انتقل الصراع العسكري بين روسيا وأوكرانيا إلى مرحلة جديدة تتسم بتوسع عمليات الضربات العميقة داخل الأراضي الروسية. خلال الفترة الأولى من الحرب، كان القتال التقليدي محصورًا إلى حد كبير داخل الأراضي الأوكرانية، الأمر الذي أتاح الفرصة للاقتصاد المحلي الروسي وشبكات الخدمات اللوجستية الخلفية بالعمل بمنأى نسبيًا عن الأحداث، لكن مع نشر كييف للقدرات المتطورة بعيدة المدى تغير هذا التباين العملياتي؛ فمن خلال استهداف البنية التحتية الحيوية ومراكز الإمداد على بعد مئات الأميال خلف الخطوط المواجهة، أدخلت هذه الضربات متغيرات اقتصادية وتحديات تكتيكية جديدة لموسكو.
ويعزى هذا التحول العملياتي إلى تنويع أوكرانيا لترسانتها بعيدة المدى، التي باتت تعتمد بشكل متزايد على منصات محلية الصنع إلى جانب الأنظمة الغربية. ووسعت كييف نطاق إنتاج الطائرات المسيرة الهجومية بعيدة المدى، مثل طائرة ليوتي المسيرة، وأدخلت أنظمة هجينة مثل صاروخ باليانيتسيا المسير، وقد صممت هذه المنصات لاختراق الجواء ذات الكثافة الدفاعية العالية بفضل سرعتها الفائقة وتحليقها المنخفض. وقد أسهم نشر هذه الأصول إلى توسيع النطاق العملياتي لكييف لصل عمق الأراضي الروسية، وهو ما شكل تحديًا مستمرًا لمنظومات الدفاع الروسية، وتوسع نطاق العمليات العسكرية إلى مناطق شمالية كانت آمنة في السابق.
وقد تجلَّت القدرة على اختراق عمق الأراضي الروسية بوضوح خلال العمليات الأخيرة التي استهدفت سانت بطرسبرغ فقد شنت خلال الأيام القليلة الماضية، أسراب من الطائرات المسيرة الأوكرانية هجماتٍ على منشآت حيوية داخل ثاني أكبر مدينة في روسيا، بالتزامن مباشرة مع انعقاد منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي. وقد استهدفت هذه الهجمات محطة نفطية وقاعدة كرونشتادت البحرية، حيث تضررت فرقاطة مزودة بصواريخ موجهة كانت قيد الإصلاح. وأجبرت هذه الهجمات على الإغلاق المؤقت للمطار المحلي ودفعت السلطات المحلية إلى إصدار أوامر للسكان بالبقاء داخل منازلهم، الأمر الذي يوضح كيف يمكن لقدرات الضربات العميقة أن تعطل الحياة المدنية والاقتصادية الطبيعية بعيدًا عن ساحات القتال المباشر.
تتجلى الأبعاد الاقتصادية الأوسع لهذه الحملة بوضوح في الاضطرابات المستمرة التي يشهدها قطاع التكرير الروسي، حيث استهدفت الهجمات بالطائرات المسيرة بشكل المنهجي منشآت تكرير النفط في جميع أنحاء وسط وغرب روسيا. وتشير بيانات القطاع النفطي التي جمعها محللو الطاقة إلى أن الضربات بالطائرات المسيرة بشكل متكرر أجبرت على تعليق أو خفض الطاقة الإنتاجية في عدد من المنشآت الرئيسية، بما في ذلك مصافي ريازان وموسكو وكويبيشيف. وأدت هذه الاضطرابات مؤقتا إلى إخراج نسبة كبيرة من القدرة التكريرية المحلية روسيا عن الخدمة مؤقتًا، مما أدى إلى نقص محلي في إمدادات الوقود ودفع الكرملين إلى فرض حظر تصدير داخلي مؤقت على بعض منتجات النفطية بهدف تحقيق الاستقرار في الأسواق المحلية.
وفي الوقت نفسه، توسعت الحملة من استهداف البنية التحتية الداخلية إلى الأهداف البحرية، مع التركيز بشكل خاص على السفن التي تنقل الهيدروكربونات الروسية. وعلى مدار العام الماضي، استهدفت الطائرات المسيرة البحرية والجوية الأوكرانية بشكل فعال عناصر من أسطول الظل. تؤكد التحديثات العسكرية وبيانات التتبع الملاحة البحرية أن القوات الأوكرانية نفذت ضربات مباشرة على ناقلات أسطول الظل، مما تسبب في أضرار بمحركاتها والبنية الهيكلية للسفن أثناء عبورها مسارات التصدير. ورغم أن هذه العمليات تعقد الخدمات اللوجستية البحرية، تشير تحليلات الأسواق إلى أن انخفاض طاقة التكرير المحلية قد دفع بالفعل صادرات النفط الخام الروسية إلى مستويات أعلى عبر توجيه مزيد من النفط الخام إلى المشترين الدوليين، وهو مما يوضح طبيعة المقايضات الاقتصادية المعقدة لهذه الحملة.
