ساعة الحسم في رهان إيران النووي

https://rasanah-iiis.org/?p=39528

حجَبَ حصار مضيق هرمز الاهتمام العالمي ببرنامج إيران النووي، فبعد أن أخذت طهران تقيِّد وصول الوكالة الدولية للطاقة الذرِّية تدريجيًا منذ فبراير 2021، منعتها تمامًا من تفتيش أنشطتها النووية ومراقبتها منذ يونيو 2025.

وفي إفادته أمام مجلس المحافظين الشهر الماضي، في سبتمبر، أقرَّ المدير العام للوكالة رافائيل غروسي، بأنَّ الوكالة باتت «عمياء تمامًا» إزاء البرنامج النووي الإيراني منذ أكثر من عام. وفي غياب وقْف لإطلاق النار أو اتفاق، لا يزال العالم يجهل طريق إيران نحو تخصيب اليورانيوم، ومصير مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب بنسبة 60%، البالغ 440.6 كيلوغرامًا في صورة سداسي فلوريد اليورانيوم، فضلًا عن إجمالي مخزون اليورانيوم المخصَّب بنسبتي 20% و3.67%، البالغ 8,834 كيلوغرامًا. وعلى الرغم من غياب أدلَّة موثوقة، يُفترَض معظم أوساط الخبراء الإستراتيجيين أنَّ اليورانيوم المخصَّب نُقِل وخُزِّن في حاويات خاصَّة تحت منشأة «جبل الفأس» أو «كوه كلنغ غاز لا»، على بُعد كيلومترين من مجمَّع نطنز، ومنذ ذلك الحين استخدمت إيران هذا الغموض ورقة ضغْط. وقد كشفت جماعة إيرانية معارِضة عن المجمَّع المقام تحت الأرض، على عُمق يزيد على 150 مترًا، خلال عامَي 2022 و2023، ثمَّ أكَّدت صور الأقمار الصناعية وجوده لاحقًا، ولم تُطلِع إيران الوكالة على تفاصيله إلّا في الاجتماع الأخير. وبذلك، تحتفظ إيران وهي دولةٌ موقِّعة على «معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية» بموقع نووي من دون الإعلان عن وجوده وفق الأُصول وإتاحته لرقابة الوكالة. وعمليًا، لا يخضع مجمَّع جبل الفأس لضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرِّية، ومن ثمَّ يمكنه تخصيب اليورانيوم إلى المستوى، الذي يمكن معه صُنع الأسلحة في خفاءٍ وأمان، فمن الممكن أن تجري عمليات تصنيع القنابل النووية وتجميعها داخل المجمَّع نفسه. ومع تعليق إيران تعاونها الإلزامي مع الوكالة، وحماية اليورانيوم عالي التخصيب ومنخفض التخصيب من التدمير خلال الحرب، وبالنظر إلى معرفتها بتجميع القنابل، التي كُشِف عنها في أوائل العقد الأول من الألفية ومنتصفه، يُحتمَل أن تتمكَّن من تصنيع ما بين ست وثماني قنابل نووية.

وقد تعرَّضت المواقع النووية الإيرانية الرئيسية جميعها لضربات متكرِّرة جعلتها غير قابلة للتشغيل، وتشمل هذه المواقع: مجمَّع محطَّة نطنز التجريبية لتخصيب الوقود، وموقع فوردو، ومجمَّع أصفهان النووي، موقع لويزان 2 (مجده)، والمقرّ الجديد لمنظَّمة الابتكار والبحوث الدفاعية «سبندSPND | »، ومجمَّع «تابا/تيسا» لتصنيع أجهزة الطرد المركزي في كرج، ومفاعل آراك للماء الثقيل «آي آر-40» ومصنع إنتاج الماء الثقيل «D₂O»، ومنشأة سنجريان.

وفي 9 سبتمبر 2026، صوَّت مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرِّية بأغلبية 23 صوتًا مقابل ثلاثة على إحالة إيران إلى مجلس الأمن الدولي؛ بسبب عدم امتثالها لالتزاماتها النووية. وبحسب أحدث تقارير الوكالة، فإنَّها لم تتلقَّ من إيران معلومات عن وضْع موادها أو منشآتها النووية المُعلَنة، ولم تتمكَّن من الوصول إلى المواقع المتضرِّرة لإجراء عمليات التحقُّق الميداني.

وقبل هجمات يونيو 2025، كانت إيران قد نشرت ما يُقدَّر بنحو 20 ألفًا إلى 22 ألف جهاز طرْد مركزي متفاوتة الكفاءة. وأظهرت صور شركة «ماكسار تكنولوجيز» فتحة قطرها 18 قدمًا فوق مجمَّع نطنز المُقام تحت الأرض، إلى جانب تدمير مبانٍ عدَّة على السطح،  كما كشفت الصور حُفرًا كبيرة متعدِّدة ورمادًا أزرق منتشرًا في أرجاء المنشأة، وكانت مداخل عدَّة أنفاق مسدودة بالتراب. وأظهرت صور «ماكسار» أيضًا أضرارًا واسعة في مباني مركز الأبحاث النووية، مع بقاء الحطام متناثرًا بوضوح على الطُرُق.

وبحلول فبراير 2026، كانت إيران قد أقامت أسقفًا فوق المباني المتضرِّرة في نطنز وأصفهان، كما أفادت وكالة «رويترز» باستمرار أعمال إيران لـ«تحصين مداخل الأنفاق قُرب نطنز وتعزيزها دفاعيًا».

