلكترونيات والصناعات العسكرية والسيارات الكهربائية وتكنلوجيا الطاقة المتجددة، فالصين بفضل احتكارها شبه التام لعدة قطاعات من سلاسل الإمداد للعناصر الأرضية النادرة، تتمتع بورقة ضغط قوية على طاولة المفاوضات.

وتمثل الضوابط على الصادرات والذكاء الاصطناعي نقطة خلاف أخرى بين البلدين، إذ تسعى واشنطن إلى الحفاظ على قيودها على الرقائق المتقدمة ومعدات أشباه الموصلات والتقنيات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، تحت مظلة الحفاظ على الأمن القومي والتفوق التكنولوجي. وفي الوقت نفسه، يبدو أن القلق يتنامى لدى المسؤولين الأمريكيين من مخاطر اندلاع منافسة غير منضبطة في الذكاء الاصطناعي بين القوتين.  وعليه، يبدو أن من أهداف القمة التوصل إلى آلية تواصل تحول دون الانزلاق لتصعيد مفاجئ، أو سوء تقدير في قطاع الذكاء الاصطناعي. ومن جانبها، ترى الصين في القيود الأمريكية على الصادرات جزءًا من إستراتيجية أوسع، تسعى من خلالها واشطن احتواء صعود الصين  التكنولوجي، والحفاظ على الهيمنة الأمريكية في قطاعات حيوية.  

ومن جانبها، راقبت الحكومات الأوروبية القمة بمزيجٍ من الأمل والقلق؛ فمن صلب مصلحتها التوصل إلى أي نتيجةٍ تفضي إلى استقرار أسعار الطاقة العالمية، وتخفيف اضطرابات سلاسل الإمداد، التي نجمت من الحرب الإيرانية. فتخفيف التوترات في الشرق الأوسط بتنسيق صيني-أمريكي، قد يُسهم في كبح ضغوطات التضخم، التي مازالت تثقل كاهل الاقتصادات الأوروبية. فمن منظور الاتحاد الأوروبي، كشفت القمة كذلك عن الطابع النفعي المتزايد، الذي بات يسم السياسة الدولية.  لذا، يأمل المسؤولون في أوروبا من واشنطن وبكين التوصل إلى تفاهمات عملية فيما يخص التجارة والمعادن الحيوية، التي تحول دون مزيدٍ من التشظي في الأسواق العالمية. وفي الوقت نفسه، ثمة قلق كبيرٌ يعتري الاتحاد الأوروبي من أن يحيد التوافق في العلاقات الصينية-الأمريكية المصالح الأوروبية، ولاسيما في المعايير التكنولوجية حوكمة الذكاء الاصطناعي والسياسة الصناعية والوصول إلى المعادن الخام الإستراتيجية. لذلك سرع الاتحاد الأوروبي من سياساته لتحيد المخاطر، عبر  إطلاق مبادراتٍ مثل: «خطة عمل الاتحاد الأوروبي للموارد|  RESourceEU Action Plan»، التي تهدف إلى تخفيف الاعتماد المفرض على الصين.

وتتنامى المخاوف لدى كثير من صُناع السياسات في أوروبا، من صعود نظام دولي ثنائي القطب، حيث تفرض في واشنطن والصين قواعدهما في الاقتصاد العالمي والمنافسة التكنولوجية. ومع كل هذا، ما زالت العواصم الأوروبية ترحب عامةً بأي جهودٍ تفضي لاستقرار العلاقات بين الصين والولايات المتحدة، التي تعزز الدبلوماسية متعددة الأطراف في قضايا، مثل: منع الانتشار النووي والتغير المناخي، لكنهم مازالوا قلقين من أن يُستنفذوا إستراتيجيًا بين قوتين عظيمتين.  بالنسبة للاتحاد الأوروبي، ستكون أكثر نتيجة واقعية للقمة في تطور متوسط في الدبلوماسية الإيرانية، وتمديد مؤقت للهدن المتعلقة بالتجارة مع استمرار المنافسة الإستراتيجية طويلة الأمد في التكنلوجيا المتقدمة. وباتت الحكومات الأوروبية تدرك بعمق  أن عدم الاستقرار في منطقة المحيط الهندي والهادي، سيجر معه تداعيات اقتصادية وأمنية كبرى إلى أوروبا، ولاسيما بسبب الاعتماد العالمي على أشباه الموصلات وطرق التجارة البحرية. وأي احتمالية في تراجع في التزام الولايات المتحدة تجاه تايون قد تعزز قوة الصين وتغير الحسابات الإستراتيجية في المنطقة كلها.

لكن يبقى سقف التوقعات عن القمة محدودًا؛ فقد دخل ترامب المحادثات باحثًا عن نصر سياسي ملموس، ولاسيما فيما يتعلق بإيران والتجارة العالمية، نصرٌ يعود به ويقدمه للداخل الأمريكي كدليل على قيادته الناجعة. ومن جانبه، دخل شي المفاوضات من موقع أكثر قوة نسبيًا، مستفيدًا من  المشتتات الإستراتيجية التي أشغلت الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، مع التركيز على إرساء الاستقرار المستدام. لذلك، تجسد قمة ترامب وشي ملامح الدبلوماسية المعاصرة بين القوتين؛ حيث يجتمع التنافس الإستراتيجي بعلاقة اعتمادية تبادلية لا يمكن الانفكاك عنها.

كلمون تيرم
كلمون تيرم
زميل غير مقيم في «رصانة» وباحثٌ مشارك في كلية الدراسات المتقدّمة في العلوم الاجتماعية في باريس