تخلق صيانة وإصلاح البنية التحتية المتضررة في قطاع الطاقة عقبات لوجستية طويل الأمد نتيجة القيود المفروضة على التجارة الدولية. إذ تعتمد منشآت البتروكيماويات الحديثة بشكل كبير على بعض المعدات الخاصة المصنعة في الغرب، مثل أعمدة التقطير عالية السعة وأنظمة التحكم الإلكتروني المتقدم. نظرا لأن العقوبات تحول دون الحصول المباشر على هذه المعدات، اتجهت موسكو بشكل متزايد إلى الموردين الصينيين للحصول على معدات بديلة والإلكترونيات الصناعية. لكن سلاسل الامداد هذه تواجه تعقيدات بسبب توسيع قيود التصدير الغربية والعقوبات الثانوية التي تستهدف وسطاء الدول الثالثة، وهو ما قد يؤدي إلى تأخير وتعقيد دمج المكونات غير المحلية في المنشآت الصناعية الروسية.
وعلى الجبهة العسكرية، استهدفت حملة الضربات العميقة بشكل منهجي الخطوط اللوجستية في جنوب روسيا والأراضي المحتلة، مما أثر بشكل مباشر على استدامة الخطوط الأمامية. وقد تسببت الضربات المتقطعة على مستودعات التخزين الإقليمية وتقاطعات السكك الحديدية في حدوث اختناقات لوجستية موضعية، الأمر الذي أسهم بشكل ملحوظ في خلق تحديات مرتبطة بتوزيع الوقود في شبه جزيرة القرم. للتخفيف من هشاشة هذه الأصول الاقتصادية واللوجستية عالية القيمة، اضطر الجيش الروسي إلى إعادة تموضع هيكلية لمعداته الدفاعية. ولذلك، أعيد نشر أنظمة الدفاع الجوي المتطورة بعيدا عن قطاعات الخطوط الأمامية النشطة لحماية البنية التحتية الاقتصادية الداخلية، الأمر الذي قد يخلق ثغرات في التغطية الجوية على طول خط المواجهة المباشر.
ومع استمرار هذه الحملة، يبرز مساران استراتيجيان أساسيان للصراع: يتمثل المسار الأول في سيناريو تؤدي فيه الأضرار المستمرة والمتفاقمة التي تطال قدرة التكرير والنقل اللوجستي الداخلي ومسارات التصدير البحري إلى خلق عبء اقتصادي ولوجستي غير مستدام. وفي هذا السيناريو، قد يؤدي التدهور طويل الأمد للاستقرار الداخلي وسلاسل الإمداد العسكرية إلى ممارسة ضغوط على موسكو في نهاية المطاف لتعديل أهدافها الاستراتيجية والسعي نحو تسوية تفاوضية.
يتضمن المسار الثاني اتخاذ موسكو قرارًا متعمدًا بتصعيد حدة الصراع بدلا من تغيير أهدافه الجوهرية. ولإرساء الردع وإجبار الطرف الأخر على وقف الضربات العميقة، قد تلجأ روسيا إلى نشر أنظمة أسلحة متقدمة أو تجريبية. وقد لوحظ هذا نمط من الرد عندما شنت روسيا ضربة باستخدام صاروخ الباليستي تجريبي قادر على حمل رؤوس نووية، وهو ما يشير إلى استعداده لاستخدام أصول استراتيجية متطورة من أجل تغيير الحسابات التكتيكية للحرب.
وفي الختام، أسهم توسع قدرات أوكرانيا على تنفيذ ضربات بعيدة المدى في إزالة الحدود الجغرافية التي كانت تفصل البنية التحتية الروسية الداخلية عن الخطوط الأمامية. من خلال فرض تغييرات داخل قطاع الطاقة الروسي، وتعطيل شبكات التصدير البحرية الرئيسية إلى إعادة توزيع منظومات الدفاع الجوي الحيوية، فرضت الحملة ضغوطا جديدة على التخطيط الاستراتيجي لموسكو. ويعتمد ما إذا كان هذا المسار سيفضي إلى تسوية دبلوماسي في نهاية المطاف أو تؤدي إلى مزيد من التصعيد الرأسي على التفاعل بين إنفاذ العقوبات الغربية، والقدرة الإنتاجية الصناعية الأوكرانية، وقدرة روسيا على الصمود أمام لاضطرابات الاقتصادية واللوجستية.