ومن المرجَّح أن  يكون بناء الأسقف الجديدة جزءًا من مساعي إيران لتقييم حالة منشآتها ومعدّاتها بعد الضربات، وإخفاء أنشطتها عن مراقبة الأقمار الصناعية.

ولم يتعرَّض جبل الفـأس لأيّ هجوم، على الرغم من تهديدات الرئيس ترامب المتكرِّرة وتصاعُد التحذيرات المثيرة للقلق في الأوساط السياسية والإستراتيجية. ومع أنَّ أعمال الحفر تحت المنشأة بدأت، بحسب تقارير، في وقتٍ ما من عام 2020م، فإنَّ وجود أنفاق متعدِّدة لم يُكشَف علنًا إلّا في أوائل عام 2024. ووفقًا لتقييم «مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية |CSIS »، يُعتقَد أنَّ وتيرة البناء تسارعت عقِبَ تصعيد عام 2025م، وبالاستناد إلى صور الأقمار الصناعية، خلُص المركز إلى أنَّ هذه الفترة «شهِدَت أكبر قدر من النشاط من هذا النوع منذ بدء إنشاء المنشأة؛ ما يُشير إلى زيادة استخدام الموقع».

أمّا منشأة «طالقان 2»، الواقعة داخل مجمّع بارتشين العسكري في ضواحي طهران، فقد استهدفتها إسرائيل في أكتوبر 2024، لكن أعمال إعادة بنائها بدأت في مايو 2025، ضمن ما يُعتقَد أنَّه هيكل معزَّز مغلَّف بالخرسانة ومغطَّى بالتراب. وبعد أن ضربتها إسرائيل مجدَّدًا في مارس 2026، أفاد «معهد العلوم والأمن الدولي» بتجدُّد أعمال الإصلاح لسدِّ ثلاث فتحات اختراق في أعلى المنشأة الرئيسية المحصّنة، أعقبها بناء سقف أو غلاف خرساني فوق منشأة «طالقان 2» لحمايتها من الضربات المستقبلية في محيطها.

ومن السذاجة افتراض أنَّ إيران لم تكُن لتنقل المواد المخصَّبة إلى مكانٍ أكثر أمانًا في مواجهة تهديدات وشيكة؛ فبعد كلّ هجومٍ على مكوِّنات برنامجها النووي، سارعت طهران إلى تأمين المنشآت، فضلًا عن إنشاء منشآت مماثلة تحت الأرض. وينبغي توقُّع استمرار سعيها إلى توفير بدائل احتياطية، بما في ذلك تخزين أجهزة طرْد مركزي إضافية احتياطية أو مركَّبة تحت منشأة جبل الفأس. وقد تكون منشأة «طالقان 2» مختبر إيران لاختبار المتفجِّرات ومنشأة لتجميع الرؤوس النووية. ويبدو هذا الافتراض أكثر ترجيحًا عند قراءته، إلى جانب التصريحات التي تصدر بين حين وآخر عن نوّاب إيرانيين بشأن الانسحاب من «معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية» وتطوير قُدرة ردْع نووية إيرانية. وتعتمد هاتان المنشأتان، اللتان يُفتَرض أنَّهما تعملان الآن، على الحفاظ على اليورانيوم عالي التخصيب ومنخفض التخصيب. وإذا نجحت إيران في تركيب سلسلة إضافية من أجهزة الطرد المركزي تحت جبل الفأس، فإنَّ احتمال رفْع تخصيب الكمِّية المتبقِّية من اليورانيوم عالي التخصيب من 60% إلى 90% يبدو واقعيًا، فضلًا عن رفْع مستوى تخصيب اليورانيوم منخفض التخصيب بنسبة 20% إلى نسب أعلى. أو رُبَّما تكون منشأة جبل الفأس مجهَّزة فقط لتخزين اليورانيوم، أو لتصنيع أجهزة الطرد المركزي في أقصى تقدير. ورُبَّما تكون كمِّية اليورانيوم المتبقِّية ضئيلة للغاية ويصعب استخراجها من تحت الأنقاض؛ فلا يُوجَد دليل قاطع على نقْل حاويات اليورانيوم عالي التخصيب ومنخفض التخصيب إلى مجمَّع جبل الفأس.

قد يبدو إبقاء مضيق هرمز مغلقًا أمام حركة الملاحة خيارًا نوويًا، لكنَّه أبعد ما يكون عن ذلك، ففي مواجهة عملية ترامب «المنبوذ الاقتصادي»، قد تجِد طهران قريبًا أن هذا الخيار يرتَدّ عليها بالضرر. ومن ثمَّ، فإنَّ خيارها النووي الحقيقي يكمُن حيث كان طوال عقود: في الردع النووي، لا سيّما أنَّ الحرس الثوري الإيراني قطَعَ شوطًا كبيرًا في هجماته ضدّ جيرانه العرب وإسرائيل والولايات المتحدة، إلى درجة يبدو معها توقُّع انفراجة دائمة تفاؤلٌ كبير جدًّا، لذلك ليس أمام إيران خيار سوى أن تعلِّق آمالها على مجمَّعَي «طالقان 2» وجبل الفأس. وهُنا يُطرَح السؤال: ما مدى السرعة، التي تستطيع بها إيران تحويل مساعيها النووية إلى واقع على الأرض؟ وهل يستطيع الحرس الثوري تجميع الرؤوس النووية قبل الهجمات المُرتقَبة على إيران؟ فالوقت هُنا العامل الحاسم.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير