التداعيات الاستراتيجية للقمة الأمريكية-الصينية

https://rasanah-iiis.org/?p=39568

سلّطت القمة الثنائية الأخيرة التي جمعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ في واشنطن الضوء على العلاقات المعقدة بين القوتين العظميين، وما يحكمها من منطق الصفقات. ورغم تقديم اللقاء بوصفه مسعى لاستعادة الاستقرار الاستراتيجي، فقد كشف بالدرجة الأولى عن تباعد بنيوي عميق في سياسات التكنولوجيا والعقوبات التجارية والصراعات الأمنية الإقليمية، ولا تزال المفاوضات المصيرية بشأن حوكمة الذكاء الاصطناعي تراوح مكانها تحت وطأة المنافسة التجارية المحتدمة، بينما كشفت التداعيات الاقتصادية لتصاعد الصراع مع إيران عن حدود قدرة واشنطن على إنفاذ الرسوم الجمركية والعقوبات. وتعكس هذه الوقائع نمطًا يسعى فيه البلدان إلى مرونة اقتصادية تكتيكية، بالتوازي مع تصعيد التنافس الاستراتيجي، في مشهد يستحضر الماضي بتوظيف الأدوات الاقتصادية على جبهات متعددة لتحقيق التوازن الاستراتيجي إبان الحرب الباردة.

ويتجلّى هذا التباعد الاستراتيجي بأوضح صوره في سباق الذكاء الاصطناعي، حيث تتسارع المنافسة على امتداد البنية التحتية الحاسوبية ونشر النماذج. وتعتمد الهيمنة التكنولوجية الأمريكية على إنفاق رأسمالي ضخم؛ فوفقًا لـــــ «تقرير مؤشر الذكاء الاصطناعي الصادر عن جامعة ستانفورد»، بلغت الاستثمارات الأمريكية الخاصة في الذكاء الاصطناعي 285.9 مليار دولار في عام 2025م، متجاوزةً بفارق شاسع الإنفاق الصيني الخاص المباشر البالغ 12.4 مليار دولار. وتلتزم شركات أميركية منفردة تقدّم خدمات الحوسبة السحابية بإنفاق سنوي على البنية التحتية يتجاوز 150 مليار دولار للحفاظ على تفوقها في القدرات الحاسوبية، وأصبح الاقتصاد الأمريكي وثيق الارتباط بهذا التوسع في البنية التحتية، مع تزايد اعتماد أسواق الأسهم والنمو الاقتصادي الوطني على استمرار إنفاق الشركات.

ومن جانبها، تواجه الصين هذا التفاوت في رأس المال من خلال بناء منظومة تنافسية شرسة من النماذج مفتوحة المصدر؛ فمن خلال إتاحة أوزان نماذج عالية الأداء ومفتوحة المصدر عالميًا، يخفض مطوّرو التكنولوجيا الصينيون أسعار الاستدلال (Inference)؛ أيّ تشغيل النماذج لتوليد الإجابات، ويفرضون ضغوطًا تجارية شديدة على شركات الذكاء الاصطناعي الأمريكية ذات النماذج المغلقة. وتجد الشركات الأمريكية نفسها مضطرةً إلى تبرير إنفاق رأس مال يصل إلى مئات المليارات، بينما تنافس بدائل مفتوحة المصدر التي تضاهي نماذجها وتخفض تكاليف نشرها عالميًا. ويحمل هذا الانقسام البنيوي تداعيات اقتصادية وجيوسياسية عميقة على مسار السباق التكنولوجي، في صورةٍ تُشبه مساعي الحرب الباردة لبناء شبكاتٍ تكنولوجيةٍ تُرسّخ دوائر النفوذ؛ فبينما تتحمل الشركات الأمريكية تكاليف مهولة لتدريب النماذج الرائدة المغلقة (Proprietary Frontier Models)، تخفض الإصدارات الصينية مفتوحة المصدر تكلفة وحدات المعالجة النصية، مما يقوّض مباشرةً هوامش أرباح الشركات الأمريكية في سوق خدمات المؤسسات ويقلّص العوائد طويلة الأجل على رأس المال. وعلاوة على ذلك، فإن جعل النماذج مفتوحة المصدر الخيار البديهي والأولي للشركات الأجنبية الحريصة على خفض التكاليف ولاقتصادات الجنوب العالمي يتيح لبكين ترسيخ أركان منظومتها التكنولوجية عالميًا، وبناء اعتماد هيكلي عليها دون انتهاك القيود الغربية المفروضة على العتاد الحاسوبي. وفي المحصلة، يشلّ هذا الاختلاف في بنية المنظومتين التقدم التنظيمي؛ إذ تركز واشنطن على مخاطر سلامة النماذج الأكثر تقدمًا وحماية الملكية الفكرية، بينما توظف بكين الإتاحة المفتوحة لمواجهة الاحتواء الغربي، مما يجعل الرقابة المشتركة أمرًا مستبعدًا.

وتواجه مساعي التنظيم الثنائي للذكاء الاصطناعي تحديات بنيوية جسيمة في ظل هاتين الاستراتيجيتين المتباعدتين، إذ تتعمد الحكومتان على إبقاء معايير الحوكمة غامضة، مفضّلتين الغموض الاستراتيجي على قبول قيود ملزمة قد تحدّ من تطوريهما المحلي للذكاء الإصطناعي. وفي هذا الصدد، أشار وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إلى احتمال عقد جولة أخرى من المحادثات الثنائية في شنجن بعد شهرين، لكن لم يُحدَّد لها جدول أعمال رسمي أو موعد نهائي. ومع إحجام كل طرف عن المخاطرة بالوقوع في تبعية تكنولوجية للآخر، ستبقى الرقابة المشتركة الفاعلة مستبعدة.

وبعيدًا عن هذا الصدام التكنولوجي، قيّدت مواطن الضعف الاقتصادية الأوسع الناجمة عن أزمة الشرق الأوسط بشدة قدرة واشنطن على تنفيذ استراتيجيتها التجارية تجاه بكين، وتمخض انكشاف الضعف الصيني خلال الصراع من هيكل وارداتها من الطاقة؛ إذ أدّى الحصار البحري والتهديدات التي تواجه الملاحة حول الموانئ الإيرانية ومضيق هرمز إلى تعطيل مشتريات الصين المباشرة من الخام الإيراني، مما أجبر شركات التكرير الحكومية الصينية على زيادة اعتمادها على بدائل روسية وخليجية. وفي الوقت نفسه، فرض ارتفاع تكاليف الطاقة عالميًا، بسبب هذه الاضطرابات في الشرق الأوسط، تعديلات تكتيكية براغماتية على السياسة الخارجية الأمريكية. ويوضح لنا قرار الولايات المتحدة لإبرام اتفاق إمدادات مع موسكو، تزامنًا مع إصدار «مكتب مراقبة الأصول الأجنبية» التابع لوزارة الخزانة الأمريكية ترخيصًا يجيز استيراد وقود الديزل ذي المنشأ الروسي بهدف ضخ كميات هائلة منه في الأسواق العالمية والمحلية، كيف تطغى ضغوط تضخم أسعار الطاقة على حملات الضغوط الاقتصادية الأوسع نطاقًا التي تتبناها واشنطن.

ويُضعف هذا التحول مباشرةً مصداقية واشنطن في إنفاذ أطر تشريعية مثل «قانون فرض العقوبات على روسيا وإيران»، الذي يُلزم بفرض عقوبات جمركية ثانوية موجّهة تصل إلى 100% على كبار مستوردي موارد الطاقة الروسية. ولا تزال الصين المشتري الأكبر للنفط الخام الروسي ومنتجات الطاقة الثانوية. ويصبح إلزام بكين بالمطالب الجمركية الأمريكية أو بالعقوبات الثانوية متعذرًا حين تمنح واشنطن نفسها استثناءات من سياساتها لتثبيت إمدادات الوقود المحلية؛ فعندما تهدد ظروف الاقتصاد الكلي المحلية استقرار أوضاع المستهلكين، تفقد آليات العقوبات الأساسية قدرتها على الردع. وتدرك بكين جيدًا أن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تدير في آن واحد اضطرابات حادة في إمدادات الطاقة من الشرق الأوسط، مع فرض رسومٍ جمركية مشددة على أكبر شركائها التجاريين، دون إلحاق الضرر باقتصادها.

وخلال مباحثات القمة، عكس تناول التصعيد في إيران رغبة تكتيكية مشتركة في احتواء امتداد تداعياته إلى المنطقة الأوسع، أكثر مما عكس تقاربًا استراتيجيًا، حيث شدّد الرئيس شي على الحفاظ على حرية الملاحة عبر مضيق هرمز لحماية التجارة البحرية العالمية وتأمين عبور إمدادات الطاقة الحيوية اللازمة للصناعة الصينية، أما بالنسبة إلى واشنطن، فإن إبقاء الممرات الملاحية الحيوية مفتوحةً أمر ضروري لمنع اضرابات نفطية إضافية من مفاقمة تضخم أسعار الوقود في الداخل الأمريكي. ومع أن الزعيمين أعلنا دعمهما لأطر خفض التصعيد وحماية الملاحة الدولية، لم تقدم بكين التزامات ملموسة بتقليص علاقاتها الاقتصادية مع طهران أو الانضمام إلى حملات الضغط الغربية، وبذلك تحافظ الصين على موقفها المرن في الشرق الأوسط في حين تبقى القدرات الدبلوماسية والمالية الأمريكية مستنزفةً في إدارة أزمات المنطقة.

وفي المحصلة، تؤكدُ القمة الأخيرة أنّ العلاقات الأمريكية-الصينية يحكمها توازنٌ قائمٌ على الصفقات، لا مصالحة شاملة؛ ففي التكنولوجيا، تواجه الاستثمارات الرأسمالية الأمريكية الضخمة ضغوطًا مستمرة من الابتكار الصيني مفتوح المصدر، ولا تزال جهود وضع إطار تنظيمي متكامل للذكاء الاصطناعي متعثرة. وعلى الصعيد التجاري، تسبب جوانب الضعف الأمريكية في قطاع الطاقة التي تكشفت جراء الصراع الدائر في الشرق الأوسط بتقويض قدرة الولايات المتحدة على المضي قدمًا في سياستها الجمركية. وما دامت اضرابات الطاقة العالمية والمنافسة التكنولوجية مستمرتين، فلن يفضي التواصل الثنائي إلا إلى فترات تهدئة تكتيكية، دون تقارب استراتيجي طويل الأمد.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير