اتفاق نزع سلاح حماس: خطوة أولى ضرورية، لكنه لا يزال بعيدًا عن تسوية سلام شاملة

https://rasanah-iiis.org/?p=39367

تشكِّل خارطة طريق نزع سلاح حماس والفصائل الفلسطينية المسلحة الأخرى على مراحل نقطة تحول مهمة في الصراع الذي اندلع عقب الهجمات التي قادتها حماس في 7 أكتوبر 2023، وما أعقبها من حملة عسكرية إسرائيلية في غزة. وقد أعلن الرئيس دونالد ترامب، في 30 يوليو 2026، هذا الاتفاق من 15 بندًا، بوصفه جزءًا من خطته الأوسع ذات النقاط العشرين، وبحسب التقارير، حظي  هذا الاتفاق بموافقة مشروطة من حماس وفصائل فلسطينية أخرى.

وقد أعلن ترامب أن «مجلس السلام» توصل إلى «اتفاق تاريخي» بشأن «نزع السلاح الكامل» من حركة حماس وجميع الجماعات المسلحة الأخرى في غزة. وأضاف أنه مع تقدم عملية نزع السلاح، ستنسحب القوات الإسرائيلية، فيما تتولى قوة الاستقرار الدولية مع شرطة فلسطينية جديدة مسؤولية الأمن. ومن ثم، يربط الإطار التحقق من تفكيك الأسلحة بانسحاب إسرائيلي على مراحل، ونقل إدارة غزة إلى هيئة فلسطينية تكنوقراطية مستقلة، ونشر عناصر أمن دوليين، وبدء إعادة الإعمار.

بيد أن الإطار لا يشكل، حتى الآن، تسوية نافذة؛ فقد رفضته إسرائيل بصيغته الحالية في 9 أغسطس، وأصرت على ضرورة نزع سلاح حماس بالكامل قبل أي انسحاب إسرائيلي، بينما ربطت حماس نزع سلاحها بالتزام إسرائيل بتعهداتها. ولذلك لا تزال آلية ترتيب الخطوات، ووسائل التحقق، وكيفية التعامل مع الفئات المختلفة من الأسلحة، مسائل لم تُحسم بعد.

وإذا نُفذ الإطار في ظل ضغط أميركي متواصل على إسرائيل، سيمثل إنجازًا دبلوماسيًا مهمًا، لكن لا ينبغي الخلط بينه وبين اتفاق سلام شامل. ففي أفضل الأحوال، تمثل الخطة خطوة أولى ضرورية نحو تجميد الصراع وتهيئة الظروف لتسوية سياسية مستقبلية. ومنطق الخطة واضح؛ فلا يمكن البدء في إعادة إعمار مستدامة لغزة في ظل احتفاظ الجماعات المسلحة بقدرات عسكرية مستقلة، واستعداد إسرائيل لاستئناف عمليات واسعة النطاق، وغياب سلطة شرعية تحتكر استخدام القوة. ومن ثم، فإن نزع سلاح حماس ليس مجرد مطلب إسرائيلي، بل هو أيضًا شرط أساسي لقيام إدارة فلسطينية قابلة للحياة وقادرة على حكم غزة، والحفاظ على النظام العام، وطمأنة الجهات الدولية المانحة إلى أن إعادة الإعمار لن تعقبها حرب مدمرة أخرى.

ويربط  اتفاق نزع سلاح حماس تدريجيًا بانسحاب إسرائيل من نحو 70% من مساحة غزة التي تحتلها،  لكن تخفي بساطة هذا الطرح الظاهرية عقبات هائلة، في مقدمتها انعدام الثقة العميق والمتبادل، والمقاومة السياسية، والدمار الذي لحق بغزة، والتكلفة البشرية الهائلة للحرب؛ إذ لا يزال أكثر من مليوني فلسطيني يعلنون أوضاعًا كارثية، وسط دمار واسع للمنازل وسبل العيش، فقد أفادت وزارة الصحة في غزة بمقتل أكثر من 70 ألف شخص. وقد أدى القيادي السياسي في حماس خليل الحية دورًا محوريًا في تجاوز اعتراضات الحركة على الاتفاق، عقب وساطة مكثفة من مصر وتركيا.

لكن لا يمكن التعامل مع نزع السلاح باعتباره عملية تقنية بحتة تقتصر على جمع الأسلحة، وتدمير الأنفاق، وتفكيك منشآت الإنتاج. فالبنية العسكرية لحماس متجذرة في منظومة سياسية واجتماعية أكبر. ولذلك، فإن إقناع حماس بالتخلي عن أسلحتها يتطلب أكثر من مجرد الضغط العسكري؛ إذ يحتاج إلى إطار سياسي قادر على إقناع الحركة وسكان غزة على حد سواء بأن نزع السلاح لن يترك الفلسطينيين تحت احتلال أبدي أو عمليات إسرائيلية متجددة أو تقسيم دائم للأراضي الفلسطينية. ولهذا السبب، يبدو النهج التدريجي والمتبادل أكثر واقعية من المطالبة باستسلام فوري وغير مشروط. وبموجب الإطار الناشئ، سيبدأ الاتفاق بنزع الأسلحة الثقيلة والصواريخ والمتفجرات والبنية التحتية العسكرية أولًا. ويمكن بعد ذلك توسيع العملية لتشمل الأسلحة الخفيفة، وتسجيل المقاتلين السابقين المؤهلين أو دمجهم، وتفكيك هياكل القيادة الموازية.

وستتولى إدارة فلسطينية تكنوقراطية، مدعومة بمؤسسات أمنية إصلاحية وآلية دولية لتحقيق الاستقرار، المسؤولية تدريجيًا عن الأمن والحكم. وفي المقابل، ستنسحب القوات الإسرائيلية وفق معايير قابلة للتحقق، بالتوازي مع توسيع نطاق وصول المساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار.

