كشفت الحملة الأوكرانية التي استهدفت مصافي النفط الروسية عن مكمن ضعف استراتيجي في اقتصاد الحرب الروسي، لكن فاعليتها تنطوي أيضًا على مخاطر دبلوماسية؛ إذ قد يؤدي تعطيل إنتاج الوقود الروسي إلى زيادة الأعباء على داعمي أوكرانيا. ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في الثالث من نوفمبر، بات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ينظر إلى هذه الضربات من زاوية الحسابات السياسية لأسعار الوقود، وهكذا تجد كييف نفسها أمام حسابات صعبة؛ فالحملة الرامية إلى إضعاف روسيا قد تقوّض الدعم الأمريكي في وقت تحتاج فيه أوكرانيا إلى معلومات استخباراتية ودفاع جوي واستمرار تلقيها الأسلحة الأمريكية.
وتكبّدت قدرات التكرير الروسية أضرارًا كبيرة، لكن النسب المتداولة تستدعي الحذر في تفسيرها؛ فالتقديرات التي تشير إلى تعطّل نحو 45% من الطاقة التكريرية لا تعني انخفاضًا دائمًا ومماثلًا في إنتاج الوقود. وقد ألحقت هجمات أوكرانية بطائرات مسيّرة أضرارًا واسعة بمصفاة موسكو التابعة لشركة «غازبروم نفط» في يونيو، وكان متوقعًا أن تستغرق الإصلاحات ستة أشهر على الأقل، مما يجعل استئناف التشغيل قبل نهاية عام 2026م أمرًا مستبعدًا. وتكتسب هذه الانقطاعات أهميتها كبيرة بسبب تمركز المنشآت جغرافيًا؛ فخروج مصفاة كبرى من الخدمة قد يربك توزيع الوقود في محيطها، حتى مع توافره في مناطق أخرى، كذلك تُجبر الهجمات المتكررة روسيا على توجيه موارد إلى حماية المنشآت الصناعية والإصلاحات الطارئة ووسائل النقل البديلة، مما يزيد العبء الاقتصادي لاستمرار الحرب.
وتساعد الطبيعة التقنية للأضرار على تفسير استمرار آثارها؛ فالضربات التي تنال من معدات المعالجة قد تحدّ من تحويل النفط الخام إلى وقود صالح للاستخدام في وسائل النقل، بينما تؤدي الأضرار التي تلحق بالوحدات الأكثر تطورًا إلى خفض مردود الإنتاج أو جودة المنتجات، وتفاقم العقوبات صعوبة الحصول على المكونات والخدمات المتخصصة، لكن تعطيل المصافي لا يحرم القوات الروسية تلقائيًا من الوقود؛ إذ تستطيع موسكو إعطاء الأولوية للإمدادات العسكرية على حساب الاستهلاك المدني والصادرات، كما أن كل برميل يبقى دون تكرير لا يمثل بالضرورة إيرادًا مفقودًا؛ فقد تصدّر روسيا كميات إضافية من الخام، لتعوض جزئيًا تراجع مبيعات المنتجات المكررة.
ولا تقلّل هذه الفروق من الأثر الدولي للحملة؛ فقد أفادت وكالة الطاقة الدولية بأنّ إجمالي صافي صادرات الديزل وزيت الغاز من روسيا ودول الخليج انخفض في أغسطس بمقدار 1.6 مليون برميل يوميًا مقارنة بفبراير. وأضاف تراجع قدرات التكرير الروسية ضغوطًا على أسواق الوقود العالمية التي تعاني أصلًا اضطرابات جرّاء الحرب في إيران، وعليه يكشف شحّ الإمدادات الناتج كيف تتداخل الحرب الروسية الأوكرانية والمواجهة مع إيران عبر أسواق الطاقة العالمية، رغم اختلاف منطلقاتهما وأهدافهما. وبالنسبة إلى واشنطن، تتجاوز تداعيات ارتفاع أسعار الديزل سائقي السيارات بكثير؛ إذ ترفع تكاليف النقل بالشاحنات والزراعة والتوزيع، لتنعكس على أسعار السلع التي تشتريها الأسر وهوامش أرباح الشركات. وقُبيل انتخابات التجديد النصفي، يمنح ذلك ترامب حافزًا للبحث عن إمدادات إضافية وطرف خارجي يحمّله المسؤولية، ويمكن فهم ضغوط واشنطن على كييف في إطار حسابات استراتيجية أوسع؛ فإعطاء الأولوية لاحتواء إيران يستلزم تخفيف الضغوط في مواضع أخرى من أسواق الطاقة العالمية. وقد يساعد تعليق الهجمات الأوكرانية والروسية على البنية التحتية للطاقة في استقرار إمدادات الوقود، ويمنح واشنطن هامشًا أوسع لمواصلة الضغط على طهران. كذلك يمكن تفسير الانخراط مع موسكو بوصفه محاولةً أمريكية للحدّ من قدرة إيران على التأثير في أسواق الطاقة العالمية؛ فقد عرض وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت اتفاق الديزل مع روسيا من هذا المنظور، واصفًا إيران بأنها «الخاسر الأكبر» منه، ويرى أن الاتفاق أضعف قدرة طهران على استغلال الاضطرابات بمضيق هرمز، وعليه تشير هذه التطورات إلى مسعى لتقويض أوراق الضغط الاقتصادية الإيرانية.
ويُجسّد اتفاق الديزل الذي أبرمه ترامب مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في التاسع من أكتوبر هذه الاستراتيجية الأمريكية؛ فقد قدّم ترامب الإمدادات الروسية على أنها استجابةً من موسكو لنقص الوقود، رابطًا انتقاداته لكييف بمواصلتها استهداف المصافي. ويرتّب هذا التفاهم ضغوطًا إضافية على أوكرانيا، إذ يربط تسليم شحنات الديزل الروسية بحالة المصافي. وعليه قد تتحول الضربات الأوكرانية المستمرة إلى نقطة خلاف، تنسب فيها موسكو أيّ نقص في الشحنات إلى الهجمات، بينما تضغط واشنطن على كييف لتعليقها.
وتملك الولايات المتحدة أدوات ضغط ملموسة؛ فقد هدّد مسؤولون أميركيون أوكرانيا بفرض قيودٍ على تبادل المعلومات الاستخباراتية وعلى آلية «قائمة احتياجات أوكرانيا ذات الأولوية» المعروفة اختصارًا باسم «بيرل | PURL» وبموجب هذه الآلية التابعة لحلف شمال الأطلسي، يمول الحلفاء والشركاء شراء معدات حيوية من الولايات المتحدة، ولذلك لا يلغي التمويل الأوروبي الاعتماد على قرارات التوريد الأمريكية. كما تستطيع واشنطن التهديد بتأخير أو تقييد تسليم معدات تحتاج إليها أوكرانيا للدفاع عن نفسها، بما فيها منظومات الدفاع الجوي، وقد يفرض ذلك أثمانًا تتجاوز بكثير حملة استهداف المصافي نفسها؛ فنقص ذخائر الدفاع سيترك البنية التحتية الأوكرانية أكثر عرضة للهجمات، ويجبر كييف على الموازنة بين جدوى ضغطها عبر شن الهجمات وضرورة الحماية الفورية لشعبها.
وتشكّل المعلومات الاستخباراتية أداةً ضغط أخرى، فقد تُؤثر في الإنذار المبكر والتخطيط العملياتي والإلمام بالموقف الميداني؛ ويمنح إنتاج أوكرانيا المحلي من الطائرات المسيّرة قدرة هجومية مستقلة، لكنه لا يبدّد اعتمادها الأوسع على الدعم الأمريكي. ويضاف الضغط السياسي إلى هذه الأدوات المادية؛ فإشارة ترامب إلى حاجة أوكرانيا إلى رئيس جديد تقوّض مكانة الرئيس زيلينسكي، وتبعث برسالة مفادها أن التعاون قد يصبح مشروطًا بالامتثال للمطالب الأمريكية. ويمثّل اعتماد أوكرانيا على «ستارلينك» مكمن ضعف إضافيًا، لاسيما بعدما جدّدت انتقادات إيلون ماسك الأخيرة لزيلينسكي المخاوف بشأن هذا الاعتماد، وإن لم يُرصد تهديد جديد وصريح بتعليق الخدمة.
ويكشف وقف إطلاق النار المقترح في قطاع الطاقة عن تضارب الأولويات؛ فقد أعلن ترامب في 11 أكتوبر التوصل إلى اتفاق فوري، لكن نطاقه ومدى قبول الأطراف به بقيا غير واضحين، فيما أفاد زيلينسكي بوقوع هجمات روسية لاحقة على منشآت الطاقة الأوكرانية. وستكون أيُّ هدنة تقتصرُ على حماية المصافي غير متكافئة؛ فروسيا تمتلك شبكة تكرير واسعة، بينما تحتاج أوكرانيا بصورة ملحّة إلى حماية منظومة الكهرباء لديها، لذلك فإن مطالبة كييف بالمعاملة بالمثل مطلب جوهري؛ فتعليق أكثر أدوات ضغطها الاقتصادي فاعلية، دون قيود قابلة للإنفاذ تكبح الهجمات الروسية، قد يحافظ على إنتاج الوقود في موسكو، بينما يترك المدنيين الأوكرانيين عرضة للخطر خلال الشتاء.
ومعضلة أوكرانيا عسكرية وسياسية في آن واحد؛ فالضربات التي تستهدف المصافي الروسية تستطيع زيادة الأعباء على موسكو، لكن قيمتها الاستراتيجية تتوقف جزئيًا على الحفاظ على دعم الحلفاء. ولا تزال السياسة الأمريكية تجاه الحرب تتأثر تأثرًا كبيرًا بالاعتبارات السياسية الداخلية، ومنها أسعار الوقود والضغوط الانتخابية. وبالنسبة إلى كييف، فإن السعي إلى التأثير في التنافس الدائر بين الديمقراطيين، الأكثر دعمًا لأوكرانيا عمومًا، والجمهوريين، سيحمل مخاطر كبيرة؛ فالتعاطف الأكبر مع أوكرانيا لا يُترجم بالضرورة إلى تأييد تدخل عسكري أميركي مباشر، وهي مسألةٌ لا تزالُ تثير خلافًا سياسيًا داخل الحزبين. وقد يصعب على أوكرانيا مواصلة حملتها في استهداف المصافي الروسية على المدى الطويل إذا فاقمت الضغوطات على أسواق الديزل التي ضاعفت حرب إيران توترها أصلًا. ويتجاوز التحدي السياسة الداخلية الأمريكية؛ إذ قد يؤدي استمرار ارتفاع أسعار الوقود أيضًا إلى تآكل التأييد لدى الدول الأوروبية الذين يتحملون الأعباء الاقتصادية لهذه الاضطرابات، لذلك تحتاج كييف إلى التوفيق بين هدفها العسكري المتمثل في إضعاف اقتصاد الحرب الروسي، والحفاظ على المصالح الاقتصادية الأمريكية والأوروبية التي تسهم في استمرار تلقي كييف للدعم من حلفائها. وينبغي لأي اتفاقٍ لوقف الهجمات مؤقتًا أن يضمن حماية متبادلة للبنية التحتية الأوكرانية للطاقة، تدعمها آليات للتحقق مع تبعات تترتب على أي انتهاكات، حتى تفضي مراعاة هذه المخاوف أيضًا إلى مكاسب أمنية ملموسة لأوكرانيا.