ويعكس هذا التدرج غياب الثقة بين الطرفين؛ فتخشى حماس أن تنزع سلاحها من دون أن تحصل في المقابل على نهاية للعمليات العسكرية الإسرائيلية أو الاحتلال. بينما تخشى إسرائيل أن يتيح وقف إطلاق النار والانسحاب لحماس إخفاء جزء من ترسانتها، وإعادة بناء قواتها، والعودة في نهاية المطاف إلى السلطة، ولا يمكن تبديد هذه المخاوف بالوعود وحدها. لذا ستكون هناك حاجة ماسة إلى آلية تحقق مستقلة. وينبغي أن تكون لها ولاية واضحة، وإمكانية الوصول إلى المواقع ذات الصلة، والقدرة على التحقيق في الانتهاكات، ودعم سياسي كافٍ لمقاومة الضغوط من كلا الجانبين.

كما يتعين على المجتمع الدولي النأي بسكان غزة المدنيين عن مدى سرعة عملية نزع السلاح؛ نعم لا بد من ربط إعادة الإعمار بالالتزام بالاتفاق، لكن لا يجوز استخدام المساعدات الإنسانية أداةً للضغط الجماعي، لذا فيجب البدء بإعادة إعمار المساكن والرعاية الصحية والمياه والتعليم والبنية التحتية الأساسية منذ بداية العملية. وإلا فالتأخر عن البدء بالإعمار فور بدء عملية نزع السلاح قد يفقد الإدارة الانتقالية شرعيتها، ويتيح لحماس أو تنظيمات أكثر تطرفًا تصوير نزع السلاح على أنه استسلام من دون مقابل.

وستعتمد فرص نجاح الخطة بالقدر نفسه على مدى مصداقية البديل عن حكم حماس؛ فقد تكون لجنة من التكنوقراط مفيدة خلال مرحلة انتقالية طارئة، لكن الحكم التكنوقراطي لا يستطيع أن يحل محل الشرعية السياسية إلى أجل غير مسمى. وستحتاج الإدارة الجديدة إلى قدر كافٍ التمثيل الفلسطيني، وعلاقة محددة مع السلطة الفلسطينية، وجدول زمني واضح لإصلاح المؤسسات على نطاق أوسع. كما يجب ألا يُنظر إليها على أنها هيكل مفروض من الخارج ويعمل تحت إشراف إسرائيلي دائم. فمن دون قيادة فلسطينية ذات مصداقية، قد يؤدي إقصاء حماس عن الحكم إلى فراغ مؤسسي بدلًا من قيام إدارة مستقرة. وسيكون للجهات الإقليمية دور أساسي، إذ يمكن لمصر وقطر تسهيل المفاوضات والتأثير في حماس، بينما يمكن لتركيا وعدد من الحكومات العربية تقديم الدعم السياسي أو تمويل إعادة الإعمار أو المساعدة الأمنية. أما الولايات المتحدة، فتبقى القوة الخارجية الوحيدة القادرة على ممارسة ضغط حاسم على إسرائيل وتقديم ضمانات لتنفيذ الالتزامات الإسرائيلية. ويمكن للشركاء الأوروبيين والعرب دعم عمليات التحقق، وتدريب الشرطة، وإعادة الإعمار. لكن ينبغي تنسيق مشاركتهم ضمن إطار سياسي واحد؛ إذ إن تعدد المبادرات وتنافسها سيضعف السلطة الانتقالية، ويمكّن الأطراف من التنصل من التزاماتها.

وحتى إذا نُفذت خريطة طريق نزع السلاح بالكامل، فإنها ستعمل على تجميد الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني بدلًا من حله. وقد تنهي المواجهة العسكرية المباشرة في غزة، وتقلل خطر اندلاع حرب واسعة النطاق أخرى، وتفسح المجال أمام الدبلوماسية. وستكون هذه إنجازات كبيرة بعد سنوات من الدمار. لكن الأسباب الكامنة وراء الصراع ستبقى قائمة، ومنها غياب تسوية سياسية تحظى بقبول متبادل، ووضع الضفة الغربية والقدس، والمخاوف الأمنية الإسرائيلية، والحقوق الوطنية الفلسطينية، والمستوطنات، والحدود، واللاجئون، ومسألة السيادة.

ومن ثم، ستتطلب التسوية الدائمة مرحلة ثانية أكثر طموحًا بكثير، لذا ينبغي في نهاية المطاف دمج الترتيبات الانتقالية الخاصة بغزة في اتفاق شامل يشمل غزة والضفة الغربية معًا، ويحدد المستقبل السياسي للأراضي الفلسطينية. وعليه، ينبغي فهم خطة نزع سلاح حماس باعتبارها بداية مرحلة لا نهاية. فهدفها المباشر هو وقف دوامة الحرب، وإقامة حكم فلسطيني موحد، وإتاحة إعادة إعمار غزة. أما قيمتها الاستراتيجية فتتمثل في قدرتها المحتملة على تحويل وقف هش لإطلاق النار إلى تجميد مستدام للصراع. ومع كل هذه المعطيات، فلا يمكن وقف الأعمال العدائية والدخول في سلام دائم إلا من خلال اتفاق سياسي شامل. في نهاية المطاف لن يُقاس نجاح المبادرة الحالية بعدد الأسلحة التي جُمعت أو الأنفاق التي دُمّرت فحسب، بل بمدى نجاحها بإيجاد مسار موثوق يسير بدءًا من نزع السلاح إلى الحكم، ومن الحكم إلى المفاوضات السياسية، ومن المفاوضات إلى تسوية نهائية.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير